Site icon روكب اليوم

مواجهة الانفصال.. هل هذه هي لحظة رحيل بريطانيا القديمة؟ |

afp 6ab31658b6db 1790121560

روكب اليوم

أنهى حزب العمال البريطاني هذا الأسبوع مؤتمره السنوي العام تحت قيادته الجديدة بزعامة آندي بيرنهام تحت شعار “الأمل مجددا”، ضمن سياق سياسي داخلي ودولي عاصف، تلوح في أفقه العديد من التحديات والصعوبات. ورغم استطلاعات الرأي المتتالية التي تعطي الحزب الصدارة منذ تولي بيرنهام زعامته، متقدما على جميع الأحزاب الأخرى، فإن الحزب سيجد نفسه أمام امتحانات صعبة في الأشهر المقبلة.

فقد عقد حزب العمال الذي يقود الحكومة مؤتمره السنوي، متقدما في استطلاعات الرأي، ولكن بنسبة بسيطة على حزبي المحافظين والإصلاح المحسوب على اليمين المتطرف، ما يشير لأول مرة إلى أن تركيبة البرلمان المقبل قد تفرض ائتلافا حكوميا.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وفي خطابه الأول أمام المؤتمرين، تعهد بيرنهام بإعادة بناء بريطانيا على أسس أكثر صلابة وأكثر توحيدا للبريطانيين، متعهدا باقتحام كل القضايا العالقة التي تجنبت الطبقة السياسية الخوض فيها ومعالجتها على مدى عقود، على غرار إعادة تأميم بعض القطاعات الحيوية، ومعالجة ملف الرعاية الصحية والاجتماعية المعقد، والإصلاح الدستوري المتعلق بالنظام الانتخابي وإمكانية تبني دستور مكتوب، إلى جانب -بطبيعة الحال- خيار العودة إلى الاتحاد الأوروبي وإلغاء بريكست.

تبدو اللحظة السياسية في بريطانيا اليوم، منعطفا حاسما باتجاه حقبة جديدة، قد تعيد تأسيس الحياة السياسية في البلاد على أسس دستورية وانتخابية جديدة، وتضع بريطانيا على طريق العودة إلى الاتحاد الأوروبي

وفي وقت أظهرت استطلاعات رأي تلت خطاب بيرنهام تأييدا واسعا لإصلاح نظام التقاعد بنحو 48% مقابل رفض 28%، وأيضا تأييد 60% من البريطانيين العودة إلى الاتحاد الأوروبي، اعتبر بيرنهام أن برنامجه الحكومي الجريء الذي سيعبر عنه مشروع الميزانية العامة في الأسابيع المقبلة، وأيضا برنامج حزب العمال للإصلاح خلال السنوات العشر المقبلة، سيكونان الرافعتين لفوز الحزب خلال الانتخابات العامة.

في السياسة الخارجية، كان لافتا خلال المؤتمر السنوي للحزب الحضور البارز للقضية الفلسطينية والتضامن مع غزة. وكان لخطاب وزير الخارجية إيد ميليباند، وما عبر عنه من مواقف متعاطفة مع غزة، ورافضة لسياسات الحصار للقطاع ومستنكرة للانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية ورفض الاستيطان، صدى إيجابي كبير لدى أنصار القضية الفلسطينية، وقد لقيت مواقف ميليباند ارتياحا واسعا لدى مسلمي بريطانيا.

بيد أن هذه الأجواء الإيجابية والمتفائلة التي سادت المؤتمر على مدى ثلاثة أيام، وما نجح فيه بيرنهام خلال خطابه المتفائل من تشخيص جريء لأزمة البلاد، وما تحتاجه من معالجات، ستُواجه بواقع مليء بالتعقيدات والتحديات، ولن نبالغ إذا اعتبرنا أن الأشهر القليلة المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي لمدى قدرة أندي بيرنهام وحزبه على تدبير وحسن إدارة الصعوبات، في ظل ارتفاع متوقع لأسعار الطاقة والأسعار بصفة عامة والتي باتت هاجسا يقض مضاجع البريطانيين، إذ يتوقع أن تشهد أسعار المحروقات ارتفاعا يناهز 26%، مع ما سيعنيه ذلك من تداعيات على حياة الناس.

من المؤكد أن حزب العمال من خلال تجديد قيادته خلال الصيف عبر تغيير زعيمه، ثم من خلال عقد مؤتمره السنوي وما ساده من أجواء إيجابية، قد نجح في استعادة زخمه الشعبي والسياسي، وأكد أنه الحزب الأجدر بقيادة البلاد خلال هذه المرحلة العاصفة على المستويين الداخلي والدولي.

وسيضع هذا النجاح السياسي على عاتق الحزب مسؤولية تجسيد هذا النجاح من خلال سياسات تعزز ثقة البريطانيين في مستقبلهم وتؤمن أوضاعهم الاجتماعية، وتأخذ في الحسبان الحاجة للمضي في بعض الخيارات الصعبة، التي قد لا تحظى بارتياح شعبي، غير أنها ملحة لإنجاز الإصلاحات المطلوبة.

ولا شك أن الجرأة السياسية ووضوح الرؤية لدى بيرنهام، اللذين أشاد بهما المراقبون، سيساعدانه على المضي في تنفيذ برنامجه الحكومي، على اعتبار أنه يعرف على الأقل ماذا يريد.

غير أنه لا الوضوح في الرؤية ولا الجرأة كافيان لضمان نجاح رهانات بيرنهام. إذ من المتوقع أن تواجه حكومة العمال صعوبات لم يُحسب لها حساب، يقع بعضها خارج نطاق تقديراته، في ظل ما يشهده العالم من أحداث عاصفة، على غرار الحرب في الشرق الأوسط، والحرب الروسية الأوكرانية، وما لهذه الأحداث من تداعيات على اقتصادات العالم والأمن الدولي.

فعلى طاولة حكومة العمال برئاسة بيرنهام ملفات شائكة يستلزم التعاطي معها ومعالجتها تجنب الوقوع في أخطاء قاتلة. وهذه الملفات تبدأ من الميزانية العامة وكيفية تدبير مواردها، في ظل ارتفاع غير مسبوق للاقتراض العام من جهة، وارتفاع نسبة التضخم من جهة أخرى وسط تحذيرات متزايدة من ضرورة تجنب فرض مزيد من الضرائب على رجال الأعمال وأصحاب المال، خشية أن يؤدي ذلك إلى انكماش وتراجع حجم الاستثمارات الجديدة.

وسيكون بيرنهام مطالبا بالإجابة عن مصادر تمويل الميزانية العامة لا سيما في ظل ما رصد منها لميزانية وزارة الدفاع، على خلفية الضغوط الداخلية ومن إدارة ترمب للمضي في تحسين القدرات الدفاعية والتسلح انسجاما مع خيارات الحلف الأطلسي الذي تُعد بريطانيا أحد أعضائه البارزين.

يتطلع الرأي العام البريطاني أيضا لكيفية تدبير بيرنهام لفكرة اللامركزية التي يبشر بها، وحدود الصلاحيات والسلطات التي يمكن أن تتنازل عنها حكومة “داونينغ ستريت” لصالح الجهات والأقاليم. ولا سيما أن هذا الملف بات ذا حساسية خاصة، في ظل ما أعلنته كل من أيرلندا الشمالية وإسكتلندا وويلز من رغبة في إعلان الاستقلال والانفصال عن بريطانيا

ويتطلع الرأي العام البريطاني أيضا لكيفية تدبير بيرنهام لفكرة اللامركزية التي يبشر بها، وحدود الصلاحيات والسلطات التي يمكن أن تتنازل عنها حكومة “داونينغ ستريت” لصالح الجهات والأقاليم. ولا سيما أن هذا الملف بات ذا حساسية خاصة، في ظل ما أعلنته كل من أيرلندا الشمالية وإسكتلندا وويلز من رغبة في إعلان الاستقلال والانفصال عن بريطانيا.

وسيضع هذا التوجه الانفصالي تحديا كبيرا يمس وحدة وتماسك المملكة المتحدة، ويحتاج إلى مقاربة شاملة وصيغ مبتكرة، تستجيب لمطالب هذه الدول الثلاث وتحتويها. وتُعد -في هذا الصدد- فكرة عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي إحدى الاستجابات الإستراتيجية لحماية وحدة بريطانيا، خاصة أن هذه الدول المذكورة طالبت في بيان مشترك حكومة بيرنهام بضرورة الانضمام مجددا للاتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من الزخم السياسي والشعبي الذي أحدثه حزب العمال خلال الأشهر القليلة الماضية، مما بوّأه صدارة الأحزاب السياسية في استطلاعات الرأي ونوايا التصويت في الانتخابات المقبلة، فإن هامش الفارق بينه وبين “حزب الإصلاح” اليميني المتطرف وبقية الأحزاب يظل هامشا ضئيلا نسبيا، ولا يسعف الحزب بالتحرك لتنفيذ خططه بأريحية واطمئنان.

ويزداد التحدي تعقيدا مع ما يجده هذا اليمين المتطرف بقيادة نايجل فاراج من دعم سياسي وحتى مالي من قبل تيار “ماغا”، الرافعة الانتخابية لدونالد ترمب في الولايات المتحدة.

إذ يرتبط فاراج شخصيا بعلاقة صداقة مع ترمب وفريقه في البيت الأبيض، ويجد منه دعما مباشرا. فقد أشارت تقارير إلى أن هذا التيار الأمريكي اليميني الصاعد، يتحرك ضمن شبكة من المؤسسات تم إنشاؤها في العديد من بلدان القارة الأوروبية، إلى جانب شخصيات معروفة من أجل دعم وإسناد التيارات اليمينية ومساعدتها في المنافسات الانتخابية. وأُطلقت مبادرات في هذا الصدد في بريطانيا لنشر وترويج ثقافة وفكر اليمين، لا سيما القومية والهوية المسيحية لأوروبا، ومناهضة الهجرة والمهاجرين.

ويمثل إعلان أندي بيرنهام خلال المؤتمر السنوي لحزب العمال نية إصلاح النظام الانتخابي لضمان تمثيل عادل، فضلا عن إصلاحات دستورية أخرى، مدخلا لتحصين النظام السياسي، وتعزيز وحدة البلاد.

بيد أنه من المتوقع أن يكون تغيير النظام الانتخابي، بمثابة إعلان عن نهاية النظام السياسي القائم على الحزبين (العمال والمحافظين)، مما يفتح المجال أمام تعددية برلمانية أوسع، وتكريس نظام حكم ينبني على ائتلافات حكومية، هي السمة العامة السائدة في المشهد الأوروبي.

تبدو اللحظة السياسية في بريطانيا اليوم، منعطفا حاسما باتجاه حقبة جديدة، قد تعيد تأسيس الحياة السياسية في البلاد على أسس دستورية وانتخابية جديدة، وتضع بريطانيا على طريق العودة إلى الاتحاد الأوروبي، ليس فقط لتعزيز أمنها القومي وخروجها من العزلة، وإنما أيضا حماية لوحدة تتهددها نزعات قومية تتصاعد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

Exit mobile version