
روكب اليوم
الخرطوم- بعد نحو 20 شهرا من استعادة الجيش السوداني ولايات سنار والجزيرة والخرطوم في وسط البلاد وتراجع قوات الدعم السريع غرباً، تم تدشين مؤتمرات للصلح والسلم الاجتماعي لمعالجة التعقيدات التي خلفتها الحرب وباتت تهدد التعايش السلمي.
وبعد جهود رسمية وشعبية توصلت القيادات القبلية والمجتمعية في ولاية سنار إلى وثيقة لاستعادة وتعزيز التعايش السلمي والتراضي الاجتماعي بين مكونات الولاية، وإصلاح البيئة المجتمعية وتقويم المعاملات الاجتماعية السيئة التي نشأت بسبب الحرب، وترميم العلاقات الاجتماعية وإحياء القبول بالآخر وروح التسامح.
واستضافت الخرطوم الأسبوع الماضي مؤتمرا للصلح وقعت خلاله مكونات مجتمع ولاية سنار، ميثاقا للتعايش السلمي، نظمه المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي تحت رعاية رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان وحضور رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس.
وضم ممثلو أطراف الصلح، الناظر إبراهيم الفودا، والناظر صلاح محمد المنصور العجب، والعمدة محمد صالح، وموسى منزول إبراهيم، الذين اعتبروا الوثيقة نقطة تحول نحو رتق النسيج الاجتماعي، وسيكون لها مردود إيجابي على التعايش بين جميع مكونات الولاية.
الاستشفاء الوطني
وأكد رئيس الوزراء دعم حكومته لوثيقة الصلح والتعايش السلمي لمكونات ولاية سنار، بالتنمية الشاملة المستدامة والخدمات، ووصف الوثيقة بـ”التاريخية”، معتبرا أنها رسالة لأهل السودان بأن الدولة ماضية في مسيرة الاستشفاء الوطني.
من جانبه، قال رئيس المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي، النور الشيخ، إن الحرب كانت تستهدف النسيج الاجتماعي وأن التوصل إلى الوثيقة أتى بعد جهود مضنية قادتها اللجنة المكلفة بأعمال الصلح، حتى تم التوصل إلى توافق. وعده خطوة مهمة في تحقيق التعافي المجتمعي بين مكونات الشعب التي تضررت من الحرب وممارسات “مليشيا الدعم السريع”.
وفي حديث للجزيرة نت شدد الشيخ على ضرورة نبذ القبلية والعنصرية ونشر ثقافة السلام والمصالحات بين المجتمعات المحلية، ودعا الفقهاء وعلماء الدين إلى أن يكونوا قدوة في نشر قيم التسامح بين كافة مكونات المجتمع.
كما قال رئيس لجنة المصالحات بولاية سنار إبراهيم عوض إنه على رغم المرارات التي حدثت في الحرب فقد عاد الناس إلى الصلح والتعايش السلمي لمكونات مجتمع الولاية وهو “بداية لسودان جديد معافى” ورأى أن استدامة التعايش والاستقرار يتطلب التنمية وتحسين الخدمات.
ندوب الحرب
وأحدثت الحرب الجارية في البلاد منذ منتصف أبريل/نيسان 2023 ندوبا في جسد المجتمع السوداني المتعدد الأعراق والثقافات، بعد أن كان يتسم بالتسامح والتعايش السلمي.
وكانت تطورات الحرب وما رافقها من جرائم وانتهاكات، خصوصا في الخرطوم ووسط البلاد، وانتماء غالب مقاتلي قوات الدعم السريع إلى كيانات اجتماعية في غرب البلاد، قد دفعت عددا كبيرا من المواطنين لتحميل تلك الكيانات مسؤولية ما جرى.
ومما زاد من التعقيدات مشاركة شباب من قرى في بعض ولايات الوسط، خاصة ولاية سنار، تعود أصولهم إلى إقليم دارفور في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع على رغم استقرارهم في الولاية منذ عشرات السنين.
وتعالت أصوات من يعبرون عن المتضررين من الحرب في مواقع التواصل الاجتماعي، وتطورت المناكفات إلى خطاب كراهية مما أدى لتفاقم الانقسامات، وتصاعد التوترات الاجتماعية وتهجير سكان في بعض المناطق التي ظلوا يقطنونها منذ سنوات طويلة خوفا من روح الانتقام.
وبعد تحرير ولاية سنار طالبت مجتمعات محلية بعدم السماح لتلك المجموعات بالعودة إلى القرى، بعدما حملوا أبناءهم مسؤولية القتل والانتهاكات ونهب الممتلكات ما أدى إلى توتر الأوضاع والقطيعة بين قرى متجاورة.
وثيقة سنار
ونصت “وثيقة سنار” – اطلعت عليها الجزيرة نت- أن يكون الصلح أبيضا دون المطالبات، بمعنى أن يتم التنازل من كل الأطراف عن ما فقدوه من أموال وممتلكات، وأن يظل الحق الخاص باقياً ويعالج عبر القضاء، وأن يعود النازحون وغير المشاركين في الحرب لقراهم.
كما نصت الوثيقة أن تكون العودة للقرى المتأثرة تدريجيا وبالتناسب مع فترة زمنية ملائمة لظروف المنطقة والواقع ضمانا لإنجاح الصلح والتعايش. كما شددت على ضرورة إعادة إعمار تلك المنطقة والقرى المجاورة.
ودعت إلى فترة زمنية لتهيئة النفوس وتفريغ الشحن الزائد الذي خلفه النزاع، ونشر قيم التسامح، وتنفيذ برنامج لتأهيل الطرق والجسور والمستشفيات في المنطقة لتسهيل التواصل وتشجيع النشاط الاقتصادي.
وقال مستشار رئيس مجلس الوزراء مصلح نصار إن المؤامرة الخارجية التي تستهدف السودان ووحدته واستقراره، باستخدام قوات الدعم السريع، عمدت إلى إضعاف اللحمة الوطنية وضرب النسيج الاجتماعي لتفكيك الدولة.
نشر ثقافة السلام
وحسب حديث نصار، للجزيرة نت، فإن السودان يزخر بالكفاءات والخبرات من رموز مجتمعية وطرق صوفية وإدارات أهلية مما يساعد في رتق النسيج الاجتماعي وتعزيز التعايش السلمي.
وستتوسع المصالحات الاجتماعية -يضيف نصار- وستشمل الولايات والمحليات والقرى والبوادي لنشر ثقافة السلام ومعالجة التعقيدات الاجتماعية، وتحقيق السلم المجتمعي حتى يكون التنوع والتعدد في السودان مصدر قوة لا ضعف.
أما الكاتب والمحلل أحمد يوسف التاي المنحدر من ولاية سنار فيرى أن وثيقة الصلح تبدو على درجة من الأهمية، وهي ضرورية لتخفيف حدة المرارات واختراق التراكمات النفسية التي خلفتها الحرب.
وتمثل “وثيقة سنار” على رغم ما شابها من قصور- كما يقول الكاتب للجزيرة نت- أول اختراق للتعقيدات الاجتماعية، وهي بمثابة اللبنة الأولى لرتق النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب، وهي محاولة جريئة.
ويعتقد أن أبرز التحديات التي تواجه تطبيق الوثيقة، أنها جاءت في وقت لا تزال النفوس تنطوي على بعض المرارات، والحرب لا تزال مشتعلة في أجزاء من البلاد.

