روكب اليوم
الفيلم قصة أصلية لسبيلبرغ، وكتب السيناريو الخاص به ديفيد كوب، في تعاون جديد بينهما بعد عدد من أبرز أعمال المخرج، فيما وضع الموسيقى جون ويليامز، شريكه الفني الأبرز منذ عقود. ويضم العمل عدد كبير من أهم نجوم هوليود، في مقدمتهم إميلي بلانت، وجوش أوكونور، وكولين فيرث، وكولمان دومينغو، في إنتاج يجمع بين شركتي أمبلين إنترتينمنت (Amblin Entertainment) ويونيفرسال بيكتشرز (Universal Pictures).
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
كائنات ستيفن سبيلبرغ الفضائية
بينما تميل أفلام الخيال العلمي الأخرى إلى تصوير القادمين من الفضاء كتهديد وجودي يجب القضاء عليه، فإن سبيلبيرغ منذ فيلم “لقاءات قريبة من النوع الثالث” (Close Encounters of the Third Kind) عام 1977، يعد هذه الكائنات بوابة لاكتشاف المجهول وإعادة النظر في مكانة الإنسان داخل الكون. يمثل اللقاء مع الكائنات الفضائية لدى ستيفن سبيلبرغ مصدرا للدهشة، فهو يستبدل الخوف بالفضول، وبعد خمس سنوات من هذا الفيلم ظهر هذا التصور بشكل أكبر في “إي.تي.” (E.T. the Extra-Terrestrial)، حيث تحولت الشخصية الفضائية إلى كائن ضعيف وودود يعكس براءة الطفولة وقدرة البشر على التعاطف مع المختلف.
استمر هذا التصور الإنساني للكائن الفضائي كأحد أكثر الثيمات ثباتا في سينما سبيلبرغ، حتى عندما قدم “حرب العوالم” (War of the Worlds)، الذي عاد فيه إلى صورة الغزو والدمار، وإن كان اهتمامه منصبا على استجابة البشر للأزمة أكثر من انشغاله بتفاصيل المخلوقات الغازية نفسها، وبالتالي أصبح الكائن الفضائي وسيلة لطرح أسئلة تتعلق بالخوف والإيمان والأسرة والإنسانية.
يمثل “يوم الكشف” امتدادا لهذا المشروع، لكنه يعكس في الوقت نفسه التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، حول الحقيقة ومن يمتلك الحق في الاحتفاظ بها.
تدور أحداث الفيلم حول دانيال كيلنر (جوش أوكونور)، خبير الأمن السيبراني الذي يعثر على أدلة تثبت وجود حياة خارج الأرض، لتقوده اكتشافاته إلى شبكة معقدة من الأسرار والتستر تمتد إلى مؤسسات نافذة تسعى إلى إبقاء هذه الحقيقة بعيدة عن أعين العالم. ومع تصاعد المطاردات ومحاولات إسكات كل من يقترب من كشف الحقيقة، يتقاطع طريقه مع مارجريت فيرتشايلد (إميلي بلانت)، مقدمة النشرات الجوية التي تبدأ في رصد ظواهر غامضة تدفعها إلى التشكيك في الرواية الرسمية للأحداث. وفي المقابل، يقف نوح سكانلون (كولين فيرث)، رئيس شركة “واردكس” (WARDEX)، كأحد أبرز المدافعين عن استمرار التستر على هذه الأسرار.
يعكس هذا التحول تغيرا في المناخ الثقافي، فالعالم الذي استقبل “لقاءات قريبة من النوع الثالث” في سبعينيات القرن الماضي كان منشغلا بفكرة الاكتشاف العلمي، بينما يعيش عالم اليوم في ظل تسريبات حكومية، وأزمات ثقة متفاقمة في المؤسسات الرسمية.
بين طموح الفكرة وتقليدية التنفيذ
ينطلق “يوم الكشف” من فرضية تبدو واعدة، لكن على الرغم مما تحمله هذه الفكرة من إمكانات فلسفية وسياسية، فإن الفيلم لا يذهب بها بعيدا، ويفضل تحويلها إلى فيلم تقليدي يجعل من التستر والمؤامرة محركا للأحداث. واللافت أن هذه الفرضية لم تعد جديدة في الثقافة الشعبية، خصوصا بعد سنوات من الجدل حول ملفات الأجسام الطائرة المجهولة (UAP)، وانتشار عشرات الأفلام والمسلسلات التي تناولت فرضية إخفاء الحكومات لحقيقة وجود كائنات فضائية، وهو ما يجعل الفيلم يبدو وكأنه إعادة تدوير لفكرة استهلكها الواقع والخيال العلمي معا.
تكمن المشكلة في الفكرة، والأهم في الطريقة التي تتطور بها الأحداث. فمع اكتشاف دانيال كيلنر للأدلة، يدخل الفيلم سريعا في سلسلة من المطاردات والهروب والملاحقات التي تتكرر بالوتيرة نفسها تقريبا، حتى تصبح أشبه بمحطات متوقعة دون أي تصعيد درامي. فكلما اقترب البطل من كشف الحقيقة، تظهر قوة جديدة تحاول منعه، ثم ينجو ليكرر الدورة ذاتها مرة أخرى. ومع مرور الوقت، يفقد هذا البناء قدرته على خلق التوتر، لأن المتفرج يبدأ في توقع مسار الأحداث قبل وقوعها.
كما أن السيناريو يتعامل مع أغلب الشخصيات كأدوات لخدمة مسار الحبكة، فدوافعها مبسطة، ويختزل الصراع في مواجهة مباشرة بين من يريد كشف الحقيقة ومن يريد إخفاءها، دون منح الطرف الآخر تعقيدا أخلاقيا أو سياسيا يبرر مواقفه. وحتى الحوارات، التي تحمل في كثير من الأحيان رسائل عن الحقيقة والخوف والمعرفة، تأتي مباشرة أكثر مما ينبغي.
أما النهاية، فعلى الرغم من محاولتها منح الفيلم بعدا إنسانيا ورسالة متفائلة تتماشى مع رؤية ستيفن سبيلبرغ للعالم، فإنها تبدو أقل تأثيرا مما يفترض بها. فبعد بناء توقعات كبيرة حول طبيعة السر الذي يسعى الجميع إلى إخفائه، لا يقدم الفيلم ذروة درامية أو فكرية تضاهي حجم هذا الانتظار، بل يختار خاتمة آمنة تؤكد القيم الإنسانية المعتادة لدى المخرج، من الإيمان بالحقيقة إلى قدرة البشر على التفاهم، دون المغامرة بطرح أسئلة أكثر إرباكا أو نهاية أكثر التباسا.
ورغم هذه الملاحظات، لا يفقد الفيلم بريقه البصري ولا بصمة سبيلبرغ الإخراجية، إذ يظل قادرا على صناعة مشاهد مفعمة بالإبهار، خصوصا مع الموسيقى التي تعيد إلى الأذهان أفضل أعماله. إلا أن الإخراج هنا يبدو، في كثير من الأحيان، أفضل من المادة التي يقدمها، فالمهارة السينمائية لا تخفي أن “يوم الكشف” يستند إلى فكرة مألوفة، وسيناريو يختار الطريق الأسهل في تصعيد الأحداث، ليخرج الفيلم عملا ممتعا بصريا، لكنه أقل جرأة وابتكارا مما يوحي به موضوعه، ولا يضيف إلى إرث سبيلبرغ في أفلام الخيال العلمي بالقدر الذي كان يمكن أن تتيحه فرضيته الأساسية.

