
ليس من السهل أن تجد اليوم فرقة موسيقية تجعل ملايين المستمعين في أنحاء العالم ينصتون إلى قصيدة عبرية عمرها قرون، أو يتفاعلون مع أغنية نسائية يمنية كانت تُغنى يومًا داخل البيوت والاحتفالات العائلية البسيطة. ففي زمن تهيمن فيه الموسيقى التجارية السريعة، تبدو تجربة فرقة يَمَة؛ استثناءً حقيقيًا ومدهشًا، لأنها اختارت أن تجعل من التراث اليمني النسائي مادة للإبداع، وأن تخلق من الذاكرة الموسيقية مشروعًا حيًا يتطور دون أن يفقد جذوره الأصيلة.
خلال سنوات قليلة تحولت يَمة إلى واحدة من أكثر فرق الموسيقى التراثية اليهودية حضورًا على الساحة الدولية. والمتابع لنشاطاتها سيجد أن أعمالها تجاوزت حدود الجمهور المحلي لتصل إلى ملايين المشاهدين عبر المنصات الرقمية، كما أصبحت ضيفًا دائمًا في المهرجانات والمسارح والجامعات الأوروبية والأميركية، حيث تقدم صورة مختلفة عن الموسيقى اليهودية الشرقية، بعيدة عن الاستعراض التجاري، وقريبة من البحث الثقافي والإنساني.
- يَمة: نحو البحر
تأسست الفرقة عام 2010 بقيادة المغنية والمنتجة تاليا ج. أ. سولان، وهي فنانة درست الفنون في جامعة تل أبيب وتخرجت بامتياز، ثم كرست جانبًا كبيرًا من حياتها للبحث في الموسيقى اليهودية القديمة، والتراتيل، والغناء القبلي، والذاكرة الموسيقية القادمة من مجتمعات الشتات.
ومن خلال بعض التصريحات الصحفية لتاليا سولان نفهم أن هدفها لم يكن مجرد إنشاء فرقة موسيقية جديدة، ولكن الأكثر أهمية بداية بناء مشروع يعيد الحياة إلى تراث يكاد يختفي، ويقدمه بلغة يفهمها جمهور القرن الحادي والعشرين.
اختارت سولان اسم “يَمة”، وهو يعني بالعبرية “نحو البحر”، وكأن الاسم نفسه يعكس رحلة طويلة من العبور بين الثقافات، وبين الشرق والغرب، وبين الماضي والحاضر. وهذه الفكرة هي التي ما زالت تحكم معظم إنتاج الفرقة؛ فالموسيقى هنا هي وسيلة للعودة إلى الذاكرة المشتركة للشعوب.
تضم الفرقة مجموعة من الموسيقيين الذين ينتمي كل واحد منهم إلى مدرسة مختلفة. فهناك يوني درور، أحد أبرز عازفي آلات النفخ في إسرائيل، والذي يجيد العزف على الدودوك والناي والشوفار والساكسفون والفلوت والكلارينيت. وهناك أفيف بهار، المتخصص في العود والكوبوز والسيتار، والمتأثر بالموسيقى التركية والفارسية والكردية. ويشارك أيضًا سحر ديفيد، عازف الإيقاعات الشرقية، الذي تأثر منذ بداياته بالموسيقى اليمنية والمغربية والتركية، إلى جانب أفري بوروخوف، عازف الكونترباص ومنتج الفرقة، الذي جمع بين دراسة الموسيقى الكلاسيكية والجاز والموسيقى الهندية، ليمنح أعمال الفرقة توازنًا بين الأصالة والحداثة.
ومنذ سنواتها الأولى، لفتت يَمة الأنظار بقدرتها على إعادة تقديم النصوص العبرية القديمة في قالب موسيقي معاصر. ومن أشهر أعمالها تقديم المزمور 104 من سفر المزامير، الذي تجاوزت مشاهداته ملايين المرات على يوتيوب. وقد كشف يوني درور أن لحن هذا العمل مستمد من تراث يهود العراق، وأنه ظل يحمله في ذاكرته سنوات طويلة قبل أن يجد في يَمة الفرقة القادرة على تنفيذ رؤيته الموسيقية.
تبدأ القطعة بعزف منفرد هادئ على العود، ثم تتدرج حتى تتحول إلى أداء جماعي غني، في رحلة موسيقية تختصر فلسفة الفرقة كلها: الانطلاق من الهمس التراثي إلى فضاء عالمي واسع.
لكن النجاح الحقيقي ليَمة كان وسيظل في قدرتها على تحويل التراث إلى لغة معاصرة دون أن تفقده هويته. فهي لم تكتف بإعادة أداء الأغنيات كما وصلت إليها، لكنها تعيد بناءها موسيقيًا، مع المحافظة على بنيتها الأصلية وروحها التاريخية. ولذلك تبدو أعمالها مألوفة لعشاق التراث، وجديدة بالنسبة إلى جمهور لا يعرف شيئًا عن هذه الموسيقى.
- أغنيات نساء اليمن
رغم أن الفرقة تقدم موسيقى يهودية من مناطق متعددة، فإن علاقتها بالتراث اليمني تستحق اهتمامًا. فقد اكتشفت تاليا سولان أن الغناء النسائي اليمني اليهودي يمثل واحدًا من أكثر الكنوز الموسيقية التي بقيت خارج دائرة الضوء. فبينما حظي الديوان اليمني وشعر الحاخام شالوم الشبزي وغيره من نصوص الرجال باهتمام واسع، بقيت أغنيات النساء محفوظة في الذاكرة الشفوية، تتناقلها الأمهات والجدات داخل البيوت، دون تدوين أو انتشار.
ومن هنا وُلد مشروع تيمان، وهو المشروع الذي أصبح اليوم أحد أهم أعمال الفرقة وأكثرها تميزًا. فالمقصود هنا ليس تقديم أغنيات يمنية معروفة، وإنما إعادة اكتشاف عالم كامل من الأصوات النسائية التي ظلت بعيدة عن المسارح لعقود طويلة.
تصف تاليا سولان هذا المشروع بأنه تحقيق لحلم شخصي رافقها سنوات طويلة؛ حلم تقديم الموسيقى اليمنية بأسلوب أكوستيكي يعتمد على تعدد الأصوات، والغناء الجماعي، والآلات التقليدية القديمة. وكانت تؤمن بأن هذا اللون من الغناء لا يحتاج إلى مؤثرات إلكترونية ولا إلى إيقاعات صاخبة، لأن قوته الحقيقية تكمن في بساطته وصدقه.
ولهذا السبب استعانت الفرقة بأصوات نسائية تحمل جذورًا يمنية واضحة، وفي مقدمتها موران اليمانية، التي كرست سنوات طويلة للحفاظ على الغناء اليمني التقليدي، وهدار نحيميا، التي تنحدر من عائلة تجمع بين التراث اليمني وتراث يهود إلى جانب ميخال زانداني وشارون كينزي، اللتين أضافتا للمشروع دفئًا إنسانيًا وحضورًا جماعيًا متجانسًا.
جاء اختيار هؤلاء الفنانات منسجمًا مع رؤية المشروع، الذي سعى إلى جمع نساء يشعرن بأن هذا التراث جزء من هويتهن الشخصية والعائلية، لذلك سنجدهن يحملنه بمحبة ومسؤولية.
وقدمت الفرقة من خلال “تيمان” أعمالًا مثل “بنت العروسة” و”يا حلوي يا حالي” و”قلبي” و”أحبك”، وهي أغنيات خرجت من البيوت اليمنية القديمة لتصل اليوم إلى مسارح أوروبا وأميركا، دون أن تفقد نبرتها الأولى أو رائحتها اليمنية.
المتابع لنشاط مشروع “تيمان” سيلمس أنه يقوم على رؤية ثقافية وإنسانية واضحة. ففي بيانها الفني، تصف تالياج. أ. سولان نساء اليمن اليهوديات بأنهن “ملكات سبأ”؛ نساء نبيلات وقويات استطعن، رغم قسوة الظروف، أن يحفظن التراث واللغة والأغنية والذاكرة. وترى أن أصواتهن ستظل مساحة للتعبير عن الحب، والألم، والتمرد، والأمومة، والشوق، والحياة اليومية.
وتؤكد سولان أن أغنيات النساء اليمنيات لم تكن تُغنى على المسارح، وبقيت حبيسة داخل البيوت، أثناء إعداد الطعام، وفي حفلات الحناء والأعراس، وأوقات العمل، وفي الحوارات النسائية المغلقة. وهناك، بعيدًا عن أعين الرجال، وجدت النساء مساحة للحديث عن مشاعرهن، وعن قسوة الحياة، وعن أحلامهن التي كثيرًا ما بقيت مؤجلة.
ولهذا حرصت الفرقة على أن يحافظ المشروع على أسلوب الغناء الجماعي والنداء والجواب، وهو إحدى أهم السمات المميزة للغناء النسائي اليمني التقليدي. كما اعتمدت على آلات موسيقية أكوستيكية قديمة، لتبقى الأصوات البشرية هي العنصر الأساسي في التجربة.
- بعيدًا عن الفولكلورية السطحية
توضح سولان أن الفرقة تتعمد أيضًا الابتعاد عن الصورة الفولكلورية السطحية التي كثيرًا ما تُختزل فيها المرأة اليمنية. فلم تعتمد أزياءً استعراضية مبالغًا فيها، ولا زينةً شرقية مصطنعة، وتسعى إلى تقديم المرأة اليمنية بكينونتها الإنسانية الحرة والقوية وبتاريخها وصوتها وكرامتها.
وتمنح عضوات المشروع هذه الرؤية حياة حقيقية على المسرح. فموران اليمانية تحمل في صوتها كثيرًا من خصائص الأداء التقليدي الذي تعلمته داخل البيئة اليمنية اليهودية، بينما تضيف هدار نحميا خبرتها الموسيقية المتنوعة، حيث سنجد مزجا بين جذورها اليمنية وتراث يهود كوتشين. أما ميخال زانداني فإن الأداء الذي تقدمه يمنحنا دفئًا عائليًا واضحًا، في حين تضفي أن شارون كينزي نعومة وتناغمًا يعززان روح الغناء الجماعي.
وهكذا إذن تبدو العلاقة بين هؤلاء الفنانات أقرب إلى ورشة ثقافية إبداعية مستمرة ولسنا مع فرقة تجارية أو بحث عن الشهرة. فكل عضو تؤدي دور المغنية وكذلك تشارك في البحث، والتدريب، وإحياء الأغنيات، وفهم سياقاتها الاجتماعية والتاريخية، حتى تصل إلى الجمهور بروحها الأصلية.
ورغم ما حققته يَمة من نجاح دولي، فإنها لا تزال تعمل بروح المبادرة الثقافية المستقلة. فالفرقة تعتمد على عائدات الحفلات، لكنها تستند أيضًا إلى دعم بعض المتبرعين ومحبي المشروع الذين يؤمنون بأهمية الحفاظ على هذا التراث. ولهذا تدعو جمهورها باستمرار إلى المساهمة في استمرار نشاطها، لأن كثيرًا من أعمالها البحثية والإنتاجية لا تحقق أرباحًا وليست لأغراض تجارية مباشرة.
وهذه نقطة تستحق التقدير؛ فلو كان الهدف هو الربح فقط، لاختارت الفرقة الأغاني التجارية السهلة أو الإنتاج السريع، لكنها فضلت الاستثمار في مشروع طويل النفس يحتاج إلى وقت وجهد وبحث وتوثيق، ويخاطب جمهورًا يبحث عن القيمة الفنية والإنسانية قبل أي شيء آخر.
ولذلك أصبحت يَمة اليوم من الفرق البارزة للموسيقى التراثية اليهودية في الخارج. وتشير برامجها المعلنة إلى أن صيف وخريف هذا العام يشهدان جدولًا مزدحمًا بالعروض في عدد من الدول الأوروبية، حيث تشارك في مهرجانات وحفلات وورش عمل وجولات موسيقية. وفي هذه العروض تحضر الأغاني اليمنية بقوة، إلى جانب الشعر العبري القديم وموسيقى المجتمعات اليهودية الأخرى، ليصبح اسم اليمن حاضرًا أمام جمهور دولي متنوع لا يعرف كثيرًا عن هذا التراث.
يَمة اليوم باتت من الفرق البارزة للموسيقى التراثية اليهودية في الخارج
ولا يقتصر دور الفرقة على تقديم الحفلات، بل تحرص على تنظيم حوارات تعريفية وورش تعليمية، تشرح فيها خلفية الأغنيات، وأصولها، والآلات المستخدمة، وسياقاتها الثقافية. وهكذا تتحول الحفلة الموسيقية إلى مساحة للتعلم والحوار، لا إلى عرض ترفيهي فقط.
- مشروع ثقافي متكامل
ولعل هذا ما يفسر لماذا استطاعت الفرقة أن تجعل ملايين المستمعين ينصتون إلى أغنيات يمنية قديمة، وأن يكتشفوا من خلالها جانبًا من تاريخ اليمن وثقافته، بعيدًا عن الصور النمطية التي ارتبطت بهذا البلد خلال العقود الأخيرة والصورة السيئة عن اليمن بسبب الحروب والصراعات والعنف الذي يعصف بهذا البلد.
إن أعمال الفرقة تجعل المستمع نفسه أمام عالم إنساني ثري يتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
إن ما تقدمه يَمة يبعث برسالة مهمة مفادها أن التراث لا يعيش في المتاحف وحدها، لكنه يعيش عندما يُغنى، ويُعزف، ويُسمع، ويُعاد اكتشافه بمحبة واحترام. وربما لهذه الأسباب التي حاولنا فهمها أصبحت الأغنية اليمنية جزءًا ثابتًا من هوية الفرقة، وأحد الجسور التي تربطها بجمهورها العالمي.
العرب
