روكب اليوم
فمنذ تلك اللحظة بدأت قصة طويلة من الصراع الاقتصادي بين طهران وواشنطن، عنوانها الأبرز: أموال إيرانية ضخمة بقيت عالقة في حسابات مصرفية خارجية، تتأرجح بين الإفراج عنها وإعادة تجميدها مع تغير الإدارات الأمريكية وتطورات الملف النووي.
تعود البداية إلى عام 1979، عقب اقتحام طلاب إيرانيين السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز دبلوماسيين أمريكيين رهائن. حينها أصدر الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر الأمر التنفيذي رقم 12170، الذي قضى بتجميد أصول الحكومة الإيرانية الموجودة داخل الولايات المتحدة، والتي قدرت في ذلك الوقت بنحو 12 مليار دولار.
شكل القرار أول استخدام واسع من رئيس أمريكي للصلاحيات التي منحها قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977، لتبدأ مرحلة جديدة من العقوبات الاقتصادية على إيران، في وقت كانت فيه البلاد تعيش تداعيات الثورة الإسلامية واضطرابات اقتصادية حادة.
وبحسب تقديرات نقلتها صحيفة “نيويورك تايمز” ، تسببت العقوبات الأولى في خسائر اقتصادية لإيران قدرت بنحو 3.3 مليار دولار خلال عامي 1980 و1981، لكن المواجهة لم تتوقف عند تلك المرحلة.
خلال تسعينيات القرن الماضي، اتخذت العقوبات منحى أكثر اتساعا مع إقرار قانون عقوبات إيران عام 1996، الذي لم يقتصر على استهداف الحكومة الإيرانية، بل امتد إلى الشركات الأجنبية التي تتعامل مع طهران، في محاولة لعزل الاقتصاد الإيراني عن النظام المالي العالمي.
ومع بداية الألفية الجديدة، توسعت العقوبات لتشمل أفرادا وكيانات مرتبطة بالبرامج النووية والعسكرية الإيرانية، وصولا إلى إدراج الحرس الثوري الإيراني على قوائم العقوبات، وهو ما أدى إلى زيادة عزلة الاقتصاد الإيراني وتراكم الأصول المجمدة في الخارج.
انفراجة مؤقتة
جاء عام 2015 حاملا انفراجة مؤقتة، بعدما توصلت إيران والقوى الدولية إلى الاتفاق النووي، لتقرر الولايات المتحدة والدول الأوروبية تخفيف مجموعة واسعة من العقوبات المرتبطة بقطاعات النفط والشحن والمصارف والتأمين.
وبموجب الاتفاق، استعادت إيران القدرة على الوصول إلى جزء من أصولها المجمدة في الخارج، وقدرت وزارة الخزانة الأمريكية تلك الأصول بنحو 50 مليار دولار.
كما وافقت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما على إعادة 400 مليون دولار كانت إيران قد دفعتها قبل الثورة الإسلامية لشراء أسلحة من الولايات المتحدة، ولم تحصل عليها بعد سقوط نظام الشاه. ومع احتساب الفوائد، تجاوز المبلغ مليارا و300 مليون دولار، وتم تسليمه لإيران على دفعات ضمن ترتيبات الاتفاق النووي.
لكن تلك المرحلة لم تستمر طويلا.
العودة إلى نقطة الصفر
مع وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض عام 2018، أعلن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، واصفا إياه بأنه “الأسوأ في التاريخ”، لتعود العقوبات الأمريكية بقوة.
أعادت واشنطن فرض العقوبات السابقة، وألغت الإعفاءات التي كانت تسمح لبعض الدول بالتعامل مع إيران، ما دفع شركات عالمية كبرى إلى الانسحاب من السوق الإيرانية، خشية خسارة السوق الأمريكية.
كما أنهت إدارة ترمب الإعفاءات الممنوحة لثماني دول، بينها الصين والهند واليابان، لشراء النفط الإيراني، وهو ما أدى إلى تراجع صادرات النفط الإيرانية بشكل كبير.
أما الأموال الإيرانية التي كانت قد بدأت في التحرك خلال فترة الانفراج بين عامي 2016 و2018، فعادت لتصبح عالقة من جديد، بعدما قيدت واشنطن العائدات النفطية الإيرانية الجديدة داخل حسابات مصرفية في دول عدة، بينها كوريا الجنوبية واليابان والهند والعراق.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات على أطراف كانت تتعامل مع إيران عبر صفقات مقايضة النفط بالخدمات، بسبب القيود المفروضة على حركة الأموال.
وأصبح ملف الأصول المجمدة أحد أبرز الملفات في أي مفاوضات بين طهران وواشنطن، حيث اعتبرت إيران أن الإفراج عن أموالها حق أساسي، بينما ربطت الولايات المتحدة ذلك بسياستها تجاه البرنامج النووي وسلوك إيران الإقليمي.
أين توجد الأموال الإيرانية المجمدة؟
رغم عدم وجود رقم نهائي متفق عليه لحجم الأصول الإيرانية المجمدة، تشير تقديرات رسمية إيرانية إلى أن قيمتها تتجاوز 100 مليار دولار موزعة على عدد من الدول.
وتشير تقديرات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن جزءا كبيرا منها موجود في:
- 20 مليار دولار في بنوك صينية
- 7 مليارات دولار في كوريا الجنوبية
- 7 مليارات دولار في الهند
- 6 مليارات دولار في العراق
- 5 مليارات دولار في أوروبا
- 3 مليارات دولار في اليابان
- ملياري دولار في الولايات المتحدة
- إضافة إلى أموال أخرى في دول بينها قطر وألمانيا
وبينما ترى طهران أن هذه الأموال تمثل موارد اقتصادية مشروعة حرمت منها بسبب العقوبات، تعتبر واشنطن أن تجميدها جزء من أدوات الضغط السياسي والاقتصادي.
وهكذا بقيت مليارات الدولارات الإيرانية عالقة بين المصارف والقرارات السياسية، في ملف تحول من أزمة دبلوماسية بدأت قبل أكثر من أربعة عقود إلى ورقة تفاوض رئيسية تحدد شكل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة حتى اليوم.

