Site icon روكب اليوم

100 يوم من الحرب.. يوميات الإيرانيين تحت شبح القصف وغلاء المعيشة |

10 1780813623

روكب اليوم

طهران- قبل مئة يوم، كان مهران (47 عاما) يتوجه كل صباح إلى المدرسة التي يدرّس فيها، أما الآن فيفتح حاسوبه المحمول في زاوية من شقته المتواضعة، حيث صارت وجهته شاشات طلابه الموزعين على امتداد المحافظات الإيرانية منذ اعتماد التعليم عن بُعد بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على بلاده. ويقول “لم تتوقف الحياة هنا كما قد يتصور البعض، لكنها اتخذت إيقاعا مختلفا”.

وللوقوف على الإيقاع المستجد على حياة الطهرانيين عقب حرب رمضان، رافقت الجزيرة نت مهران في يوم طويل تنقل خلاله بين فصله الدراسي الافتراضي، وصيدليات نفدت من على رفوفها عشرات الأصناف من الأدوية، وسوق تتصاعد فيها الأسعار بين ساعة وأخرى، ومواصلات مجانية أكثر ازدحاما من قبل.

يوم واحد يختزل محاولات الإيرانيين للعيش حياة طبيعية، في حين تأبى الحرب إلا أن تترك بصمتها على كل شيء.

وفرة الفواكه والخضار في طهران رغم الارتفاع الطفيف في أسعارها (الجزيرة)

التعليم عن بعد

يبدأ مهران يومه في غرفة متواضعة حوّلها إلى فصل دراسي افتراضي، يكافح يوميا للاتصال بمنصة “شاد” للتعليم الإلكتروني بعد أن تحول النظام التعليمي إلى افتراضي منذ الأسبوع الثاني من الحرب رغم قطع الإنترنت الدولي حينها.

يقول بابتسامة متعبة “الإنترنت الوطني، وإن كان متاحا، لكنه صار ضعيفا بشكل مزعج جراء زيادة المستخدمين، يصل صوتي متقطعا أحيانا، وفجأة يختفي عشرات التلاميذ من المنصة التعليمية”.

وفي شقته المتواضعة بحي “أميرآباد” وسط العاصمة طهران، يتحول النهار إلى سباق مرهق مع الأصوات المتقاطعة، ويقول “من ركن في غرفة الجلوس تحاول ابنتي مهرانه (14 عاما) متابعة دروسها عبر حاسوب لوحي قديم، في حين يتشبث ابني الأصغر سام ذو الأعوام الثمانية بجهاز أمه المحمول في الممر الضيق المؤدي إلى المطبخ، ليكون قريبا من إشارة الإنترنت الأقوى قرب النافذة”.

وفي الغرفة الثانية، تتابع زوجته آزاده (41 عاما) حسابات الشركة الخاصة التي تعمل بها، وقد أصبح عملها بالكامل عن بُعد منذ الأسبوع الأول للحرب حتى الشهر الماضي.

يتساءل مهران “الإنترنت الضعيف لا يكاد يحتمل اتصالا واحدا مستقرا، فكيف بثلاثة أو أربعة اتصالات متزامنة؟ ناهيك عن ضيق مساحة الشقة وغياب الخصوصية التي تزيد المعاناة”.

فاتورة الصحة

وبعد انتهاء الحصص الافتراضية، يذهب مهران إلى صيدلية “الشفاء” القريبة من منزله ليشتري دواء والدته التي تعاني ضعفا في عضلة القلب، فتبدو العُلب على الرفوف مرتبة ومتنوعة، لكن عشرات الأصناف من الأدوية اختفت ونفدت منذ أكثر من شهر، في حين تضاعفت الأسعار عدة مرات للمنتجات الداخلية والنماذج المستوردة على حد سواء وفق الشابة مهري العاملة في الصيدلية.

يدفع مهران ثمن الدواء الشهري ويضعه في حقيبته بهدوء، ثم يعلق “صارت الأدوية تلتهم ربع راتبي، بعد أن كانت أسعارها لا تتجاوز 7% منه”، ثم سرعان ما يحمد ربه، لأنها ما تزال متوفرة، في حين “يشكو العديد من ذوي المرضى الآخرين من نقص حاد في بعض الأصناف إثر عرقلة سلاسل التوريد جراء الحصار البحري وتوقف العديد من الوجهات الجوية”.

ارتفاع أسعار الأجهزة الكهربائية بسبب الحصار البحري على الموانئ الإيرانية (الجزيرة)

السوق والأسعار

ومن هناك، ننتقل مع مهران إلى سوق “جمهوري” للإلكترونيات والسلع الكهربائية، من أجل شراء تلفزيون قبيل انطلاقة مباريات كأس العالم (المونديال) المرتقب، مؤكدا أن جهازه القديم تضرر بالفعل جراء موجة انفجارات وقعت بالقرب من بيته خلال الأسبوع الأخير من “حرب رمضان”.

وبينما اقترح استغلال المترو بدلا من سيارات الأجرة للذهاب إلى السوق، يقول إن “حافلات النقل العام والمترو ينقلان المسافرين مجانا منذ بداية الحرب لتخفيف الأزمات المرورية وتقليص استهلاك البنزين، وكما تشاهد فإن الشوارع ما تزال تعج بالسيارات الخاصة لكن لا مشاهد لطوابير السيارات أمام محطات الوقود”.

وفي إحدى المتاجر العديدة للسلع الكهربائية، يقول أحد الباعة “الحرب جعلت المواصلات بلا ثمن، لكنها رفعت أسعار جميع البضائع لاسيما المواد الغذائية”، مضيفا أن أسعار جميع الأجهزة الكهربائية في هذا المحل ارتفعت خلال الساعات الماضية بحدود 40 إلى 60 مليون ريال إيراني (الدولار يوازي مليون و750 ألف ريال) بسبب ارتفاع سعر العملة الصعبة منذ صباح هذا اليوم حتى الساعة الثالثة عصرا فحسب.

وفي محل آخر لطاولات التلفاز، يؤكد صاحب المتجر علي مراد (59 عاما) أن أسعارها تضاعفت منذ الشتاء الماضي بالرغم من أنها منتجة بالكامل في الداخل، عازيا السبب إلى ارتفاع الأجور والمواد الأولية والإيجارات، مقابل تراجع أعداد الزبائن بسبب غلاء المعيشة وتقلص القدرة الشرائية لدى المواطنين.

سيدة إيرانية تقلب صفحات كتاب ورقي بتركيز ملحوظ وسط حديقة عامة (الجزيرة)

الحدائق العامة

وبعد ساعتين من التنقل بين المتاجر، توقفنا في حديقة “أوستا” العامة القريبة من السوق لأخذ استراحة قصيرة، حيث بدا المشهد كأنه مقتطع من زمن آخر، فالأطفال يتقافزون حول الألعاب الملونة، وعائلات تفترش العشب تحت ظلال الأشجار العتيقة، وشبان يتناوبون على أجهزة الرياضة العامة بهمة لا يشوبها تعب.

وفي زاوية هادئة قرب النافورة، كانت تجلس سيدة مسنّة تقلب صفحات كتاب ورقي بتركيز آسر، محاطة بضجيج الحياة الذي لا يشبه الحرب في شيء، فقال مهران وقد علق نظره بالمشهد: “للحظة، نسيت أننا نعيش تحت الحصار، عندما أرى طهران تنتزع حقها في الحياة حتى من بين أنياب الأخبار العاجلة للحرب المتواصلة رغم الهدنة”.

لكن هذا الهدوء، “ليس سوى وجه آخر لمدينة تتعلم الرقص على حافة الأزمة”، وفق الشابة مونا (22 عاما) التي تعتقد بأن الناس في الحديقة لم يعودوا كما كانوا قبل مئة يوم، هم الآن يبحثون عن فسحة مجانية للتنفس بعد أن أنهكت ميزانياتهم فواتير الإنترنت والمواد الغذائية المتضاعفة.

وفي حديث للجزيرة نت ترى مونا أن “السيدة التي تقرأ الكتاب، ربما اختارت الحديقة لأن شقتها أصبحت مكتظة بأصوات الدروس الافتراضية لأحفادها. والشباب الذين يمارسون الرياضة، ربما وجدوا في الأجهزة العامة بديلا عن اشتراكات النوادي التي لم يعودوا قادرين عليها”.

تشبّه رواد الحديقة بمن “يخفي إرهاقه خلف واجهة من السكينة، وكأنهم قرروا جماعيا أن يمنحوا أنفسهم استراحة من فكرة الحرب، وأخبارها العاجلة حتى لو كان ذلك لا يدوم أكثر من ساعة قبل أن يعودوا إلى بيوتهم”.

مئات الرجال والنساء يتجمهرون مساء كل يوم ويرددون شعارات ضد الحرب على إيران (الجزيرة)

تجمعات شعبية

ومع غروب الشمس، لا يتجه مهران مباشرة إلى المنزل، بل إلى ساحة “الثورة” القريبة من جامعة طهران وسط المدينة للمشاركة في التجمعات الليلية الداعمة للنظام وقواته المسلحة في مواجهة أي عدوان يستهدف سيادة بلاده، حيث يجتمع المئات من الرجال والنساء مساء كل يوم، يرددون شعارات وطنية ويرددون أغان حماسية.

ويقول بحماسة، إن “هذه الاجتماعات تشعرنا بأننا في خندق واحد. قد لا نملك مقاتلات شبح أو حاملات طائرات حربية، لكننا نملك حضورنا وكلمتنا”، مضيفا “أعلم أن الحرب سرقت راحة بالنا ورفاهيتنا، لكنها أعادت إلينا شيئا مهما وهو التكاتف والتضامن الشعبي، وأن لا شيء يستطيع أن يوقف حياتنا طالما بقينا في الساحة”.

ويتابع مهران شرح حكايته مع التجمعات الشعبية: “حتى الليلة العاشرة، كنت آتي إلى هنا بدافع الواجب. وفي الليلة الثلاثين، صرت آتي لأني أبحث عن وجوه أعرفها. أما في الليلة المئة، فقد أدركت أن هذا التجمع لم يعد مجرد موقف سياسي، بل تحول إلى نسيج يومي يمنحنا إيقاعا ثابتا في زمن اهتز فيه كل إيقاع آخر”.

وعندما كنا نجلس على حافة الرصيف، يلتقط حصاة صغيرة من الأرض، يقلبها بين أصابعه، ثم يضيف بصوت تأملي: “شرائح واسعة من الإيرانيين، من أساتذة جامعات وعمال ومهندسين وربات بيوت، دأبوا على الحضور طوال الأشهر الماضية، ليس فقط تأييدا للنظام، بل بحثا عن دفء الجماعة في الليالي الباردة”.

“نسأل أنفسنا أحيانا: ماذا لو توقفت هذه الاجتماعات فجأة؟، إلى أين سنذهب بطاقتنا، وبأحاديثنا، وبغضبنا، وحتى بأملنا؟، هل سنعرف كيف نملأ ذاك الفراغ، أم أن الصمت سيكون أثقل علينا من أصوات القصف؟”.

وفي ختام هذا اليوم الطويل، تغرب شمس طهران على مدينة لم تستسلم للحرب، لكنها لم تحسمها بعد، حيث ما يزال شبح الحرب يخيم على سمائها.

مئة يوم مرت، فانطبع مشهد جديد للحياة في ذاكرة الإيرانيين، فيه يمتزج ضعف الإنترنت بضحكات الأطفال في الحدائق العامة، وتتداخل فواتير الدواء المرتفعة مع أصوات الهتافات الليلية التي صارت أقرب إلى طقس جماعي.

وما بين شقة مهران المكتظة بالدروس الافتراضية، وكرسي السيدة العجوز التي تقرأ كتابها في ظل أشجار الحديقة، ومكبرات الصوت التي تملأ الساحات العامة ليلا، يتشكل سؤال واحد لا يغادر عيون المارة في شوارع العاصمة الإيرانية: إلى متى يصمد هذا الخيط الرفيع بين التكيف والانهيار؟.

Exit mobile version