
روكب اليوم
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يعود الليبيون إلى مصارفهم لحجز العملة الأجنبية واستلامها نقدا، فبعد أزمة سيولة استمرت منذ عام 2011، ودفعت ملايين المواطنين إلى الاعتماد على النقد الورقي والسوق الموازية للعملة، يشهد القطاع المصرفي الليبي منذ أشهر تحسنا ملحوظا في توفر السيولة النقدية وتوسع خدمات الدفع الإلكتروني وبيع النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية.
ومع عودة العمل بالمصارف عقب عطلة عيد الأضحى، بدا المشهد مختلفا مقارنة بسنوات سابقة، إذ تراجعت طوابير السحب، واتسع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، فيما يواصل مصرف ليبيا المركزي ضخ السيولة وتوفير الدولار للأفراد عبر منظومة الأغراض الشخصية.
اقرأ أيضا
list of 3 itemsend of listغير أن هذا التحسن يثير تساؤلا جوهريا:
هل استعادت المصارف الليبية ثقة المواطنين فعلا، أم أن ما يحدث لا يزال مجرد هدنة مؤقتة في أزمة أعمق ترتبط بالاقتصاد والسياسة والانقسام المؤسسي؟
تحسن مصرفي
داخل عدد من الفروع المصرفية في طرابلس وبنغازي ومدن أخرى، زاد الإقبال على الحصول على العملة الأجنبية عبر المصارف بعدما ظل المواطنون يعتمدون لسنوات على السوق الموازية.
وتقول هبة خليفة، وهي مواطنة استفادت من خدمة شراء النقد الأجنبي عبر المصارف، إن تجربتها الأخيرة كانت أفضل من اللجوء إلى السوق الموازية من ناحية السعر، لكنها لا تزال ترى أن الإجراءات تحتاج إلى تطوير.
وتوضح للجزيرة نت أن استلام الدولار استغرق نحو شهر بعد التسجيل، كما أنها واجهت أعطالا في منظومة الحجز وازدحاما عند الاستلام، مضيفة أن “الحصول على الدولار من المصرف وفر المال مقارنة بالسوق الموازية، لكنه لم يوفر الوقت والجهد”.
ورغم ذلك، تشير خليفة إلى أن خدمات الدفع الإلكتروني والمعاملات المصرفية شهدت تحسنا واضحا خلال السنوات الأخيرة، لكنها ما زالت تعتبر أن الثقة الكاملة لم تعد بعد بسبب استمرار بعض المشكلات الفنية والإجرائية.
3 مسارات
في حديث خاص للجزيرة نت قال مصدر مسؤول في مصرف ليبيا المركزي إن التحسن الحالي في السيولة لم يكن نتيجة إجراء واحد، بل جاء ثمرة 3 مسارات متوازية اعتمدها المصرف لمعالجة أزمة السيولة، جاءت كالتالي:
- إعادة تنظيم توزيع السيولة النقدية بين فروع المصارف التجارية لضمان عدالة التوزيع بين مختلف المناطق.
- سحب العملة المشوهة أو المصدرة خارج القنوات الرسمية، والتعاقد على طباعة عملة جديدة بقيمة تصل إلى 60 مليار دينار (نحو 9.42 مليار دولار) لتعزيز قدرة المصارف على تلبية الطلب على النقد.
- التوسع في الخدمات المصرفية الرقمية ووسائل الدفع الإلكتروني ضمن إستراتيجية الشمول المالي.
ووفقا للمصدر، الذي فضل عدم كشف هويته، ارتفعت قيمة المعاملات المنفذة عبر وسائل الدفع الإلكتروني من نحو 74 مليار دينار (نحو 11.62 مليار دولار) في سبتمبر/أيلول 2024 إلى 397.1 مليار دينار (نحو 62.34 مليار دولار) خلال عام 2025، فيما بلغت 340.5 مليار دينار (نحو 53.45 مليار دولار) حتى نهاية مايو/أيار 2026.
ويرى المصرف المركزي أن هذا التحول ساعد في تخفيف الضغط على النقد الورقي وتقليص الطلب على السيولة داخل الفروع المصرفية.
معركة الدولار
إلى جانب السيولة النقدية، يراهن المصرف المركزي على خدمة بيع النقد الأجنبي للمواطنين باعتبارها إحدى أدوات الحد من المضاربة وتقليص نفوذ السوق الموازية.
ويقول المصدر إن توفير الدولار عبر القنوات الرسمية ساعد في استيعاب جزء من الطلب الذي كان يتجه سابقا إلى السوق السوداء، وقلل من عمليات الاحتكار والمضاربة، لكنه يقر بأن هذه السياسة وحدها لا تكفي لمعالجة الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، لأن المشكلة ترتبط أيضا بحجم الإنفاق العام والانقسام المؤسسي واتساع الاقتصاد غير الرسمي.
من جهته يرى تاجر العملة في السوق الموازية مصعب العماري أن تأثير هذه السياسة ما زال محدودا على نشاط السوق غير الرسمية.
ويقول للجزيرة نت إن الإقبال على شراء العملة الأجنبية لا يزال مرتفعا، موضحا أن جزءا من المواطنين الذين يحصلون على الدولار عبر المصارف يعيدون بيعه في السوق الموازية للاستفادة من فارق السعر بين السوقين.
ويضيف أن المصارف توفر العملة الأجنبية للأفراد ضمن سقوف محددة، بينما يبقى الطلب الأكبر مرتبطا بالتجار والشركات والأغراض التجارية التي تحتاج إلى مبالغ أكبر لا يوفرها النظام المصرفي بالقدر الكافي، وهو ما يجعل السوق الموازية تحتفظ بدورها رغم التوسع في بيع الدولار عبر القنوات الرسمية.
ويرى العماري أن المضاربة على العملة لم تتراجع بصورة ملموسة حتى الآن، لأن الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية لا تزال قائمة، ولأن حجم الطلب على النقد الأجنبي ما زال يفوق الكميات التي تضخها المصارف للأفراد.
أزمة هيكلية
من جانبه، يرى مؤسس سوق الأوراق المالية الليبية سليمان الشحومي أن أزمة السيولة لم تكن مشكلة مصرفية فحسب، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى أزمة اقتصادية شاملة.
ويقول للجزيرة نت إن جزءا كبيرا من النقد المتداول خرج من الدورة المصرفية واتجه نحو المضاربة في العملات الأجنبية والعقارات والذهب، في ظل تراجع الأنشطة الإنتاجية والاستثمارية وضعف الثقة بالمصارف.
ويضيف أن الجهاز المصرفي فقد خلال سنوات الأزمة جزءا من دوره الطبيعي كممول للاقتصاد، واقتصر نشاطه بدرجة كبيرة على إدارة المرتبات والخدمات الأساسية.
ويرى الشحومي أن استعادة الثقة الحقيقية لا تتوقف عند توفير السيولة أو الدولار، بل تتطلب إصلاحات أعمق تعيد للمصارف دورها في التمويل والاستثمار وتدعم الاستقرار الاقتصادي.
كما يؤكد أن استقرار سعر الصرف يظل أحد أهم العوامل المؤثرة في البيئة الاستثمارية، لأن تعدد أسعار العملة واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي يخلقان تشوهات اقتصادية تحد من قدرة القطاع الخاص على النمو.
اختبار الثقة
جاءت هذه المؤشرات الإيجابية في وقت تعرضت فيه منظومات مصرف ليبيا المركزي لهجوم سيبراني أدى إلى تعطل عدد من الأنظمة التشغيلية الحساسة، بما في ذلك خدمات المقاصة والتحويلات ومنظومات مصرفية مرتبطة بالعمليات اليومية.
وأعاد الحديث إلى الواجهة تساؤلات تتعلق بمتانة البنية الرقمية للقطاع المصرفي وقدرته على مواكبة التوسع المتسارع في الخدمات الإلكترونية.
ويقول مراقبون إن الهجوم يمثل اختبارا حقيقيا لمستوى الثقة التي يسعى المصرف المركزي إلى ترسيخها، إذ لم تعد هذه الثقة مرتبطة فقط بتوفر السيولة، بل أيضا بقدرة المؤسسات المالية على حماية البيانات وضمان استمرارية الخدمات.
تعاف حذر
يأتي التحسن المصرفي في وقت تشير فيه تقديرات المؤسسات الدولية إلى تحسن نسبي في أداء الاقتصاد الليبي خلال العامين الأخيرين مدفوعا بارتفاع إنتاج النفط وتحسن الإيرادات العامة، رغم استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي والاعتماد الكبير على القطاع النفطي.
غير أن خبراء اقتصاديين يؤكدون أن الاقتصاد الليبي ما زال يواجه تحديات هيكلية تتعلق بالحكم المالي والشفافية وإدارة الإنفاق العام وتنويع مصادر الدخل، وهي عوامل تنعكس بصورة مباشرة على استقرار القطاع المصرفي وقدرته على أداء دوره التنموي.
اختبار الاستدامة
في المقابل، يقول مصرف ليبيا المركزي أن عودة الثقة تقاس عبر نمو الودائع وانتظام السحب واتساع استخدام الخدمات المصرفية الإلكترونية، وهي مؤشرات بدأت تسجل تحسنا خلال الفترة الأخيرة.
لكن كثيرين يرون أن الحكم النهائي ما زال مبكرا، فبعد أكثر من 15 عاما من الأزمات المصرفية، لم يعد المواطن الليبي يقيس نجاح السياسات النقدية بالتصريحات أو الخطط المعلنة، بل بقدرته اليومية على سحب أمواله، والحصول على الدولار عند الحاجة، وإنجاز معاملاته دون عراقيل.

