​استهداف المنشآت النفطية يضرب العمق الاستراتيجي للحوثيين

روكب اليوم

 يتسع نطاق العمليات الجوية لتحالف دعم الشرعية في اليمن ليشمل البنية التحتية المرتبطة بإمدادات الوقود في مناطق سيطرة الحوثيين، في مسار يستهدف منشآت التخزين ومرافق الاستيراد التي تعتمد عليها الميليشيا في إدارة مناطق نفوذها ودعم أنشطتها العسكرية. 

وطالت غارات التحالف، أمس الأول الثلاثاء، إحدى محطات شركة النفط اليمنية غربي صنعاء، وميناء رأس عيسى النفطي بمحافظة الحديدة، إلى جانب منشأة لتخزين النفط في محافظة ذمار.

وأكد المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية، اللواء تركي المالكي، أن العملية التي وصفها بـ”النوعية” هدفت إلى تحييد المصادر الحيوية لتغذية المجهود الحربي لميليشيا الحوثي.

وأوضح في بيان له، أن المواقع المستهدفة شملت محطة الصباحة المركزية ومخازن احتياطية للمشتقات النفطية تحت الأرض، إلى جانب خزانات وأرصفة مخصصة لنقل وتفريغ الوقود.

وبحسب المالكي، تستخدم ميليشيا الحوثي هذه المنشآت في دعم عملياتها العسكرية وتغذية ترسانة الصواريخ والمسيرات التي تهدد أمن السعودية ومطاراتها وموانئها والسفن التجارية في البحر الأحمر.

وتأتي أهمية هذه العملية انطلاقًا من طبيعة الأهداف وتوزعها الجغرافي؛ إذ لا يقتصر نطاق الضربات على منشأة منفردة، بل يمتد إلى حلقات مختلفة من سلسلة الإمداد، بدءًا من استقبال الشحنات وتفريغها، مرورًا بتخزينها، وصولًا إلى توزيعها داخل مناطق سيطرة الحوثيين.

مسار إضافي 

على مدى سنوات الحرب، انصب جانب كبير من الهجمات الجوية على المواقع العسكرية ومخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيرات، بهدف الحدّ من القدرات القتالية للحوثيين.

والآن يفتح توجيه الضربات المباشرة إلى مرافق النفط الحوثية مسارًا إضافيًا للضغط، يستهدف البنية اللوجستية والاقتصادية التي تحتاج إليها الميليشيا للحفاظ على نشاطها العسكري وإدارة مناطق سيطرتها.

وتبرز أهمية هذا التحول من خلال ترابط المواقع المستهدفة، حيث يشكل ميناء رأس عيسى إحدى نقاط استيراد المشتقات النفطية إلى مناطق الحوثيين، بينما تؤدي منشآت التخزين والتوزيع الداخلية دورًا في إبقاء عملية التموين مستمرة.

ومن شأن عمليات الاستهداف المتقاربة في التوقيت أن تفرض تحديات إضافية على منظومة الإمداد، خصوصًا إذا أدى إلى تعطيل طويل الأمد للمرافق المستهدفة أو تقليص القدرة على نقل الوقود وتخزينه وتوزيعه.

بوابة واردات الوقود

يعد ميناء رأس عيسى النفطي شمالي محافظة الحديدة المطلّة على البحر الأحمر، أحد المنافذ المهمة لواردات المشتقات النفطية إلى مناطق سيطرة الحوثيين، بالنظر إلى دوره في استقبال الشحنات وتفريغها، وما يرتبط بذلك من مرافق تخزين ونقل.

وتتجاوز أهمية الميناء وظيفته التجارية المباشرة، في ظل ارتباط نشاطه بقدرة الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين على الحصول على الإمدادات المستوردة، كما ترتبط العمليات التجارية فيه بعائدات ورسوم تستفيد منها سلطات الميليشيا القائمة في تلك المناطق.

وسبق أن تعرض الميناء ومنشآته خلال العامين الماضيين، لضربات أمريكية وإسرائيلية، استهدفت بنيته التحتية المرتبطة بتداول الوقود، قبل أن تتمكن الميليشيا من إعادة تأهيل جزء من قدراته التشغيلية، بما يضمن استمرار عملية وصول المشتقات النفطية.

وتكشف التجارب السابقة أن القيمة الاستراتيجية لاستهداف منشآت الوقود لا تتحدد بحجم الدمار المادي وحده، وإنما بمدى القدرة على تعطيل عمليات التفريغ والتخزين ومنع تدفق الإمدادات بصورة منتظمة.

ضرب ما وراء الساحل

في المقابل، يضيف الهجوم على منشأة تخزين النفط في ذمار ومحطة الصباحة المركزية بصنعاء، بعدًا داخليًا إلى العملية؛ إذ ينقل الضغط إلى مرافق مرتبطة بالاحتفاظ بالمخزنات وعملية إعادة التوزيع بعيدًا عن منافذ الاستيراد الساحلية.

وتشكّل المواقع المستهدفة أهمية بوصفها جزءًا من البنية التي تتيح نقل الإمدادات من الموانئ إلى مراكز الاستهلاك والتوزيع وصولًا إلى الأنشطة العسكرية، وبالتالي فإن تضررها المتزامن مع استهداف المنفذ البحري قد يزيد صعوبة إدارة المخزون، حتى في حال استمرار وصول بعض الشحنات إلى مناطق الميليشيا. 

كما أن ضرب المخازن الموجود تحت الأرض – وفق بيان التحالف – يحمل دلالة تتصل بمحاولة منع الحوثيين من الاحتفاظ بكميات احتياطية يمكن استخدامها لتعويض اضطراب الإمدادات أو تجاوز تعطل بعض المنشآت.

لكن الأثر الفعلي لهذه العمليات لا يزال غير واضح، في ظل غياب معلومات مستقلة تحدد حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت المستهدفة، فيما أكدت شركة النفط الخاضعة لسيطرة الحوثيين “عدم تأثر المخزونات والإمدادات واستقرار الوضع التمويني”، بحسب قولها.

من الموارد إلى القدرات

ولا تقتصر أهمية المشتقات النفطية بالنسبة للحوثيين على كونها سلعة أساسية للسكان، بل تمتد إلى تجارة واسعة ترتبط بالاستيراد والتوزيع وتحصيل الإيرادات، فضلًا عن شبكات الشركات والوسطاء التي تدير جزءًا من هذا النشاط.

ووفق منصة “P.T.O.C” المحلية المتخصصة في تعقب الجرائم المالية ومكافحة غسيل الأموال، فقد أنشأت الميليشيا عشرات الشركات، بينها ست شركات متخصصة في تجارة المشتقات النفطية، ككيانات مالية سرية لتمويل أنشطة الحوثيين. 

وسبق أن اتهمت وزارة الخزانة الأمريكية الميليشيا بالاستفادة من تجارة النفط والمشتقات النفطية المستوردة عبر الموانئ الخاضعة لسيطرتها، إلى جانب شبكات تهريب وشركات واجهة، لتوليد موارد مالية تُستخدم في تمويل أنشطتها العسكرية.

ومن هذا المنطلق، قد يتجاوز الأثر الاقتصادي لتوقف منشأت الوقود إلى إرباك الشبكات التجارية المرتبطة، بما قد يرفع كلفة النشاط ويقلص الإيرادات إذا طال تعطل المرافق المستهدفة.

وعلى الصعيد العسكري، يفرض اضطراب الإمدادات أعباء لوجستية إضافية على الحوثيين، من خلال زيادة كلفة نقل الإمدادات وتأمينها، فضلًا عن توفير الاحتياجات التشغيلية للمركبات والمعدات والمنظومات، وهو ما قد يسهم في تقليص حجم مرونتهم الميدانية في حال تعذر تعويض الأضرار وإيجاد بدائل فعالة.

وفيما تعكس هذه الهجمات تحولًا في مسار العمليات العسكرية ضد الحوثيين، تبقى ترجمتها إلى تراجع ملموس في قدرات الميليشيا مرهونة باستمرارها وحجم الأضرار التي تلحقها بمنظومة إمدادات الوقود وبنيتها اللوجستية والاقتصادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks