البردوني حين يسبق الشعر الزمن

بقلم دبوان الشرعبي

ليست عظمة الشاعر في قدرته على نظم الكلمات فحسب وانما في قدرته على رؤية ما لا يراه الاخرون وتحويل الواقع الى قصيدة تبقى حية بعد عقود من رحيل صاحبها وهذا ما فعله الشاعر اليمني الكبير عبد الله البردوني الذي لم يكن شاعرا يصف الاحداث بل كان مفكرا يقرأ المجتمع ويستشرف المستقبل
وعندما يقرأ المتأمل قصيدته عجز الكلام عن الكلام يشعر بان الشاعر لم يكن يتحدث عن لحظة عابرة وانما عن واقع يتكرر كلما تراجعت الحكمة وغابت العدالة وارتفع صوت المصالح على صوت الوطن ولذلك بقي شعره حاضرا في الوجدان اليمني لان القضايا التي تناولها لم تنته بانتهاء زمن كتابتها
لقد عاش اليمن خلال السنوات الماضية ظروفا قاسية اثقلت كاهل المواطن من الحروب والانقسامات الى التدهور الاقتصادي وتراجع الخدمات الاساسية وفي مثل هذه الاوضاع يعود الناس الى شعر البردوني لا بحثا عن الحنين الى الماضي بل لانهم يجدون فيه صوتا ناقدا يوقظ الضمير ويدعو الى التفكير في اسباب ما آلت اليه البلاد
ان قيمة البردوني لا تكمن في انه كتب شعرا جميلا فحسب بل في انه جعل من الكلمة موقفا ومن القصيدة رسالة ومن الادب وسيلة للدفاع عن الانسان والوطن ولهذا ظل حضوره اقوى من الزمن لان الكلمة الصادقة لا تموت والفكر الحر يبقى حيا مهما تغيرت الازمنة
واليوم يحتاج اليمن الى استلهام هذا الارث الثقافي والفكري والى اعادة الاعتبار للعقل والحوار واعلاء قيمة المواطنة والعدل وسيادة القانون حتى يستعيد الوطن عافيته ويعود الامل الى ابنائه
رحم الله عبد الله البردوني فقد ترك لليمن والعالم العربي مدرسة في الشعر والفكر وما زالت قصائده تذكرنا بان الاوطان تبنى بالوعي وان الكلمة الصادقة قد تبقى اكثر اثرا من ضجيج الصراعات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks