


روكب اليوم
Published On 25/7/2026
|آخر تحديث: 00:41 (توقيت مكة)
على خلاف الاعتقاد الشائع، فإن الحديث عن عوامل الخطر المرتبطة بالإصابة بالخرف لا ينبغي أن يبدأ عند الاقتراب من الشيخوخة، وإنما قبل ذلك بسنوات. خاصة أن معرفة هذه العوامل قد لا تكفي لإحداث تغييرات سلوكية جادة، إذ لا تزال هناك فجوة بين ما يعرفه الناس وما يطبقونه في حياتهم اليومية.
وهذا ما أشارت إليه مراجعة منهجية حديثة قادها باحثون من جامعة كيرتن الأسترالية، وخلصت إلى أن حملات التوعية واسعة النطاق قد تصل إلى جمهور كبير، لكنها غالبًا لا تحقق سوى تحسن محدود في المعرفة، ولا تنجح دائمًا في إحداث تغييرات سلوكية مستدامة، إذ لا تتعلق المشكلة دائمًا بنقص المعلومات فحسب، بل أيضًا بمدى ارتباطها بظروف الأفراد وقدرتهم على الوصول إلى الموارد.
تكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة في ضوء تقرير لجنة “لانسيت” لعام 2024، الذي قدر أن التعامل مع مجموعة من عوامل الخطر القابلة للتعديل عبر مراحل الحياة قد يمنع أو يؤخر نحو 45% من حالات الخرف على مستوى السكان. وهو تقدير إحصائي لا يعني أن تعديل نمط الحياة يضمن للفرد النجاة من خطر الخرف، كما لا ينبغي استخدامه لإلقاء اللوم على المصابين، إذ يظل الخرف نتيجة تفاعل معقد بين العمر والاستعداد الوراثي والحالة الصحية والبيئة والظروف الاجتماعية.
ويشمل مصطلح الخرف، أو “الدمنشيا”، مجموعة من الأمراض التي تؤدي إلى تراجع الذاكرة والتفكير والقدرة على حل المشكلات، بدرجة تؤثر في أداء الأنشطة اليومية، كما تمتد آثارها إلى السلوك والمشاعر والعلاقات الاجتماعية. ويعد مرض ألزهايمر أكثر أشكال الخرف شيوعًا، ورغم أن احتمالية الإصابة به تزداد مع التقدم في العمر، فإن ذلك لا يعني أنه نتيجة حتمية للشيخوخة.
كيف يتراكم خطر الخرف عبر مراحل الحياة؟
لا يتشكل خطر الإصابة بالخرف في مرحلة عمرية واحدة، بل يتراكم عبر عقود نتيجة تفاعل معقد بين العمر والاستعداد الوراثي ومستوى التعليم وصحة الأوعية الدموية والبيئة المحيطة والحالة النفسية والنشاط البدني. ووفقا لتقرير لجنة “لانسيت” لعام 2024 فإن التعامل مع مجموعة من عوامل الخطر القابلة للتعديل على امتداد الحياة قد يمنع أو يؤخر نحو 45% من حالات الخرف، لذلك لا توجد عادة واحدة قادرة وحدها على حماية الدماغ، بل مجموعة من التدخلات التي تعمل عبر مراحل الحياة على النحو التالي:
-
التعليم والاحتياطي المعرفي
يعد انخفاض مستوى التعليم ضمن عوامل الخطر المبكرة التي أدرجها تقرير “لانسيت”. ولا يعني هذا أن الشهادات المدرسية تمنع الإصابة بالخرف، وإنما يشير إلى أن فرص التعلم قد تسهم في تحسين قدرة الدماغ على الاستمرار في أداء وظائفه، ولا يقتصر ذلك على التعليم الرسمي، حيث يمكن أن تساعد القراءة أو تعلم مهارات جديدة وممارسة أنشطة ذهنية واجتماعية متنوعة في الحفاظ على نشاط الدماغ.
قد يؤدي ضعف السمع إلى تقليل المدخلات التي تصل إلى الدماغ، وزيادة الجهد اللازم لمتابعة الحديث، والانسحاب التدريجي من التفاعلات الاجتماعية، ويشير التقرير إلى أهمية اكتشاف ضعف السمع وعلاجه، مع توفير المعينات السمعية المناسبة، خاصة للأشخاص الذين يجمعون بينه وبين عوامل خطر أخرى.
-
فقدان البصر غير المعالج
كما ينضم فقدان البصر غير المعالج إلى قائمة عوامل الخطر القابلة للعلاج. ولا يعني ذلك أن ضعف النظر يؤدي حتما إلى الخرف، لكن تدهور الرؤية قد يقلل من نشاط الشخص واستقلاله ومشاركته الاجتماعية، ويحد من التحفيز الحسي والمعرفي للدماغ.
-
ارتفاع الكوليسترول
أما ارتفاع كوليسترول LDL أو البروتين الدهني منخفض الكثافة، فيرتبط بتصلب الشرايين وأمراض القلب والسكتات الدماغية. وقد تضر التغيرات الوعائية المزمنة بتدفق الدم إلى الدماغ. لذلك يوصي التقرير باكتشاف ارتفاعه وعلاجه منذ منتصف العمر، بدلا من انتظار ظهور المضاعفات.
-
ضغط الدم والسكري والسمنة
تتقاطع عدة عوامل مرتبطة بالإصابة بالخرف مع عوامل أمراض القلب والأوعية الدموية، ومن بينها ارتفاع ضغط الدم ومستوى السكر بالدم والسمنة والتدخين وقلة النشاط البدني وارتفاع الكوليسترول.حيث يعتمد الدماغ بشكل كبير على تدفق الدم والأكسجين، وعندما تتضرر الأوعية عبر سنوات طويلة، قد تحدث سكتات دماغية واضحة أو إصابات وعائية صغيرة ومتكررة لا تلاحظ على الفور، لكنها قد تسهم بمرور الوقت في تراجع القدرات المعرفية. ولهذا ينصح بقياس ضغط الدم، وضبط السكري ودهون الدم بشكل دوري وكذلك بالإقلاع عن التدخين، والحفاظ على النشاط البدني كجزء من استراتيجية واسعة لحماية صحة كل من القلب والدماغ.
-
الاكتئاب والعزلة الاجتماعية
تظل العلاقة بين الاكتئاب والخرف معقدة، فقد يكون الاكتئاب عامل خطر في بعض الحالات، أو قد يظهر أحيانًا كعلامة مبكرة مصاحبة للتغيرات الدماغية. لكنه في جميع الحالات اضطراب يستحق التقييم والعلاج، ولا ينبغي اعتباره ضعفًا في الإرادة أو حالة يتعين احتمالها.
من ناحية أخرى فإن العزلة الاجتماعية لا تعني ببساطة العيش منفردا فقد يعيش شخص وحده ويتمتع بعلاقات وثيقة ونشاط اجتماعي منتظم، بينما يشعر آخر بالوحدة رغم وجوده وسط عائلة كبيرة. والمهم هو توافر اتصال إنساني منتظم مثل الزيارات والصداقات والأنشطة الجماعية والمشاركة في المجتمع. حيث تدعم العلاقات الاجتماعية اللغة والذاكرة والانتباه، وتخفف التوتر والاكتئاب.
وفقا للتقرير فإن الجسيمات الدقيقة الملوثة للهواء ترتبط بالتهاب الجسم وأمراض القلب والأوعية الدموية، وهو ما قد يؤثر في صحة الدماغ. لكن إدراج تلوث الهواء ضمن عوامل الخطر يكشف حدود التغييرات التي يمكن للأفراد إجرائها.
إلى جانب المراجعة المنهجية المشار إليها، نشرت جامعة كيرتن دراسة أخرى تناولت العلاقة بين قوة العضلات، وتركيب الجسم، واحتمال الإصابة بالخرف. وتابع الباحثون بيانات ما يقارب 500 ألف بالغ على مدى أكثر من عقد، ووجدوا أن الأشخاص الذين جمعوا بين ضعف القوة العضلية وزيادة الدهون في الجسم، فيما يُعرف بـ”السمنة الساركوبينية”، كانوا أكثر عرضة للإصابة بالخرف.
واللافت أن السمنة وحدها لم ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف لدى الأشخاص الذين حافظوا على قوة عضلية جيدة. وتشير هذه النتائج إلى أهمية الحفاظ على قوة العضلات وتكوين جسم صحي، بدلاً من التركيز على فقدان الوزن وحده.
خطة واقعية لصحة الدماغ
لا تتطلب حماية الدماغ تغيير الحياة في يوم واحد، بل مجموعة من الخطوات المتراكمة التي تستمر سنوات من أهمها:
- قياس ضغط الدم بانتظام.
- الإقلاع عن التدخين.
- فحص مستوى السكر ودهون الدم، وعلاج أي ارتفاع وفقا لتوجيهات الطبيب.
- إجراء فحوصات النظر، وعدم تأجيل علاج المشكلات القابلة للتصحيح.
- طلب تقييم السمع عند صعوبة متابعة المحادثات أو الحاجة إلى رفع صوت التلفاز باستمرار.
- ممارسة نشاط بدني منتظم يجمع بين التمارين الهوائية وتمارين تقوية العضلات.
- علاج الاكتئاب وعدم إهمال اضطرابات المزاج المستمرة.
- الحفاظ على العلاقات الاجتماعية، ومواصلة النشاط الذهني والتعلم.
- تقليل التعرض لتلوث الهواء متى أمكن، مع إدراك أن الحد منه يتطلب أيضا سياسات عامة.
لماذا لا تكفي حملات التوعية؟
لا ترتبط الوقاية من عوامل الخطر المرتبطة بالخرف بمجرد مطالبة الأفراد باتباع نمط حياة صحي، بل تتطلب أيضا سياسات عامة تحسن جودة الهواء، وتوفر الرعاية الصحية، وتعزز فرص التعليم، وتتيح مساحات آمنة لممارسة النشاط البدني. ويزداد عبء بعض عوامل الخطر في البلدان منخفضة الدخل، وكذلك بين الفئات الأقل حصولًا على الخدمات، مما يجعل الوقاية من الخرف قضية ترتبط بالعدالة الصحية والاجتماعية أيضا.
وربما لهذا السبب لا تنجح حملات التوعية وحدها؛ فقد يعرف الإنسان ما ينبغي عليه فعله، لكنه يفتقر إلى الظروف التي تمكنه من تطبيقه. فالجميع، على سبيل المثال، يدرك أهمية ممارسة الرياضة، لكن العيش في مناطق تفتقر إلى الأرصفة أو المساحات الآمنة قد يحول دون ممارسة المشي. كما يدرك الجميع قيمة الغذاء الصحي، لكن القدرة على تحمل تكلفته ليست متاحة للجميع.
لذلك، فإن الوقاية الفعالة لا تكتفي بإخبار الناس بما ينبغي عليهم فعله، بل تساعدهم أيضا على تجاوز العقبات التي تحول دون تطبيقه.