روكب اليوم
2026-10-18 20:10:00

وتكشف نتائج مسح المستثمرين لعام 2026 الذي أجرته شركة «ماكينزي» أن 69% من المشاركين وضعوا المخاطر الجيوسياسية ضمن أهم ثلاثة عوامل اقتصادية كلية تؤثر في قراراتهم الاستثمارية، بينما اعتبر أكثر من ثلثهم هذه المخاطر مصدر القلق الأول لديهم.
وشمل المسح 112 مستثمراً في الأسواق العامة والخاصة، وأُجري بين 20 يناير و9 فبراير 2026، قبل تصاعد الصراع في الشرق الأوسط أواخر فبراير، ما يشير إلى أن القلق من التداعيات الاقتصادية للتوترات الدولية كان قائماً قبل موجة التصعيد الأخيرة.
الرسوم الجمركية تتصدر مخاوف المستثمرين
لم تعد المخاطر الجيوسياسية مقتصرة على الحروب أو الاضطرابات الأمنية؛ إذ أظهرت نتائج ماكينزي أن 74% من المستثمرين المشاركين اختاروا القيود التجارية والرسوم الجمركية ضمن أبرز ثلاثة مخاطر جيوسياسية، فيما أشار 67% إلى الصراعات بين القوى الكبرى، ونحو النصف إلى العقوبات أو تفكك الأنظمة الاقتصادية العالمية.
وتزداد حساسية المستثمرين لهذه التطورات عندما تهدد الرسوم أو القيود التجارية هوامش الأرباح، أو تجعل توقعات التدفقات النقدية أقل وضوحاً. لذلك، لا يقتصر تقييم الشركات على نتائجها الحالية، بل يمتد إلى مدى تعرض إيراداتها وسلاسل إمدادها للمخاطر السياسية والتجارية.
فاتورة الشحن تكشف حجم التأثير
يقدم سوق نقل النفط مثالاً ملموساً على انتقال المخاطر الجيوسياسية من الممرات البحرية إلى حسابات الشركات والمستهلكين.
فبحسب تقرير لوكالة «رويترز» نشر في 15 أكتوبر 2026، بلغت التكلفة المقدرة لرحلة ناقلة النفط العملاقة «إستيم إكسبلورر» من الولايات المتحدة إلى اليابان، محملة بنحو مليوني برميل من الخام، 81 مليون دولار لرحلة مقررة في أواخر نوفمبر، مقابل متوسط قدره 9.1 مليون دولار للرحلة نفسها العام الماضي.
وتعادل تكلفة النقل نحو 40.50 دولار للبرميل، أي قرابة تسعة أمثال مستواها قبل عام، كما ارتفعت حصة الشحن من قيمة النفط الأميركي إلى أكثر من 40%، مقارنة بمتوسط بلغ 7% في 2025، وفق بيانات الشحن والنفط التي استند إليها التقرير.
وعزا التقرير ارتفاع التكاليف إلى زيادة مخاطر الهجمات على السفن، وارتفاع أقساط التأمين، واضطرار بعض الناقلات إلى سلوك مسارات أطول، ما يقلص المعروض المتاح من السفن ويرفع أسعار استئجارها.
ولا تتوقف التداعيات عند شركات النقل، فارتفاع تكلفة نقل الخام يضغط على هوامش أرباح المصافي، وقد ينتقل تدريجياً إلى أسعار الوقود والنقل والسلع، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد على استيراد الطاقة والمواد الأساسية.
وفي المقابل، قد تستفيد بعض شركات تشغيل الناقلات من ارتفاع أسعار الشحن، وأشار التقرير إلى أن إيرادات بعض السفن وصلت حديثاً إلى 1.3 مليون دولار يومياً للرحلة ذهاباً وإياباً بين الخليج ومناطق في آسيا، مقارنة بمتوسط 55 ألف دولار يومياً في 2025، لكن هذه المكاسب تظل مرتبطة باستمرار اختلال سوق النقل، ولا تعني أن جميع شركات الشحن تحقق العوائد نفسها.
الأسواق قد لا تسعّر المخاطر بالكامل
لا يقتصر القلق على الخسائر المحتملة، بل يمتد إلى احتمال أن تكون الأسواق قد قللت من تقدير بعض المخاطر الجيوسياسية.
ويعني ذلك أن بعض المستثمرين يخشون ألا تعكس تقييمات الشركات بصورة كاملة احتمال وقوع صدمات جديدة أو حجم تأثيرها في الأرباح، وإذا اتضح أن تعرض شركة ما للرسوم أو اضطرابات الإمداد أكبر مما كان متوقعاً، فقد يعيد المستثمرون تقييم مخاطرها وتوقعات نموها، بما قد يضغط على سعر سهمها.
لكن التأثير ليس واحداً على جميع القطاعات، فالشركات التي تعتمد على الطاقة المستوردة أو سلاسل إمداد طويلة قد تواجه ضغوطاً على التكاليف، بينما قد تستفيد بعض شركات النقل أو منتجي السلع من ارتفاع الأسعار، ويعتمد الأثر النهائي على طبيعة النشاط، وقدرة الشركة على تمرير التكاليف، وشروط عقودها، ومواقع إنتاجها وأسواقها.
الاستعداد للمخاطر يتحول إلى ميزة تنافسية
رغم وضوح المخاطر، تشير أبحاث ماكينزي إلى وجود فجوة بين إدراك الشركات للتحديات ومدى استعدادها للتعامل معها، ففي مسح منفصل شمل 202 من كبار المسؤولين التنفيذيين في مارس 2026، قال 80% من المشاركين إن البيئة الجيوسياسية الحالية أثرت سلباً في أعمالهم، بينما أفاد 15% فقط بأن شركاتهم تمتلك وحدة متخصصة في الاستخبارات الجيوسياسية، وقال نحو الثلث إنهم لا يستخدمون تحليل السيناريوهات لاختبار مدى جاهزية شركاتهم.
وتبرز هذه النتائج أهمية إدخال المخاطر الجيوسياسية في التخطيط المالي والتشغيلي، بدلاً من التعامل معها باعتبارها أزمات مؤقتة، ويشمل ذلك اختبار أثر سيناريوهات مختلفة على الأرباح والسيولة، وتنويع الموردين ومواقع الإنتاج عند الحاجة، وتحديد مدى قدرة الشركة على تمرير الزيادات في التكلفة إلى العملاء.
كما تكتسب شفافية الإدارة أهمية متزايدة لدى المستثمرين، الذين يريدون معرفة حجم الإيرادات المعرضة للرسوم والاضطرابات، والخطط البديلة المتاحة، والقدرة على الحفاظ على التدفقات النقدية في حال تفاقمت المخاطر.
وبذلك، لم تعد الجغرافيا السياسية مجرد بند في تقارير المخاطر؛ بل أصبحت جزءاً من معادلة تنافسية الشركات، وعنصراً مؤثراً في قرارات المستثمرين بشأن أين يضعون أموالهم، وأي الشركات تستطيع حماية أرباحها عندما تتغير قواعد التجارة العالمية.