المشهد الرياضي – كأس العالم 2026..لن تصدق ما يفعله حراس المرمى قبل ركلات الترجيح

روكب اليوم

تُعدّ مباريات الأدوار الإقصائية في عالم كرة القدم من المواجهات التي لا تُطاق التعادل فيها، فلا بدّ من خروج فريق منتصرٍ وآخر مغلوبٍ يحمل خيبة الخروج من البطولة. ولهذا السبب، وضعت قوانين اللعبة آليات واضحة لكسر حالة التعادل، إما عبر شوطين إضافيين يمتدان لـ 30 دقيقة، أو الذهاب مباشرة إلى ركلات الترجيح التي تُحوّل المباراة إلى معركة نفسية بحتة.

ومع دخول كرة القدم عصر البيانات والتحليلات الإحصائية الدقيقة، لم تعد ركلات الترجيح مجرد لحظة حظ عابرة كما كان يُعتقد في السابق، بل تحوّلت إلى علمٍ قائم بذاته. فالفرق والمنتخبات الكبرى اليوم تُخصّص ساعات طويلة من التدريب والتحضير لهذه اللحظات الحاسمة، وتبني استراتيجيات محكمة تستند إلى دراسة تفصيلية لخصوصيات كل لاعب، بدءاً من زاوية تسديده المفضلة وصولاً إلى ردود أفعاله تحت الضغط. ولا يقتصر الأمر على الجانب الفني فحسب، بل يمتد ليشمل العامل النفسي المحوري، حيث يعمل أخصائيو السيكولوجيا الرياضية على بناء لاعبين يتمتعون بثقةٍ كافية وقدرةٍ عالية على تحمّل ضغط إضاعة ركلةٍ قد تُحدد مصير فريق بأكمله.

إنكلترا.. من عقدة الترجيح إلى “نظام الأصدقاء”

تاريخياً، عانى منتخب إنكلترا من عدة عوائق حالت دون تكرار إنجاز كأس العالم 1966، من بينها العلاقات المتوترة بين نجوم الجيل الذهبي، وتأثير الأندية الكبرى في الدوري الإنكليزي الممتاز كمانشستر يونايتد وتشيلسي وليفربول على ديناميكية المنتخب. لكن العقدة الأكبر التي لازمت “الأسود الثلاثة” في البطولات الكبرى ظلت مرتبطة بركلات الترجيح، حيث خسر المنتخب خمس مباريات مصيرية في كأس العالم وبطولة أمم أوروبا عبر ضربات الجزاء الترجيحية، قبل أن يتولى غاريث ساوثغيت زمام الأمور.

تغيّر المشهد بشكلٍ جذري بعد وصول المدرب الإنكليزي عام 2016، إذ شاركت إنكلترا في أربع مواجهات ترجيحية فازت في ثلاثٍ منها، وخسرت واحدة فقط كانت في نهائي أمم أوروبا 2021 أمام إيطاليا. ويعود الفضل في الانتصار الأخير الذي حققه المنتخب الإنكليزي على نظيره السويسري في أمم أوروبا 2024 إلى ما بات يُعرف بـ “نظام الأصدقاء” أو “نظام الصداقة”.

وشرح غير جورديت، مؤلف كتاب “الضغط: دروس من سيكولوجيا ركلات الترجيح”، هذا النظام المبتكر قائلاً: “كان ساوثغيت حريصاً على التحدث مع بعض اللاعبين الذين لن يسددوا ركلات الترجيح، مثل ديكلان رايس ولوك شو وكايل ووكر وجون ستونز، ويعود ذلك لسبب واضح ومحدد”.

وأضاف جورديت: “بدا كأنّ إنكلترا اعتمدت نوعاً من نظام الأصدقاء، حيث يتم تعيين لاعب واحد لكل مسدد لدعمه نفسياً وتهنئته فور العودة من منتصف الملعب بعد تنفيذ ركلته. فكان ووكر بجانب كول بالمر، وشو إلى جانب جود بيلينغهام، وستونز مع بوكايو ساكا، وأخيراً رايس مع إيفان توني”.

وأوضح الخبير النفسي: “لقد اخترعوا طريقة فذة للتعامل مع هذا الحدث الفردي كحدثٍ جماعي، إذ بات لديهم هيكل منظم لمنع اللاعبين من خوض هذه المعركة بمفردهم. وهذا الأمر يخفف الضغط النفسي بشكلٍ ملحوظ ويمنح المسدد شعوراً بالدعم والانتماء”.

واللافت للنظر أنّ اختيارات المدرب الألماني توماس توخيل في قائمة منتخب إنكلترا لكأس العالم 2026، تعيد إلى الواجهة بقوة موضوع نظام الأصدقاء وعنصر الخبرة، إذ اختار في كل مركزٍ لاعباً مخضرماً يساعد زملاءه حتى في حال عدم مشاركته أساسياً، كجوردن هندرسون في خط الوسط وجون ستونز في الدفاع وأخيراً النجم الأول هاري كاين في خط الهجوم.

حراس المرمى.. سيكولوجيا التصدي وفن فك الضغط

وعندما يأتي الحديث عن ركلات الترجيح، لا بد من إلقاء الضوء على حراس المرمى الذين يتحولون في تلك اللحظات إلى أبطالٍ محتملين أو أهدافٍ سهلة، ويبرز في هذا السياق الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز والمغربي ياسين بونو كأبرز اسمين في هذا المجال على مستوى العالم.

ويركز إيميليانو مارتينيز، حارس مرمى أستون فيلا ومنتخب الأرجنتين، على العوامل النفسية بجانب موهبته الفطرية التي ظهرت منذ صغره. ويحافظ مارتينيز على روتين ثابت قبل المباريات الكبرى، يتألف من ممارسة البيلاتس واليوغا والصلاة قبل يومين من المواجهة، بالإضافة إلى جلساته المنتظمة مع طبيبه النفسي. وعلى أرض الملعب، يستخدم بطل العالم كل الوسائل المشروعة لإخراج المسدد من حالة التركيز القصوى قبل تنفيذه للركلة، وهذا ما فعله ببراعة أمام منتخب كولومبيا في كوبا أميركا 2021، وفي نهائي كأس العالم 2022 مع الفرنسيين تشواميني وكينغسلي كومان.

أما ياسين بونو، حارس مرمى المنتخب المغربي والهلال السعودي، فيبدو أنه اعتمد طريقةً تحليليةً مبتكرةً للتصدي لركلات الترجيح، حيث يقسم المرمى إلى قسمين في ذهنه، ما يمنحه الوقت الكافي لتوقع مكان التسديد بدقة. وقد أثبت هذا الأسلوب فعاليته أمام نيجيريا في كأس أمم أفريقيا الأخيرة حين تصدى لركلتين حاسمتين، وأمام هولندا في دور الـ32 من كأس العالم 2022 بتصديه لركلة كودي سامرفيل. فوضعية وقوفه النشطة ودراسته المكثفة للخصوم تسمح له بتوقع الزاوية الصحيحة والتصدي للكرات المنخفضة بقدميه مع إبقاء يديه حرتين لمواجهة التسديدات العالية، ما يغنيه عن القفز المبكر أو التراجع قبل الأوان.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks