روكب اليوم
2026-07-25 18:42:00

فالاقتصاد العالمي يقف اليوم أمام قوتين متعارضتين؛ الأولى تتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة الذي يهدد بإحياء التضخم، والثانية في الثورة التكنولوجية التي يُتوقع أن ترفع الإنتاجية وتخفف الضغوط السعرية على المدى الطويل. وبين هذين المسارين، تجد البنوك المركزية نفسها أمام أحد أكثر الاختبارات تعقيدًا منذ انتهاء موجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا.
صدمات النفط.. التاريخ يعيد طرح السؤال نفسه
1973.. بداية عصر التضخم العالمي
وجدت البنوك المركزية نفسها عاجزة في البداية عن مواجهة الأزمة، إذ اعتُبر ارتفاع الأسعار آنذاك مؤقتًا، لكن استمرار الضغوط دفعها لاحقًا إلى تشديد السياسة النقدية بصورة كبيرة، وهو ما مهد لواحدة من أكثر دورات رفع الفائدة حدة في التاريخ.
1979.. النفط يفرض التشديد الأكبر
لم تمضِ سنوات قليلة حتى جاءت الثورة الإيرانية عام 1979 لتطلق صدمة نفطية ثانية، قفزت معها الأسعار مجددًا، بينما بلغ التضخم في الولايات المتحدة 13.5% في عام 1980.
ردًا على موجة التضخم التي أعقبت الثورة الإيرانية، انتهج رئيس الاحتياطي الفيدرالي بول فولكر واحدة من أكثر دورات التشديد النقدي حدة في التاريخ، حيث ارتفع سعر الفائدة الفيدرالية إلى مستويات قاربت 20% في مطلع الثمانينيات، في خطوة نجحت في كبح التضخم لكنها دفعت الاقتصاد الأميركي إلى ركود عميق.
وتُعد تلك الفترة حتى اليوم المثال الأبرز على أن استمرار صدمات الطاقة قد يدفع البنوك المركزية إلى التضحية بالنمو الاقتصادي من أجل استعادة استقرار الأسعار.
2022.. عندما عاد النفط ليقود التضخم مجددًا
بعد نحو أربعة عقود، أعادت الحرب الروسية الأوكرانية رسم المشهد.
فقد تجاوز خام برنت مستوى 130 دولاراً للبرميل في مارس 2022، وقفزت أسعار الغاز الطبيعي والكهرباء والغذاء حول العالم، لترتفع معدلات التضخم إلى أعلى مستوياتها منذ الثمانينيات.
وردًا على ذلك، نفذت البنوك المركزية بقيادة الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا أسرع دورة تشديد نقدي منذ عقود، لترتفع أسعار الفائدة العالمية بوتيرة غير مسبوقة.
لكن ما ميّز أزمة 2022 عن أزمتي السبعينيات هو أن صدمة الطاقة بدأت تتراجع تدريجياً مع تحسن سلاسل الإمداد وانخفاض أسعار الشحن، ما سمح للتضخم بالانحسار دون الحاجة إلى استمرار رفع الفائدة إلى مستويات استثنائية.
هل تتكرر التجربة في 2026؟
عادت المخاوف مجدداً مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، والتي دفعت المستثمرين إلى إعادة تسعير مخاطر الطاقة والتضخم.
وقد انعكس ذلك سريعاً على أسواق المال، إذ ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات متجاوزًا مستوى 4.7%، كما ارتفعت تكاليف الاقتراض العقاري إلى أعلى مستوياتها منذ أشهر، في إشارة إلى أن المستثمرين بدؤوا يضعون احتمال استمرار التضخم ضمن حساباتهم.
ورغم أن أسعار النفط لم تصل بعد إلى المستويات القياسية التي شهدها العالم في 2022 أو خلال أزمتي السبعينيات، فإن استمرار التوترات قد يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها لمسار السياسة النقدية، خصوصاً إذا امتدت آثار ارتفاع الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات.
لماذا لا يكفي ارتفاع النفط وحده لرفع الفائدة؟
فالارتفاع المؤقت في أسعار النفط غالباً ما يُصنف باعتباره صدمة عرض لا تستدعي بالضرورة تشديد السياسة النقدية، إلا إذا تحول إلى تضخم واسع النطاق.
ويحدث ذلك عندما تبدأ الشركات في تمرير ارتفاع التكاليف إلى المستهلكين، وترتفع الأجور لتعويض انخفاض القوة الشرائية، ثم ترتفع توقعات التضخم لدى الأسر والشركات.
عند هذه المرحلة يصبح التضخم أكثر رسوخاً، ويضطر البنك المركزي إلى التدخل عبر رفع أسعار الفائدة لمنع تشكل ما يعرف بـ«الحلقة التضخمية».
وتشير أبحاث الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي إلى أن توقعات التضخم أصبحت اليوم أهم مؤشر في تقييم مخاطر الأسعار، وربما أكثر أهمية من سعر النفط نفسه.
الذكاء الاصطناعي.. عامل لم يكن موجوداً في الأزمات السابقة
إذا كانت أزمات 1973 و1979 و2022 تشترك جميعها في كونها صدمات طاقة، فإن عام 2026 يحمل عنصراً جديداً تماماً يتمثل في طفرة الذكاء الاصطناعي.
فشركات التكنولوجيا الكبرى تضخ مئات المليارات من الدولارات في مراكز البيانات والرقاقات الإلكترونية وشبكات الطاقة، وهو ما يرفع الطلب على الكهرباء والمعادن وأشباه الموصلات.
وعلى المدى القصير، قد يؤدي هذا الإنفاق الهائل إلى ضغوط سعرية في بعض القطاعات، خاصة مع محدودية الطاقة الإنتاجية وسلاسل الإمداد.
لكن على المدى المتوسط والطويل، يختلف تأثير الذكاء الاصطناعي جذرياً عن النفط.
فالذكاء الاصطناعي لا يقتصر على زيادة الطلب، بل يرفع أيضاً القدرة الإنتاجية للاقتصاد عبر تحسين الكفاءة، وتسريع الابتكار، وخفض تكاليف التشغيل، وزيادة إنتاجية العمالة.
وهذا ما دفع عدداً متزايداً من الاقتصاديين إلى وصف الذكاء الاصطناعي بأنه «صدمة عرض إيجابية» قد تساعد في احتواء التضخم بدلًا من تغذيته.
وتنسجم هذه الرؤية مع تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش، الذي أشار إلى أن الارتفاع المؤقت في الأسعار الناتج عن الاستثمار لا يُعد تضخماً بالمعنى التقليدي إذا كان يقابله توسع في القدرة الإنتاجية.
كما تتوافق مع تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وشركة ماكنزي، اللتين ترجحان أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى رفع الإنتاجية العالمية بصورة تدريجية خلال السنوات المقبلة.
الفرق الجوهري بين صدمات النفط والذكاء الاصطناعي
تكمن المفارقة في أن النفط والذكاء الاصطناعي يؤثران في الاقتصاد عبر قناتين متعاكستين.
فالنفط يمثل صدمة عرض سلبية؛ إذ يرفع تكاليف الإنتاج والنقل ويقلص القوة الشرائية للأسر، ما يغذي التضخم ويضغط على البنوك المركزية لتشديد السياسة النقدية.
أما الذكاء الاصطناعي، فرغم ما قد يسببه من ضغوط مؤقتة نتيجة الإنفاق الضخم، فإنه يمثل في جوهره صدمة عرض إيجابية ترفع الإنتاجية وتزيد الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، وهو ما قد يساعد على كبح التضخم في المدى المتوسط.
ولهذا السبب، فإن البنوك المركزية لا تنظر إلى ارتفاع الأسعار الحالي بمعزل عن مصدره، بل تركز على ما إذا كان الاقتصاد يكتسب في المقابل قدرة إنتاجية أعلى تسمح باستيعاب هذه الضغوط.
السيناريوهات المحتملة
إذا استقرت أسعار النفط عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، وامتدت آثارها إلى الأجور والتضخم الأساسي، فقد تضطر البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وربما العودة إلى دورة رفع جديدة.
أما إذا هدأت التوترات الجيوسياسية، وبدأت مكاسب الإنتاجية الناتجة عن الذكاء الاصطناعي في الظهور بصورة واضحة، فقد تجد البنوك المركزية مساحة أكبر لاستئناف دورة التيسير النقدي.
ويبقى السيناريو الأكثر تعقيدًا هو استمرار ارتفاع أسعار النفط بالتزامن مع تباطؤ تحقق مكاسب الإنتاجية، إذ قد يواجه الاقتصاد العالمي مزيجًا من تضخم مرتفع ونمو ضعيف، وهو السيناريو الذي يعيد إلى الأذهان تجربة «الركود التضخمي» التي طبعت على سبعينيات القرن الماضي.
الواقع الحالي
تُظهر التجارب التاريخية أن صدمات النفط وحدها لا تفرض دائماً رفع أسعار الفائدة، لكنها تصبح عاملاً حاسماً عندما تتحول إلى تضخم مستدام يغير سلوك المستهلكين والشركات ويغذي توقعات الأسعار. وهذا ما حدث بدرجات متفاوتة في أزمتي 1973 و1979، ثم بصورة مختلفة خلال أزمة الطاقة في 2022.
أما في عام 2026، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا، لأن العالم يواجه للمرة الأولى احتمال تزامن صدمة طاقة جيوسياسية مع ثورة تكنولوجية يقودها الذكاء الاصطناعي. وبينما يدفع النفط التضخم إلى الأعلى، قد يعمل الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية وتوسيع جانب العرض، بما يخفف الضغوط السعرية مع مرور الوقت.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيرتفع النفط؟ أو هل سيواصل العالم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي؟.. بل أصبح: أي القوتين ستكون أكثر تأثيراً في تشكيل موجة التضخم المقبلة؟
والإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد ما إذا كانت البنوك المركزية ستواصل تثبيت أسعار الفائدة، أم ستجد نفسها مضطرة إلى فتح صفحة جديدة من التشديد النقدي.