النيران تحاصر أوروبا.. والاقتصاد يدفع الثمن : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-07-26 17:58:00

1702035

لم تعد حرائق الغابات في أوروبا مجرد كارثة بيئية موسمية، بل تحولت إلى أحد أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه القارة مع تصاعد موجات الحر والتغير المناخي.

ففي الوقت الذي تواصل فيه فرق الإطفاء مكافحة الحرائق في فرنسا وإسبانيا واليونان، تتزايد الخسائر التي تطول السياحة والزراعة وشركات التأمين والمالية العامة، وسط تحذيرات من أن تكلفة الظواهر المناخية المتطرفة أصبحت بنداً دائماً في موازنات الحكومات والشركات.

السياحة أول ضحايا موسم الحرائق

تأتي الحرائق في ذروة موسم الصيف، الذي يمثل أهم فترة لقطاع السياحة الأوروبي. وقد دفعت النيران وعمليات الإجلاء في مناطق من فرنسا وإسبانيا إلى إلغاء رحلات وحجوزات فندقية، بينما أُغلقت طرق ومواقع سياحية في بعض المناطق المتضررة، ما يهدد أحد أهم مصادر الدخل في جنوب أوروبا.

ويكتسب هذا التأثير أهمية خاصة لأن السياحة تُعد من أكبر القطاعات الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي، إذ تسهم بنحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد بصورة مباشرة وغير مباشرة، كما توفر ملايين فرص العمل، ومع تكرار موجات الحر والحرائق، يحذر خبراء من تغير أنماط السفر مستقبلاً واتجاه السياح نحو وجهات أقل تعرضاً للمخاطر المناخية، وفقاً لما ذكرته المفوضية الأوروبية.


النيران تمتد إلى المزارع.. والأمن الغذائي تحت الضغط

لا تقتصر آثار الحرائق على احتراق الغابات، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية، حيث يحاول المزارعون في بعض المناطق حماية محاصيلهم ومزارعهم من ألسنة اللهب، ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه أوروبا بالفعل ضغوطاً من الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ما يزيد المخاوف بشأن إنتاج الغذاء خلال الموسم الحالي.

ويُحذر البنك الأوروبي للاستثمار من أن تغير المناخ بات يشكل أحد أكبر المخاطر التي تواجه الزراعة الأوروبية، مع توقعات بانخفاض إنتاج بعض المحاصيل الرئيسية وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهو ما قد ينعكس على أسعار الغذاء ويزيد الضغوط التضخمية.

شركات التأمين أمام اختبار جديد

كل موسم حرائق جديد يعني خسائر إضافية لشركات التأمين، التي تواجه ارتفاعاً مستمراً في تعويضات الكوارث الطبيعية، وتشير تقديرات Swiss Re Institute إلى أن الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عن الكوارث الطبيعية بلغت نحو 318 مليار دولار في عام 2024، كان نحو 137 مليار دولار منها خسائر مؤمنة، في أحد أعلى المستويات المسجلة تاريخياً.
ويرى محللون أن استمرار تصاعد حرائق الغابات قد يدفع شركات التأمين إلى إعادة تسعير المخاطر، عبر رفع الأقساط أو تقليص التغطية التأمينية في المناطق الأكثر تعرضاً للحرائق، وهو ما قد يؤثر أيضاً في أسواق العقارات والاستثمارات.

الحكومات تدفع الفاتورة الأكبر

لا تتوقف تكلفة الحرائق عند تعويض المتضررين، بل تشمل أيضاً نفقات الإطفاء والإجلاء وإعادة تأهيل الغابات وإصلاح الطرق وشبكات الكهرباء والبنية التحتية، فضلاً عن تعويض المزارعين ودعم المجتمعات المحلية.

وتشير وكالة البيئة الأوروبية إلى أن الظواهر المناخية المتطرفة تسببت في خسائر اقتصادية تجاوزت 790 مليار يورو في أوروبا بين عامي 1980 و2023، مع توقعات بارتفاع هذه الكلفة خلال العقود المقبلة إذا استمرت وتيرة الاحترار العالمي الحالية.

من كارثة بيئية إلى خطر استثماري

لم تعد الحرائق قضية بيئية فقط، بل أصبحت عنصراً رئيسياً في تقييم المخاطر الاستثمارية. فالمؤسسات المالية وصناديق الاستثمار باتت تضع مخاطر المناخ ضمن تقييماتها للأصول العقارية والزراعية ومشروعات البنية التحتية، في ظل تزايد الخسائر المرتبطة بالطقس المتطرف.

ويؤكد البنك المركزي الأوروبي أن تغير المناخ يمثل أحد أبرز المخاطر التي تواجه الاستقرار المالي في منطقة اليورو، مع تعرض المؤسسات المالية والأصول الاستثمارية لمخاطر متزايدة نتيجة الظواهر المناخية المتكررة.

الأرقام تعكس حجم الأزمة

تشير التقارير الميدانية إلى أن فرنسا أجلت نحو 220 ألف شخص مع احتراق أكثر من 42 ألف هكتار من الأراضي، بينما تواصل الحرائق تهديد مناطق زراعية وسياحية في إسبانيا، في وقت تشهد فيه أوروبا واحدة من أكثر موجات الصيف حرارة خلال السنوات الأخيرة.

ويرى خبراء المناخ أن هذه الأحداث لم تعد استثنائية، بل أصبحت جزءاً من نمط متكرر يرتبط بارتفاع درجات الحرارة والجفاف، ما يزيد من احتمالات اتساع رقعة الحرائق خلال السنوات المقبلة.

الاقتصاد الأوروبي أمام تحدٍ طويل الأمد

تكشف حرائق الغابات أن التغير المناخي لم يعد قضية بيئية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبح عاملاً مؤثراً في النمو والاستثمار والتضخم والمالية العامة، فكل صيف يحمل معه مخاطر جديدة على السياحة والزراعة والتأمين والبنية التحتية، بينما ترتفع كلفة التكيف عاماً بعد آخر.

ولذلك، لم يعد السؤال المطروح هو كم هكتاراً احترق هذا الصيف؟، بل كم ستدفع أوروبا مستقبلاً لتجنب أن تتحول الكوارث المناخية إلى أزمة اقتصادية دائمة؟ وهي معادلة ستظل حاضرة في قرارات الحكومات والمستثمرين والبنوك المركزية خلال السنوات المقبلة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks