اليمن الجمهوري في مواجهة خرافة الولاية.. ‘‘الغدير’’ بين الشورى والكهنوت

روكب اليوم

في الثامن عشر من ذي الحجة من العام العاشر للهجرة، وبينما كان النبي محمد ﷺ عائداً من حجة الوداع، توقف في مكان يُسمى غدير خم وألقى خطبة قال فيها: “من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه”، هذا النص صحيح ثابت في كتب السنة،  لكن الخلاف الذي تجدد عبر القرون لم يكن حول صحته، بل حول دلالته: هل كان تنصيباً صريحاً بالخلافة، أم دعاءً بالمحبة والنصرة؟`

 

 

إن ما يسمى اليوم بـ عيد الغدير لم يكن معروفاً عند النبي ﷺ ولا عند أصحابه ولا عند الأئمة من آل البيت،  ولم يحتفل به علي ولا الحسن ولا الحسين، إنه اختراع متأخر ابتدعه الحكام البويهيون في القرن الرابع الهجري، وأدخله بعض الأئمة إلى اليمن في القرن الحادي عشر، وأول من جعله عيداً رسمياً في اليمن هو الإمام يحيى حميد الدين في 1922م لشرعنة الحكم السلالي، ثم أحيا الحوثيون هذه البدعة اليوم لترسيخ عقيدة الولاية السلالية التي تزعم أن الحكم حق إلهي حصري لأحفاد على، بيد ان الحقيقة تؤكد أن حديث الغدير دعوة صريحة لمحبة آل البيت واحترامهم والدفاع عنهم، وليست دعوة لاستعباد الناس باسم السلالة، ولا نصاً في حصر الحكم في جينات معينة، فالإسلام براء من هذه الخرافات، كما أن اليمن براء من هذا الكهنوت. 

 

إن ما حدث في اجتماع  سقيفة بني ساعدة كان أول ممارسة عملية لمبدأ الشورى، الذي أصبح لاحقًا أساس النظام السياسي الإسلامي، وهو المبدأ الذي ألهم اليمنيين في ثورتهم الكبرى عام 1962 حين أعلنوا ميلاد اليمن الجمهوري ودفنوا خرافة الحق الإلهي إلى الأبد. 

 

اليمن الجمهوري ليس مجرد نظام سياسي عابر، بل هو ثمرة نضال طويل ودماء غزيرة سكبها اليمنيون في سبيل التحرر من الكهنوت السلالي الذي حاول، ولا يزال، أن يفرض نفسه على الأمة باسم الحق الإلهي،  منذ فجر ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962، أعلن اليمنيون بصوت واحد أن الحكم حق حصري للشعب، وأن الشورى هي أساس اختيار الحاكم، وأن لا مكان لخرافة الولاية في وطن الأقيال.

 

إن الجمهورية كـ  هوية وطنية  في اليمن ليست مجرد شكل من أشكال الحكم، بل هي إعلان صريح ومقدس بـألا امتياز لسلالة على أخرى، ولا حق إلهي يحتكره بيت أو نسب؛ فالمواطنون جميعًا أمام القانون سواء، والسلطة تُستمد من صناديق الاقتراع وإرادة الشعب، لا من دعاوى الاصطفاء والجينات السلالية.

 

 

لقد مثلت ثورة 26 سبتمبر لحظة فاصلة في تاريخ اليمن الحديث؛ خرج فيها الأحرار ليكسروا قيود الإمامة، وليدفنوا إلى الأبد فكرة أن الحكم ميراث محصور في البطنين،  ورغم أن اليمنيين دفعوا وما زالوا يدفعون ثمنًا باهظًا من دماء خيرة شبابهم، إلا أنهم أسسوا لنظام جمهوري يعيد السلطة إلى صاحبها الشرعي وهو الشعب.

 

اليوم، يقف اليمن الجمهوري في خط المواجهة الأول ضد خرافة الولاية  وعيد الغدير، تلك البدعة التي يحاول الحوثيون إعادة إنتاجها في منابرنا وشوارعنا، مستوردين طقوسًا طائفية دخيلة من إيران، ومسوّقين لها كأنها جزء من الدين الإسلامي، بينما الإسلام بريء منها، فقد جاء ليقيم العدل والمساواة، لا ليكرّس الطبقية السلالية، إنهم يحتفلون بهذا اليوم ببندقية في يد، وخطاب طائفي تفريقي في فم، مستهدفين هوية اليمنيين وجمهوريتهم.

 

لقد كانت الشورى، ولا تزال، هي الأساس؛ فمن سقيفة بني ساعدة إلى ثورة سبتمبر، ظل مبدأ الاختيار البشري هو الأصل،  لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية نص يحدد خليفة بعينه، بل ترك الأمر للأمة لتختار من يقودها وفق مصالحها، هذا هو جوهر النظام الجمهوري الذي يرى في الشعب مصدر السلطات، ويرفض أن يأتيه الحاكم بفرض السلالة أو بـ  الحق المقدس المزعوم.

 

اليمن الجمهوري اليوم، رغم كل التحديات، والحروب، والمآسي، يظل فكرة حية نابضة في وجدان كل يمني،  إنها مقاومة مستمرة ضد محاولات الكهنوت لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء،  واليمنيون يعرفون جيداً أن الجمهورية هي الضمانة الوحيدة لحريتهم وكرامتهم، وأن أي نكوص نحو خرافة الولاية يعني العودة الحتمية إلى عهود الجوع، والجهل، والتخلف، والعبودية.

 

إن الجمهورية هي الرد التاريخي الحاسم على خرافة الولاية؛ إنها الإعلان الدائم بأن الحكم شورى، وأن لا مكان لادعاءات الاصطفاء الإلهي في أرض تبع وحمير،  سوف يظل اليمنيون متمسكين بجمهوريتهم، لأن الجمهورية ليست نظاماً، الجمهورية وعد بالحرية والمساواة والعدل، ومن يبيع الوعد مقابل خرافة، خسر اليمن وخسر التاريخ.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks