تأكيد التهم في حق الهيشري يعيد ملف الانتهاكات والعدالة الدولية للواجهة |


روكب اليوم

من أمام مقر المحكمة الجنائية الدولية في مدينة لاهاي، بدأت الثلاثاء 19 مايو/أيار 2026 جلسات “تأكيد التهم” بحق خالد محمد علي الهيشري، في أول مثول لمسؤول ليبي أمام المحكمة على خلفية الجرائم المرتبطة بالملف الليبي منذ إحالته إلى المحكمة بقرار من مجلس الأمن الدولي عام 2011.

الجلسة، التي تستمر حتى 21 مايو/أيار، لا تُعد محاكمة نهائية، بل تسبقها مرحلة إجرائية، يقيّم خلالها قضاة الدائرة التمهيدية الأولى ما إذا كانت الأدلة التي قدمها الادعاء كافية لإحالة القضية إلى محاكمة كاملة، مع بقاء المتهم بريئًا قانونيًا حتى صدور حكم نهائي.

ويواجه الهيشري، الذي شغل موقع المدير المباشر لسجن النساء داخل جهاز “قوة الردع الخاصة”، 17 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مرتبطة بما تقول المحكمة إنها انتهاكات ارتُكبت داخل مجمع سجن معيتيقة في طرابلس بين مايو/أيار 2014 ويونيو/حزيران 2020.

وبحسب وثائق الادعاء، تشمل التهم التعذيب، والقتل، والسجن غير القانوني، والاغتصاب، والعنف الجنسي، والاستعباد، والاضطهاد، والاعتداء على الكرامة الشخصية بحق محتجزين ليبيين ومهاجرين وطالبي لجوء، بينهم نساء وأطفال.

بدأت جلسة المصادقة على الحكم في قضية المدعي العام ضد خالد محمد علي الهيشري في 19 مايو/أيار 2026 (المحكمة الجنائية الدولية)

ماذا جرى داخل الجلسة؟

شهدت المحكمة إجراءات أمنية مشددة وحضورًا لصحفيين ومنظمات حقوقية ومتابعين ليبيين، بينما خُصصت غرفة منفصلة لعشرات الضحايا وذويهم داخل مبنى المحكمة لأسباب تتعلق بالحماية والخصوصية، وفق مصدر خاص للجزيرة نت من لاهاي.

كما تزامنت الجلسة مع وقفة مؤيدة لانعقادها ولمسار محاسبة المتهمين بارتكاب انتهاكات في ليبيا، وسط حضور واسع لوسائل إعلام دولية ومنظمات حقوقية.

وخلال افتتاح الجلسة، قالت نائبة المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية نزهة شميم خان إن القضية “تمثل خطوة مهمة في مسار العدالة الدولية لمحاسبة المشتبه بارتكابهم جرائم في ليبيا بغض النظر عن نفوذهم أو سلطتهم”.

وأضافت أن مثول الهيشري يمثل “المرة الأولى التي يواجه فيها شخص أمام المحكمة اتهامات تتعلق بجرائم ارتُكبت في ليبيا”.

وكشف الادعاء، بحسب المصدر ذاته، أن نحو 200 ضحية قدموا شهاداتهم للمحكمة، بينهم 100 رجل و70 امرأة و30 طفلًا، في مؤشر على اتساع نطاق الانتهاكات المزعومة.

في المقابل، دفع فريق الدفاع بأن الوقائع المنسوبة إلى الهيشري “صيغت على خلاف الحقيقة”، مؤكدًا أن سجن معيتيقة “كان تابعًا للنيابة العامة وخاضعًا لرقابة وزارة العدل”، وأن جهاز الردع “جهة حكومية أُنشئت بقرارات رسمية وليست جماعة مسلحة”.

وأضاف المصدر أن تركيز الدفاع بدا منصبًا بشكل رئيسي على الطعن في اختصاص المحكمة بالنظر في القضية.

لماذا تُعد القضية سابقة في الملف الليبي؟

في تصريحات خاصة للجزيرة نت، قال مكتب المدعي العام بالمحكمة إن جلسة تأكيد التهم “تمثل علامة فارقة في الجهود الرامية لتحقيق المساءلة في ليبيا”، باعتبارها أول قضية تصل إلى هذه المرحلة الإجرائية منذ بدء تحقيقات المحكمة في الملف الليبي عام 2011.

وأضاف المكتب أن القضية “خطوة مهمة لتحقيق العدالة لآلاف الضحايا، بمن فيهم نساء وأطفال تعرضوا لمعاناة جسدية ونفسية شديدة داخل سجن معيتيقة”.

وأكد مكتب الادعاء أن الجلسة ليست محاكمة، وأن دور القضاة في هذه المرحلة يقتصر على تحديد ما إذا كانت الأدلة تبرر إحالة القضية إلى المحاكمة.

وفي ردّه على الجدل داخل ليبيا بشأن اختصاص المحكمة، شدد المكتب على أن المحكمة تستند إلى إحالة صادرة عن مجلس الأمن الدولي عام 2011، رغم أن ليبيا ليست دولة طرفًا كاملة العضوية في نظام روما الأساسي، كما أشار إلى أن السلطات الليبية قدمت عام 2025 إعلانًا بقبول اختصاص المحكمة حتى نهاية 2027.

من محاكمة الهيشري في المحكمة الجنائية الدولية (المحكمة الجنائية الدولية)

من هو خالد الهيشري؟

يُعرف خالد محمد علي الهيشري، الملقب بـ”البوتي” أو “الشيخ خالد”، بأنه أحد القيادات البارزة داخل جهاز الردع في طرابلس، وهو جهاز أُنشئ ضمن ترتيبات أمنية رسمية بعد الفوضى التي أعقبت 2011.

وخلال الفترة بين 2014 و2020، ارتبط اسم الهيشري، وفق تقارير حقوقية ووثائق ادعاء المحكمة، بإدارة مجمع معيتيقة الذي ضم منشآت احتجاز ومرافق أمنية وعسكرية.

وتقول منظمات حقوقية إن المجمع كان من أبرز مواقع الاحتجاز المثيرة للجدل في غرب ليبيا، خصوصًا فيما يتعلق بالمهاجرين والموقوفين على خلفيات أمنية وسياسية.

ماذا تقول المنظمات الحقوقية والخبراء؟

قال محامون من أجل العدالة في ليبيا، في تصريحات خاصة للجزيرة نت، إن مثول الهيشري أمام المحكمة يمثل “لحظة مفصلية” في مسار العدالة والمساءلة في ليبيا، باعتبارها “المرة الأولى التي تنظر فيها محكمة دولية في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت داخل ليبيا”.

وأضافت المنظمة أن الإفلات من العقاب ظل طوال السنوات الخمس عشرة الماضية هو القاعدة لا الاستثناء، معتبرة أن القضية تحمل أهمية رمزية وقانونية كبيرة للضحايا.

وفي بيان مشترك، اعتبرت منظمات حقوقية ليبية ودولية، بينها رصد الجرائم في ليبيا والمركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، أن القضية تمثل خطوة طال انتظارها نحو العدالة والحقيقة وجبر الضرر.

من جهته، قال الخبير في القانون الدولي الجنائي مهدي بن يوسف، في تصريحات خاصة للجزيرة نت، إن جلسة تأكيد التهم لا تعني إدانة المتهم، بل تمثل مرحلة قانونية يختبر فيها القضاة مدى كفاية الأدلة لإحالة القضية إلى المحاكمة.

وأضاف أن القضية لا ترتبط فقط بشخص الهيشري، وإنما بكونها أول قضية ليبية تصل فعليًا إلى هذا المستوى الإجرائي داخل المحكمة الجنائية الدولية.

كيف ترتبط القضية بالوضع الحقوقي في ليبيا؟

تأتي جلسات لاهاي في وقت تتحدث فيه تقارير أممية وحقوقية عن استمرار التحديات الحقوقية والإنسانية في ليبيا، وسط الانقسام السياسي وضعف المؤسسات الأمنية والقضائية.

ففي تقرير مشترك صدر في فبراير/شباط 2026، قالت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إن المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا يتعرضون لـ”انتهاكات ممنهجة ووحشية”، تشمل التعذيب والعنف الجنسي والعمل القسري والاتجار بالبشر.

كما قالت هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي لعام 2026 إن الجماعات المسلحة ما تزال تمارس “نفوذًا واسعًا بإفلات شبه كامل من العقاب”، مع استمرار القيود على حرية التعبير والعمل المدني.

انقسام ليبي وترقب للقرار

أثارت جلسات لاهاي تفاعلًا واسعًا داخل الأوساط الليبية، بين من يعتبرها خطوة نحو إنهاء الإفلات من العقاب، وبين من يشكك في اختصاص المحكمة ويدفع باتجاه محاكمة الهيشري داخل ليبيا.

ويرى متابعون أن القضية تتجاوز البعد القضائي، لارتباطها المباشر بمرحلة معقدة من الصراع الليبي شهدت توسع نفوذ الجماعات المسلحة وتداخل المؤسسات الأمنية والسياسية بعد 2011.

ومن المنتظر أن يقرر قضاة الدائرة التمهيدية بعد انتهاء الجلسات ما إذا كانوا سيؤكدون جميع التهم أو بعضها، أو يرفضونها إذا اعتُبرت الأدلة غير كافية.

وبينما تتواصل جلسات لاهاي، تبقى القضية اختبارًا جديدًا لقدرة مسارات العدالة الدولية على التعامل مع الملفات المرتبطة بالنزاعات والانقسامات المسلحة في ليبيا، بعد أكثر من 15 عامًا على بدء تحقيقات المحكمة في الملف الليبي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks