
وبحسب الوثائق الداخلية وسجلات التحقيق التي استندت إليها الصحيفة، فإن التجاوزات لم تكن أخطاء إدارية عابرة، بل دارت في إطار ما وصفه التحقيق بـ”فساد مؤسسي مدار بعناية”، شمل قيد مبالغ مالية ضخمة لتمويل ندوات ودورات تدريبية وهمية لم تُعقد فعليًا، إلى جانب تزوير نفقات لوجستية متعلقة بصيانة مركبات وتعبئة وقود لرحلات ميدانية لم تُنفّذ.
ولم تقتصر شبكة الفساد على الداخل، بل امتدت – وفق التحقيق – إلى تلاعب بأسعار صرف العملات والتحويلات المالية والمشتريات بهدف تهريب الأموال إلى الخارج.
كما كشف التقرير عن استمرار الوكالة في التعامل المالي مع “بنك اليمن والكويت” حتى بعد صدور تحذيرات داخلية صارمة عام 2023، وقبل وقت قصير من إدراج البنك على قوائم العقوبات الأمريكية بتهم غسل الأموال وتهريبها لصالح جماعات مسلحة.
وتعمّقت الأبعاد السياسية للقضية مع ما كشفه التحقيق من أن إدارة الوكالة كانت على علم بالتقديرات الأولية للخسائر منذ منتصف عام 2023، إلا أنها أخّرت إخطار مجلس الإشراف والبرلمان الألماني (البوندستاغ) بتفاصيلها، مكتفية بتوصيف الأمر تحت بند “تجاوزات تجارية”.
وأشار التحقيق أيضًا إلى أنه تزامنًا مع مغادرة الوكالة مناطق سيطرة جماعة الحوثي في شمال اليمن عام 2025، جرى إتلاف أجزاء واسعة من ملفات المشاريع والوثائق الحساسة بذريعة “حمايتها”، بموافقة وتغطية من وزارة التنمية الألمانية (BMZ).
وفي خطوة لتدارك الموقف، أعلنت الوكالة فصل وتوقيف 24 موظفًا في مكتبها باليمن منذ بدء ظهور المؤشرات الأولى نهاية عام 2022، واستعانت بشركة التدقيق الدولية “كي بي إم جي” (KPMG) لحصر الأضرار.
ومع ذلك، أحدثت الفضيحة “زلزالًا سياسيًا” في برلين، حيث طالبت أحزاب المعارضة، وفي مقدمتها الاتحاد الديمقراطي المسيحي، بتحقيق شفاف وفوري، بينما استغل حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف القضية للمطالبة بإلغاء وزارة التنمية والتعاون الاقتصادي بالكامل ووقف المساعدات الخارجية الألمانية.