خليجي 27 في جدة.. ذاكرة التنافس وتاريخ المودة | رياضة



روكب اليوم

مرمى وركض، وكرة بالعرض، وكواليس وتدريب وبقايا اشتياق، وضجيج يتبعه صمت وترقب، وتكتيك محبوك بالجهات، وحماس يملأ العشب الأخضر، وجلد منفوخ يتدحرج ليلهب أنفاس وقلوب.. رفعت الستارة، وتوهجت الهمة، وأوقات مثيرة وفرص كثيفة، ثم صافرة نهاية.

هكذا تبدأ كرة القدم قبل انطلاقها، تفاصيل متناثرة تتكثف في 90 دقيقة لتحول الخطط والانتظارات إلى حكاية يكتبها اللاعبون فوق العشب، هنا ينسكب ماء الخليج في كأسه، فيستسقي أبناؤه الإخاء والتلاحم والود والتلاقي والتنافس الشريف.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

لأجل ذلك ومن هذه التفاصيل والمشاعر المشحونة تتجه أنظار الجماهير إلى جدة التي تستضيف للمرة الأولى كأس الخليج العربي (خليجي 27) بين 23 سبتمبر/أيلول، و6 أكتوبر/تشرين الأول 2026، حيث تتنافس 8 منتخبات في 15 مباراة على ملعبي الإنماء بمدينة الملك عبد الله الرياضية والأمير عبد الله الفيصل حيث تضفي جدة خيارا مثاليا يجمع المباريات في نطاق واحد حيث تمنح جدة البطولة طابعا مختلفا بما تملكه من حضور تاريخي وثقافي وسياحي، إلى جانب خبرتها في استضافة الأحداث الرياضية الكبرى.

تظهر قوة السعودية عندما تتحرك الكرة بسرعة، ويتقدم لاعبو الوسط إلى المساحات، وتستخدم الأطراف بطريقة فعالة، أما إذا تحول الاستحواذ إلى تمرير بطيء، فقد تصبح السيطرة شكلية ولا تنتج فرصا كافية. كما يحتاج المنتخب إلى التعامل بهدوء مع ضغط المدرجات، لأن تأخر التسجيل قد يدفع اللاعبين إلى الاستعجال ويفتح مساحات أمام المنافس.

كما تساعد إقامة جميع المباريات في مدينة واحدة على استقرار المنتخبات وتقليل التنقل، وتمنح الجماهير فرصة حضور أكثر من مواجهة.

وقد استُلهِمت الهوية البصرية للبطولة من رواشين جدة التاريخية، في ربط جميل بين ذاكرة المكان وروح المسابقة. وبهذا تصبح خليجي 27 مناسبة رياضية واجتماعية تجمع جماهير المنطقة، وتقدم صورة تتداخل فيها المنافسة مع الثقافة والضيافة والحضور الخليجي المشترك.

وزعت القرعة المنتخبات على مجموعتين تبدوان متقاربتين، وإن كانت المجموعة الأولى تحمل ثقلا تاريخيا وفنيا أكبر. وتضم السعودية والعراق وعمان والكويت، فيما تضم المجموعة الثانية البحرين وقطر والإمارات واليمن. ويتأهل صاحبا المركزين الأول والثاني من كل مجموعة إلى الدور نصف النهائي، ثم تقام بقية المباريات بنظام خروج المغلوب.

ويجعل هذا النظام فرص التعويض محدودة، فكل منتخب يملك ثلاث مباريات فقط في الدور الأول، وأي تعثر قد يدخله مبكرا في حسابات النقاط وفارق الأهداف. لذلك لن يتوقف التفوق على جودة اللاعبين، وإنما سيعتمد على الانضباط التكتيكي، وحسن إدارة الجهد، والقدرة على التعامل مع الضغط، وتقليل الأخطاء التي قد تغير مسار البطولة.

يدخل المنتخب السعودي في مقدمة المرشحين اعتمادا على الأرض والجمهور وتنوع خياراته، ويقوده اليوناني دونيس الذي يعرف الكرة السعودية وطبيعة اللاعب المحلي.

ويملك الأخضر عناصر تجمع بين المهارة والسرعة والقدرة على الاستحواذ، إلى جانب عدد من اللاعبين المعتادين على خوض مباريات قوية أمام جماهير كبيرة.

كما تعكس قيمته السوقية المرتفعة اتساع خياراته وقدرته على تعويض الغيابات، لكنها لا تضمن له اللقب، خاصة مع التغييرات التي طرأت على القائمة وغياب بعض الأسماء المؤثرة.

وتظهر قوة السعودية عندما تتحرك الكرة بسرعة، ويتقدم لاعبو الوسط إلى المساحات، وتستخدم الأطراف بطريقة فعالة، أما إذا تحول الاستحواذ إلى تمرير بطيء، فقد تصبح السيطرة شكلية ولا تنتج فرصا كافية.

كما يحتاج المنتخب إلى التعامل بهدوء مع ضغط المدرجات، لأن تأخر التسجيل قد يدفع اللاعبين إلى الاستعجال ويفتح مساحات أمام المنافس. ويسعى الأخضر إلى إنهاء انتظار طويل منذ آخر تتويج له عام 2003، وهو دافع قوي قد يساعده إذا أحسن توظيفه، وقد يتحول إلى ضغط إذا أصبح التفكير في الكأس سابقا لأداء المباريات.

ويقف المنتخب العراقي في مقدمة منافسي السعودية، بما يملكه من روح قتالية وشخصية قادرة على الصمود في المواجهات الصعبة. ويجيد العراق الانتقال السريع واستثمار الكرات الثانية والالتحامات، ولا يحتاج دائما إلى استحواذ طويل حتى يشكل خطرا.

كما منح وجود عدد من لاعبيه في دوريات خارجية المنتخب مزيجا من القوة البدنية والمهارة والخبرة، وتأتي مشاركته بعد ظهوره في كأس العالم 2026، ما يعزز ثقة لاعبيه ويرفع مستوى طموحهم.

وتبقى حاجة العراق الأساسية هي ضبط الحماس داخل إطار تكتيكي واضح، فالاندفاع قد يصبح نقطة ضعف إذا فقد اللاعبون مواقعهم أو تركوا مساحات خلفهم.

كما أن المواجهات الخليجية تتطلب صبرا وقدرة على تغيير الأسلوب وفقا لسير المباراة، وإذا نجح المنتخب العراقي بقيادة الأسترالي غراهام أرنولد في الجمع بين الروح والتنظيم، فسيكون من أقوى المرشحين للوصول إلى النهائي.

وتعد مواجهته أمام عمان في الجولة الأولى اختبارا حقيقيا، لأنها تجمع فريقا يعتمد على القوة والسرعة بمنتخب يجيد إغلاق المساحات وتهدئة الإيقاع.

يملك المنتخب القطري خبرة كبيرة تراكمت من البطولات القارية والدولية، ويضم لاعبين يعرفون كيف يتعاملون مع المباريات المهمة، ويقوم أسلوبه على امتلاك الكرة والتمرير القصير والتحرك بين الخطوط، مع الاعتماد على مهارة لاعبيه في صناعة الفرص. وعندما يفرض وسطه إيقاع المباراة يصبح قادرا على دفع منافسه إلى الخلف والوصول إلى المرمى من أكثر من اتجاه، غير أن الاستحواذ لا يكفي إذا غابت السرعة والفاعلية.

ويأتي المنتخب العماني بوصفه أحد أكثر منتخبات البطولة اعتمادا على الجماعية، لا يقوم أسلوبه على نجم واحد، وإنما على ترابط الخطوط وتوزيع الأدوار والعمل المنظم.

ويعرف المنتخب العماني كيف يتراجع من دون أن يفقد توازنه، ثم ينتقل إلى الهجوم عن طريق تمريرات سريعة وتحركات محسوبة، كما ضمت قائمته عددا من اللاعبين الذين يخوضون كأس الخليج للمرة الأولى، في محاولة لبناء توازن بين التجربة والحيوية.

وقد لا تضع الترشيحات عمان في الصف الأول، لكنه يملك القدرة على تغيير حسابات المجموعة، فالمنتخب المنظم قد يتفوق على منافس يمتلك أسماء أكبر ولا يلعب بوصفه مجموعة واحدة.

وإذا خرجت عمان بنتيجة إيجابية من مواجهة العراق، فستدخل بقوة في المنافسة على إحدى بطاقتي التأهل، وقد تصبح مبارياتها أمام السعودية والكويت أكثر تعقيدا مما توحي به الترشيحات الأولية.

أما الكويت فتدخل البطولة بين قوة وسيادة تاريخها وأسئلة حاضرها، فهي صاحبة الرقم القياسي بعشرة ألقاب، لكن آخر تتويج لها يعود إلى عام 2010.

ويمنح هذا التاريخ الأزرق مكانة خاصة في دورة الخليج، لكنه يضع لاعبيه أيضا تحت ضغط المقارنة بأجيال صنعت أمجاد الكرة الكويتية.

ويجمع المنتخب بين بعض أصحاب الخبرة وعناصر شابة تبحث عن إثبات نفسها، إلا أن قصر فترة الإعداد وعدم استقرار المنافسات المحلية قد يؤثران في جاهزيته.

وتبدو مواجهة السعودية فرصة مبكرة للكويت كي تكشف ملامحها، فإذا حافظت على تماسكها الدفاعي وخرجت من الضغط بطريقة منظمة، فقد تتحول إلى منافس مزعج.

أما إذا دخل اللاعبون المباراة وهم يحملون عبء الماضي، فقد يفقد الفريق ثقته بعد أول خطأ. الكويت لا تحتاج إلى استعادة صورتها القديمة في مباراة واحدة، وإنما تحتاج إلى بناء شخصية واقعية تناسب إمكاناتها الحالية، وتمنحها القدرة على المنافسة من دون مبالغة أو خوف.

وفي المجموعة الثانية يدخل المنتخب البحريني بثقة حامل اللقب، وتكمن قوته في الانضباط والروح والصبر، لا في كثرة النجوم أو ارتفاع القيمة السوقية.

ويعرف الأحمر كيف يحافظ على توازن المباراة، ويغلق المساحات، وينتظر اللحظة المناسبة لاستثمار أخطاء منافسه، وقد أثبت في النسخة الماضية أن الجماعية قادرة على تجاوز الفوارق الفردية.

لكن الدفاع عن اللقب يختلف عن مطاردته، لأن جميع المنتخبات ستتعامل مع البحرين بوصفه البطل، وسيحتاج إلى تطوير حلوله الهجومية وعدم الاكتفاء برد الفعل، خاصة أمام منتخب يتراجع ويترك له الكرة.

وتمثل مباراته الأولى أمام قطر اختبارا بين أسلوبين مختلفين: البحرين التي تعتمد على التنظيم والقتال، وقطر التي تميل إلى الاستحواذ وصناعة اللعب.

ويملك المنتخب القطري خبرة كبيرة تراكمت من البطولات القارية والدولية، ويضم لاعبين يعرفون كيف يتعاملون مع المباريات المهمة، ويقوم أسلوبه على امتلاك الكرة والتمرير القصير والتحرك بين الخطوط، مع الاعتماد على مهارة لاعبيه في صناعة الفرص.

وعندما يفرض وسطه إيقاع المباراة يصبح قادرا على دفع منافسه إلى الخلف والوصول إلى المرمى من أكثر من اتجاه، غير أن الاستحواذ لا يكفي إذا غابت السرعة والفاعلية.

وتحتاج قطر إلى تحويل سيطرتها إلى فرص حقيقية، وتجنب فقدان الكرة في المناطق التي تسمح للمنافس بالهجوم السريع، كما يجب ألا تتركز الحلول الهجومية في لاعب واحد، مهما بلغت قيمته الفنية.

ويسعى المنتخب القطري إلى لقبه الرابع بعد أن كان آخر تتويج له عام 2014 في السعودية، ويملك الإمكانات اللازمة للوصول إلى الأدوار المتقدمة إذا نجح في تحقيق التوازن بين الجمال والفاعلية.

أما المنتخب الإماراتي فيملك عناصر قادرة على صناعة الفارق الفردي، كما يأتي ضمن المنتخبات الأعلى قيمة سوقية في البطولة.

تكشف المقارنة بين المنتخبات أن الأرقام لا تروي القصة كاملة، السعودية والإمارات تتقدمان في القيمة السوقية، ويملك العراق وقطر عددا من اللاعبين أصحاب الخبرة والاحتراف الخارجي، بينما تأتي قيم عمان والبحرين والكويت واليمن أقل. ومع ذلك لا تقيس هذه الأرقام الانسجام أو الرغبة أو القدرة على تحمل الضغط، وقد أثبتت دورات الخليج أن المنتخب الأكثر تنظيما يستطيع تجاوز منافس يملك أسماء أغلى.

ويستطيع الأبيض تقديم كرة هجومية جيدة من خلال الأطراف والتحرك في العمق، لكنه يواجه سؤالا متكررا يتعلق بالثبات. فقد خرج من دور المجموعات في النسخ الثلاث الماضية، ولم يحقق الفوز في آخر ثماني مباريات خليجية، وهو ما يضع لاعبيه أمام تحد نفسي وفني.

ويقود الإمارات الكرواتي زلاتكو داليتش، صاحب الخبرة الدولية الكبيرة، لكن قصر فترة تجمع اللاعبين قد يؤثر في الانسجام. ولذلك يحتاج المنتخب إلى وضوح في الأدوار وتوازن يمنعه من ترك مساحات خلف اندفاعه الهجومي، وإذا نجح في تحويل مهارته الفردية إلى عمل جماعي، فسيكون مرشحا قويا للتأهل، وربما الوصول إلى النهائي.

ويدخل المنتخب اليمني البطولة بأقل قيمة سوقية وأحد أصغر معدلات الأعمار بين المنتخبات المشاركة، لكن ذلك يمنحه حيوية ورغبة في إثبات الذات.

كما يأتي بطموح مرتفع بعد سلسلة نتائج إيجابية وتأهله إلى كأس آسيا 2027، ولا يتحمل اليمن ضغط المطالبة باللقب، وقد تمنحه هذه الوضعية حرية أكبر في اللعب.

وهدفه الأساسي هو تجاوز دور المجموعات للمرة الأولى، لكنه يواجه مجموعة صعبة تضم حامل اللقب ومنتخبين يمتلكان جودة فنية عالية. وإذا حافظ على تنظيمه ولم يتأثر باستقبال هدف مبكر، فقد يفرض على منافسيه اختبارات صعبة ويؤثر في حسابات التأهل.

وتكشف المقارنة بين المنتخبات أن الأرقام لا تروي القصة كاملة، السعودية والإمارات تتقدمان في القيمة السوقية، ويملك العراق وقطر عددا من اللاعبين أصحاب الخبرة والاحتراف الخارجي، بينما تأتي قيم عمان والبحرين والكويت واليمن أقل.

ومع ذلك لا تقيس هذه الأرقام الانسجام أو الرغبة أو القدرة على تحمل الضغط، وقد أثبتت دورات الخليج أن المنتخب الأكثر تنظيما يستطيع تجاوز منافس يملك أسماء أغلى.

كما أن صغر معدل الأعمار يمنح النشاط والسرعة، لكنه قد يكشف نقص الخبرة، فيما يساعد ارتفاع المعدل على إدارة المباريات مع ضرورة توزيع الجهد بسبب تقارب المواعيد.

وتجمع كأس الخليج بين التاريخ والمنافسة في صورة يصعب فصل عناصرها. فمنذ انطلاقتها عام 1970 أسهمت في صناعة نجوم ومدربين ومعلقين، وأصبحت جزءا من الذاكرة الرياضية للمنطقة.

لكن الماضي لا يمنح صاحبه نقاطا إضافية، ألقاب الكويت والعراق والسعودية وقطر والإمارات وعمان والبحرين تمثل تاريخ البطولة، أما كأس النسخة الحالية فستذهب إلى المنتخب الأفضل في جدة.

وتمنح البطولة اللاعب الخليجي فرصة مهمة للظهور تحت ضغط جماهيري وإعلامي كبير، فقد يخوض ثلاث مباريات فقط في الدور الأول، لكنه يواجه خلالها مواقف تتطلب المبادرة والصبر وإدارة النتيجة.

وفي هذه الظروف تظهر شخصية اللاعب وقدرته على اتخاذ القرار وتنفيذ التعليمات والعمل للمجموعة، وقد تكون البطولة بداية صعود لاعب شاب، أو عودة اسم غاب عن الاهتمام، أو فرصة انتقال إلى مستوى أعلى، كما تعلم اللاعبين كيفية التعامل مع النقد وتقلبات النتائج، وهي خبرات لا تقدمها المباريات الودية بالمستوى نفسه.

وتبدو السعودية والعراق الأقرب إلى التأهل عن المجموعة الأولى، مع قدرة عمان على قلب التوقعات، فيما تحتاج الكويت إلى بداية تعيد إليها الثقة.

وفي المجموعة الثانية تبدو المنافسة أكثر تقاربا بين البحرين وقطر والإمارات، مع قدرة اليمن على التأثير في الحسابات. وتبقى السعودية في مقدمة مرشحي اللقب بفضل الأرض والجمهور وتنوع الخيارات، ويأتي العراق بقوة شخصيته، والبحرين بانضباطه، فيما تملك قطر والإمارات جودة فنية تسمح لهما بالذهاب بعيدا. وتحتفظ عمان بموقع المرشح الهادئ الذي قد يتقدم من دون ضجيج.

ويبقى القول: لن يفوز بالكأس صاحب القيمة السوقية الأعلى بالضرورة، ولا المنتخب الأكثر استحواذا، وإنما الفريق الذي يجيد إدارة التفاصيل، ويحافظ على توازنه، ويقلل أخطاءه، ويملك الرغبة حتى الدقيقة الأخيرة.

وبين تاريخ المسابقة وطموح المنتخبات، تستعد جدة لكتابة فصل جديد من حكاية خليجية تجاوز عمرها نصف قرن، وما زالت قادرة على جمع الجماهير وصناعة النجوم وتقديم منافسة تحتفظ بروحها ومكانتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks