سندات العالم تتهاوى.. لكن هل تتكرر كارثة 2022؟


روكب اليوم
2026-09-03 09:58:00

ديون العالم في دائرة الخطر

ديون العالم في دائرة الخطر

تبدو موجة البيع التي تجتاح أسواق السندات العالمية مؤلمة للمستثمرين، لكنها لا تزال بعيدة عن حجم الانهيار الذي شهدته الأسواق قبل أربعة أعوام، عندما أجبرت موجة التضخم المتسارع البنوك المركزية على تنفيذ سلسلة من الزيادات السريعة في أسعار الفائدة.

والفارق هذه المرة يكمن في حجم التحرك.

فعلى الرغم من أن موجة البيع الأخيرة دفعت عوائد السندات إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات في أكبر أسواق العالم، فإن الارتفاع لا يمثل سوى جزء من القفزة التي شهدتها الأسواق في أواخر عام 2022.

وتظهر بيانات جمعتها بلومبرغ أن عوائد السندات الحكومية العالمية ارتفعت بمقدار 17 نقطة أساس على أساس تراكمي خلال 20 جلسة، مقارنة مع قفزة بلغت 62 نقطة أساس خلال الفترة المماثلة في 2022.

وعلى أساس من القمة إلى القاع، تراجعت السندات العالمية بنسبة 4.2 بالمئة منذ بداية العام، وهي خسارة تبدو محدودة مقارنة بالانهيار الذي بلغ 23 بالمئة في 2022.

لماذا تختلف الموجة الحالية عن 2022؟

وعلى الرغم من أن موجة البيع الحالية لا تظهر مؤشرات واضحة على الانحسار، فإن الارتفاع المحدود نسبياً في العوائد حتى الآن يمنح بعض الطمأنينة للمستثمرين المخضرمين في أسواق الدخل الثابت.

وقال مايك غوساي، كبير مسؤولي الاستثمار والرئيس العالمي للدخل الثابت في شركة Principal Asset Management، لوكالة بلومبرغ نيوز، إن التقلبات الحالية قد تبدو مربكة للأسواق، لكنها في الوقت نفسه تحسن فرص الاستثمار طويلة الأجل في أسواق الدخل الثابت.

وأضاف أن ارتفاع العوائد “يخلق فرصاً غابت إلى حد كبير عن الأسواق خلال معظم العقد الماضي”.

وكانت موجة البيع التي ضربت السندات في 2022 قد دفعت سوق السندات العالمية إلى أول سوق هابطة لها منذ جيل، بالتزامن مع شروع البنوك المركزية، بقيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، في تنفيذ أسرع وأكثر تنسيقاً لتشديد السياسة النقدية منذ نحو نصف قرن.

وجاء ذلك في مواجهة موجة تضخم غذتها طفرة الطلب بعد جائحة كورونا، وتفاقمت بفعل الحرب في أوكرانيا.
العالم على صفيح ساخن .. احذروا القادم

التضخم ليس العامل الوحيد هذه المرة

ولا يزال التضخم يمثل عاملاً رئيسياً في موجة البيع الحالية، خصوصاً مع تأثير الحرب في إيران على أسعار الطاقة، لكن عوامل أخرى تضيف ضغوطاً على أسواق السندات.

فارتفاع الإنفاق الحكومي في اقتصادات كبرى مثل اليابان وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة يبقي إصدارات الديون عند مستويات مرتفعة، ما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعائد أكبر مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تؤدي الأموال الضخمة المطلوبة لتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي إلى زيادة المنافسة على رأس المال، وهو ما يسهم بدوره في رفع تكاليف الاقتراض.

عوائد أعلى توفر “وسادة دخل” للمستثمرين

ومع ذلك، ظلت خسائر السندات أكثر احتواءً، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن العوائد ترتفع هذه المرة من مستويات أعلى بكثير، ما يمنح المستثمرين دخلاً أكبر يساعد على تعويض جزء من انخفاض أسعار السندات.

أما في 2022، فقد كانت العوائد قريبة من مستويات منخفضة تاريخياً قبل أن تبدأ موجة الارتفاع الحادة.

وقال ستيفن ميلر، مستشار في شركة إدارة الاستثمارات GSFM في سيدني، والذي يغطي أسواق الدين منذ عام 1983: “ربما علينا أن نهدأ قليلاً”.

وأضاف أنه لا يستطيع القول إن السندات أصبحت “فرصة شراء صارخة”، لكنه أشار إلى أن مستويات العوائد الحالية تجعلها جديرة ببعض الاهتمام من جانب المستثمرين الباحثين عن الدخل.

وبلغ متوسط معدل الكوبون على السندات المدرجة في مؤشر Bloomberg Global Treasury Total Return نحو 2.68 بالمئة هذا العام، ارتفاعاً من 1.84 بالمئة في 2022.

الاقتصاد قد لا يبرر مزيداً من رفع الفائدة

وقال كيري كريغ، الاستراتيجي العالمي للأسواق لدى JPMorgan Asset Management في ملبورن، لوكالة بلومبرغ نيوز، إن الوضع “ليس سيئاً إلى هذا الحد بالنسبة إلى كل اقتصاد كما يوحي به سوق السندات”.

وأضاف أن المستثمرين في بعض الأسواق، مثل أستراليا، ربما يبالغون في تقدير حجم الزيادات التي قد يقدم عليها البنك المركزي.

وتدعم أحدث البيانات الاقتصادية هذا الرأي جزئياً.

ففي الولايات المتحدة، جاءت بعض البيانات الرئيسية مخيبة للتوقعات، إذ انخفضت الوظائف في يوليو، بينما تراجعت مبيعات التجزئة على نحو غير متوقع.

كما نما الاقتصاد الياباني بوتيرة أبطأ من المتوقع خلال الربع الثاني.

هل تواصل عوائد السندات صعودها؟

مع ذلك، لا يزال من المبكر إعلان وصول عوائد السندات إلى ذروتها. وقد تستمر موجة البيع إذا واصل التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة إبقاء رهانات رفع الفائدة حاضرة في الأسواق، بالتزامن مع استمرار الإصدارات الحكومية الضخمة في دفع العوائد إلى الأعلى.

كما يمثل ارتفاع العوائد اليابانية مصدراً آخر محتملاً للضغوط، إذ قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توجيه رؤوس الأموال العالمية نحو اليابان.

سندات أميركا وبريطانيا وألمانيا تحت الضغط

ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، وهو معيار عالمي لتكاليف الاقتراض، إلى 4.81 بالمئة أمس الأربعاء، وهو أعلى مستوى له منذ أواخر 2023، ما يفرض ضغوطاً إضافية على أسواق الدين في الاقتصادات المتقدمة الأخرى.

وفي اليابان، لامس عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات 3 بالمئة الثلاثاء للمرة الأولى في هذا القرن.

كما قفزت عوائد السندات الأوروبية الأربعاء، إذ ارتفع عائد السندات البريطانية لأجل 10 سنوات بمقدار 6 نقاط أساس إلى 5.28 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ 2007.

وصعد العائد على السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بمقدار يقارب الارتفاع نفسه إلى 3.39 بالمئة، وهو أعلى مستوى منذ 2011.

المستثمرون أكثر قدرة على تحمل التقلبات

ومع ذلك، تشير مستويات التقلب الأقل إلى أن المستثمرين يتعاملون مع موجة البيع الحالية بقدر أكبر من الهدوء مقارنة بما حدث في 2022.

وانخفضت تقلبات عوائد السندات الحكومية العالمية إلى 37 نقطة أساس، مقابل ذروة بلغت 56 نقطة أساس في مايو.

وكان هذا المؤشر قد ارتفع بشدة خلال موجة اضطراب 2022، قبل أن يصل إلى نحو 92 نقطة أساس في مارس من العام التالي.

وقالت أياكو سيرا، كبيرة استراتيجيي الأسواق في Sumitomo Mitsui Trust Bank في طوكيو، إن العوامل السلبية التي تضغط على السندات تتراكم بصورة تدريجية، لكن السوق لم يشهد حتى الآن محفزاً حاسماً بالقوة الكافية لدفع المستثمرين إلى الخروج منه.

وبالتالي، ورغم القفزة الأخيرة في العوائد والضغوط المتزايدة من التضخم والإنفاق الحكومي وتمويل طفرة الذكاء الاصطناعي، فإن سوق السندات العالمية لا تزال بعيدة عن الاضطراب التاريخي الذي شهدته في 2022.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks