


عندما تضرب الحروب بيئة ما، لا تكتفي بتدمير البنية التحتية والمباني، بل تمتد لتهشيم البنية الثقافية والروحية للمجتمع. وفي قانون الطبيعة، إذا تغيرت البيئة تكون الكائنات أمام خيارات ثلاثة: الهجرة، التكيف، أو الانقراض.
- المسرح اليمني..من منارة الوعي إلى قاعات اللاميزانية
يستذكر مدير عام المسرح الوطني بوزارة الثقافة والسياحة بصنعاء، الفنان والممثل المسرحي أحمد المعمري، قائلًا: “كان المسرح اليمني منارةً للوعي منذ انطلاقته الأولى في عدن مطلع القرن الماضي، مروراً بفرق صنعاء وتعز القوية. كانت المنصة التي يُحاكم فيها الفساد ويُبنى من خلالها المجتمع. المسرح كان يجمعنا قبل أن تفرقنا السياسة والجغرافيا، اليوم، تبدل الحال؛ تحولت المسارح العريقة إلى قاعات مغبرة وأطلال”.
- من أستاذ للإخراج المسرحي إلى نادل في مطعم مضغوط
تتجلى أقسى صور هذه المأساة في قصة الفنان المسرحي القدير سمير سعيد سيف (58 عاماً). سمير ليس مجرد هاوٍ، بل هو أستاذ الفن والتمثيل في معهد جميل غانم للفنون بعدن، وشغل منصب النائب التعليمي فيه، وهو موظف في مكتب وزارة الثقافة منذ عام 1993، وحاصل على البكالوريوس في الإخراج المسرحي من الكويت والدراسات العليا من العراق.
لم يتوقع سمير، ابن حي الشيخ عثمان الذي أنجب كبار الأدباء، أن يأتي عليه يوم يضطر فيه لتجسيد أقسى أدوار حياته: نادل (مباشر) في مطعم شعبي لبيع المضغوط في خور مكسر من الرابعة عصراً حتى منتصف الليل، ليعود بقوت يومه لأسرته المكونة من 7 أفراد.
تزامنًا مع مشاركته في مسرحية”هاملت” باللهجة العدنية مع فرقة “خليج عدن” بعد غياب للمسرح دام 3 سنوات – كان سمير يوفق بين بروفات المسرح الشاقة وعمله في المطعم.
يتحدث الفنان سمير: “الحرب محطة مدمرة، وتوجهت للعمل خارج الفن بوظيفة نادل، والعمل شرف وفخر لي. الفنان واحد من البشر العاديين، وخاصة في اليمن الذي يعاني من الحرب والجوع، ويحتاج رب الأسرة عملاً للإنفاق على أولاده.. أنا أبتسم أمام الزبائن بكل ثقة ودون تحرّج”.
يتذكر سمير مواقف قاسية تعرض لها أثناء تقديم الطلبات للزبائن؛ فمنهم من يرمقه بنظرات سخرية لكونه فنانًا معروفًا، ومنهم من يلعن الحرب التي أوصلت قامة مثله إلى هذا الحال، بينما يغض آخرون أبصارهم حرجاً. ويختتم: “حياة الفنان ما بعد الحرب صعبة وقاسية، والفنان دائمًا مظلوم في بلد علاقته بالفنون محدودة.. الفن لم يعطني الكثير مما كنت أحلم به، بل أخذ مني صحتي ووقتي وأعصابي” .- “أبو شامة” من نجومية الشاشة إلى عربة الآيسكريم
قصة أخرى يرويها الروائي والمؤلف وجدي الأهدل عن الفنان الكوميدي والتلقائي القدير عبدالسلام زلعاط (مواليد 1965). زلعاط الذي رفد الدراما والمسرح اليمني على مدى 30 عامًا، وشارك في مسلسلات شهيرة مثل (كيني ميني، عيني عينك، مننا فينا، أنياب الشر، باقة ورد) ومسرحية (مريض الوهم) لموليير.
زلعاط، صاحب القلب النظيف ودماثة الأخلاق، الذي طالما ساعد زملائه وكان أول من قدم وجوهًا شابة للمخرجين (مثل الممثلة أماني الذماري) واجه جحوداً فنياً وتهميشاً من المخرجين الذين حصروه في أدوار ثانوية دون الالتفات لموهبته الكوميدية الفذة.
وتحت وطأة الديون الملاحقة، ومطالبات المؤجر، ومتطلبات أولاده الأربعة، اضطر عبدالسلام زلعاط في السنوات الأخيرة لترك مهنة التمثيل نهائياً، والتجول بعربة لبيع “الآيسكريم” في الشوارع ليوفر لقمة العيش.
وفي مقارنة صادمة تعكس نظرة المجتمع وجحود المشهد الحالي، يشير الأهدل إلى أن قناة الفنان عبدالسلام زلعاط على يوتيوب لا تضم سوى (79 مشتركاً) فقط رغم تاريخه الممتد لثلاثة عقود، في حين تمتلك ممثلة مستجدة بعمر فني قصير جداً أكثر من (110 آلاف مشترك)؛ ما يوضح تفشي معايير “الحظ والابتذال” على حساب الموهبة والتاريخ.- الواقع المأساوي
و يفتح الباب على تساؤلات مشروعة حول البيئة الفنية الداخلية في اليمن، حتى في قطاعها الخاص. حيث يتساءل الكاتب والناقد خالد قيرمان عن غياب المعايير المؤسسية: “من يحمي الممثل اليمني؟ من يؤمن له مصدر دخل في ظل احتكار العمل الموسمي؟ ما دور نقابة المهن التمثيلية والدولة في إنقاذ الممثل قبل أن يُجن؟” ويؤكد قيرمان أن العمل الفني بات محصوراً في موسم رمضان فقط، وحتى هذا الموسم يتحكم فيه “السمسرة، والشللية، والاستقطاب والمزاجية” في اختيار النجوم وتجاهل الآخرين.
ويستدل قيرمان بشكاوى علنية أطلقها نجوم كبار ولهم رصيد فني لافت وعريض مثل الفنان محمد القطاع (بطل مسلسلات: حارس البحر، سد الغريب، تكتيك، عيني عينك) الذي أعلن مؤخرًا أنه تم إقصاؤه تماماً من كل القنوات دون ذنب بعد أن كان آخر ظهور له كضيف شرف في مسلسل “لقمة حلال”. وتكررت هذه المعاناة والشكاوى مع نجوم آخرين مثل: خالد مشوار، يحيى سهيل، وطارق ردمان.- صرخة قبل الانقراض التام