كيف تصدى الأزهر لمحاولة إسرائيل تحريف القرآن الكريم؟ | دين



روكب اليوم

في ديسمبر/كانون الأول 1960، تلقت القاهرة برقية من سفارتها في المغرب: إسرائيل تطبع نسخا محرفة من القرآن الكريم وتوزعها في دول أفريقية وآسيوية.

 

تُعد قصة تحريف القرآن الكريم التي انكشفت في ديسمبر/كانون الأول 1960 واحدة من أخطر المؤامرات التي استهدفت الدين الإسلامي في العصر الحديث، وفق ما أوردته حلقة (2026/7/27) من برنامج “ملفات محظورة”، وهذا رابطها.

فبينما كان العالم العربي والإسلامي يعيش توترا سياسيا متصاعدا مع إسرائيل التي كانت قد أنهكت المنطقة بتهديداتها المائية والنووية، جاءت اللطمة الأشد: العثور على نسخ من المصحف تحتوي على تحريفات متعمدة تنقل المعنى إلى نقيضه، في جريمة كانت ستغير معتقدات ملايين المسلمين غير العرب الذين لا يتقنون قراءة القرآن.

وبدأت القصة ببرقية عاجلة أرسلها أحد أفراد سفارة الجمهورية العربية المتحدة في المغرب إلى القاهرة في ديسمبر/كانون الأول 1960، يفيد فيها بأن إسرائيل قامت بطبع نسخ جديدة من القرآن الكريم وتوزيعها في دول أفريقية وآسيوية.

ولم يكن التحريف بإضافة آيات جديدة أو حذفها، بل بطريقة أكثر خبثا، فقد تم حذف كلمات أساسية من آيات لتغيير العقيدة تماما، مثل حذف كلمة “غير” من آية (ومن يبتغ غير الإسلام دينا)، لتقرأ “ومن يبتغ الإسلام دينا”، وحذف كلمة “ليست” من آية الجدال بين اليهود والنصارى لتتحول إلى اعتراف كل منهما بصحة دين الآخر، إلى جانب تحريفات مشابهة في عدد من الآيات.

ويشير مؤرخون -كما توضح الحلقة- إلى أن التخوف من تحريف القرآن لم يكن وليد تلك اللحظة، بل كان مبنيا على تاريخ طويل من محاولات الصهيونية العالمية لتشويه الإسلام.

فقبل عقد من ذلك التاريخ، وبالتحديد في عام 1949، قامت دار نشر “زيف ديفيس” الأمريكية -المملوكة لرئيس المنظمة الصهيونية التصحيحية في أمريكا وليام برنارد زيف- بنشر ترجمة مشبوهة للقرآن حملت عنوان “القرآن المختصر المصمم للقراءة اليسيرة”.

وقدمت هذه الترجمة بأسلوب مبتور ومشوه، مما أثار غضب العلماء، خاصة وأنها تهدف أساسا إلى تقديم رؤية مشوهة للإسلام للجمهور الغربي، تحت غطاء التعريف بالدين.

وعندما وصلت نسخ المصاحف المحرفة إلى مصر، شكّل الجامع الأزهر لجنة عليا من كبار العلماء لمراجعتها، وأكدت اللجنة وجود تحريف متعمد بهدف إفساد العقيدة.

تحركات عربية وإسلامية

وأرسل شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت بيانا عاجلا إلى جميع المسلمين في العالم عبر مجلة الأزهر، محذرا من المصاحف المحرفة وداعيا إلى سحبها وإعدامها، كما بعث برقية إلى الرئيس جمال عبد الناصر يصف فيها هذه الجريمة بأنها “عدوان أثيم” على دين الله.

ولم تتأخر الحكومات العربية والإسلامية في التعامل مع تحذير الأزهر، حيث طالب مفتي الديار في السودان من المحاكم الشرعية مراجعة المصاحف، وفي الأردن صدر بيان رسمي يدين إسرائيل، وتم تكاتف الجهود لسحب كل نسخة محرفة وإعدامها فورا، فيما ظل مصدرها “الدقيق” مجهولا، وظلت القضية ضد مجهول.

وبما أن المواجهة لم تكن عسكرية، بل فكرية وإعلامية وصوتية، طُرح حل وصف بأنه عبقري: “الجمع الصوتي للقرآن الكريم” الذي تبناه رئيس جمعية المحافظة على القرآن الكريم الدكتور لبيب السعيد.

ورأى السعيد -كما أوضحت الحلقة- أن وجود تسجيلات صوتية كاملة للقرآن الكريم بصوت كبار القراء سيكون الحاجز الأقوى أمام أي محاولة تحريف، لأنه سيضمن نقل القراءة الصحيحة والمتواترة كما نزلت على النبي عليه السلام.

وبموافقة وزارة الأوقاف بدأ المشروع بتفرغ الشيخ محمود خليل الحصري لتسجيل المصحف كاملا دون مقابل، وبعد الانتهاء من التسجيل، وفي 18 سبتمبر/أيلول 1961، انطلق بث المصحف المرتل بصوت الحصري على موجات الإذاعة المصرية، ليبدأ عصر جديد من الحفظ الإلكتروني للقرآن الكريم، الذي تبعته إذاعات قرآنية متخصصة حول العالم، وأسطوانات وأشرطة كاسيت، وآلاف التسجيلات التي انتشرت في كل بيت مسلم.

وتُعتبر هذه الفترة من الفصول البارزة في تاريخ حفظ القرآن الكريم -بحسب الحلقة- حيث إنها أكدت إرادة الأمة الإسلامية في التصدي لأي مؤامرة، ورسخت مفهوم أن “القرآن الكريم محفوظ في الصدور لا في السطور”، وفي الأسماع قبل الأوراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks