كيف يؤثر ما حصل في لبنان على مستقبل نتنياهو السياسي؟ |


روكب اليوم

شهدت الحلبة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في يونيو/حزيران 2026 زلزالا إستراتيجيا ودستوريا غير مسبوق، إثر مكالمة هاتفية عاصفة وتوبيخ علني حاد من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مما أرغمه على الانصياع الفوري والتراجع عن قصف العاصمة اللبنانية بيروت.

هذا التراجع الذي وُصف بـ”المهين” في تل أبيب، لم يقوض أوهام “صورة النصر” في لبنان فحسب، بل تلاقى مع تمرد داخلي عاصف قادته مؤسسات حزب “الليكود”، ليتحول الحصار المزدوج إلى مقصلة سياسية تُنهي مستقبل نتنياهو، بالتزامن مع تصويت الكنيست بالإجماع على حل نفسه بالقراءة الأولى.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

فيتو بيروت المهين

وقد فجّر المراسل السياسي يارون أبراهام عبر القناة 12 العبرية تفاصيل المحادثة المقلقة بين ترمب ونتنياهو، التي سارع بعدها الرئيس الأمريكي إلى نشر إعلان حاسم عبر منصته “تروث سوشيال”، كشف فيه بوضوح تجاوزه للسيادة الإسرائيلية، حيث كتب علنا “أجريتُ محادثة مثمرة للغاية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولن يصل أي جنود إلى بيروت، وقد تم سحب جميع القوات المتجهة إليها.. اتفقت مع حزب الله على وقف إطلاق النار بالكامل”.

هذا الإعلان كشف كواليسه الصادمة الخبير الإستراتيجي إيتامار إيخنر في صحيفة يديعوت أحرونوت ، والمحلل بن كاسبيت في معاريف ، حيث أكدا أن المواجهة اللفظية بلغت ذروتها في مكالمة ثانية حادة اتصل فيها ترمب بنتنياهو غاضبا ووصفه “بالمجنون تماما ” واتهمه بالمحاباة لإفساده المفاوضات مع إيران، صارخا في وجهه “ماذا تفعل بحق الجحيم؟ “، ومضيفا بحزم “لولا دعمي لكنت في السجن. أنا أنقذك. الجميع يكرهك الآن، والجميع يكره إسرائيل بسبب ما يحدث “.

متظاهرون يرتدون أقنعة تحمل صور نتنياهو (يسار) ووزير الأمن القومي المتطرف إيتامار بن غفير (يمين) (الفرنسية)

وعلّق بن كاسبيت على هذه المقايضة الصادمة بالقول “عندما تفوض السلطة لجهات أجنبية، وتبيع الأمن القومي مقابل الحصول على عفو وإلغاء محاكمة جنائية، قد تجد نفسك بلا أمن قومي، وبلا عفو، ولكن أمام محاكمة علنية .

وأضاف “لقد تحول استعراض نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس للقوة إلى هراء محض.. كحال بالون منفوخ يُثقب فجأة ويهيم في الفضاء وهو يُفرغ من هوائه الدافئ قبل أن يُلقى في زاوية الغرفة “.

من ناحيته، علق المحلل العسكري لصحيفة إسرائيل هيوم يؤاف ليمور بقوله “لم يكن أمام نتنياهو خيار سوى طاعة ترمب. لقد وضع إسرائيل ونفسه شخصيا في موقف يمسك فيه ترمب بإسرائيل وبنا، في أكثر المواقف حساسية، فإسرائيل معزولة في العالم، محرومة من الشرعية ومكروهة أكثر من أي وقت مضى. كل مفاصلها السياسية والأمنية والاقتصادية في يد البيت الأبيض.

وأضاف ليمور “وليس فقط مفاصل الدولة، بل أيضا مفاصل نتنياهو كشخص، وفي هذه الحالة كمتهم في محاكمة جنائية، فقد قال له ترمب باختصار أنا أساعدك في المحاكمة، إياك أن تعصي أوامري في لبنان “.

دمية بلا سيادة

أثارت مواقف ترامب موجة غضب عارمة بين أقطاب النظام السياسي الذين أجمعوا على تحول نتنياهو إلى “أداة طيعة ” لواشنطن، ونقلت القناة 12 عن زعيم المعارضة يائير لبيد قوله إن إسرائيل تحولت إلى “محمية أمريكية ” تعاني من “إبادة سيادية كاملة “.

وقد شن رئيس حزب “إسرائيل بيتنا ” أفيغدور ليبرمان هجوما ملتهبا “من غير المقبول أن يتعرض الشمال لقصف عنيف.. بينما ينتظر رئيس الوزراء موافقة ترمب لقصف الضاحية. هذا ليس رئيس وزراء بل دمية “.

بدوره، هاجم رئيس حزب “يشار ” والجنرال السابق غادي آيزنكوت الخنوع الحكومي مؤكدا “لم يسبق أن تولى رئيس وزراء في إسرائيل منصبا يقبل بمثل هذا الاستسلام.. نتنياهو يضر بالمصالح الوطنية لإسرائيل بدافع الضعف “.

صورة كومبو تجمع نتنياهو وآيزنكوت ونفتالي بينيت ويائير لبيد (وكالات)

حتى وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، أحرج رئيسه علنا بالقول “هذا هو الوقت المناسب لنقول لصديقنا الرئيس ترمب “لا “، في حين كتب رئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت “حكومة فقدت السيطرة على السيادة الإسرائيلية.. فوضى في كل مكان “.

وارتدت هذه التطورات على أرشيف نتنياهو نفسه، حيث ذكّر بن كاسبيت الجمهور بخطاب نتنياهو الساخر عام 2022 حين قال إن ميزة رئيس الوزراء هي القدرة على قول كلمة واحدة للرئيس الأمريكي وهي “لا “، ليعقب كاسبيت “اتضح أنك تفتقر تماما لهذه القدرة.. كل ما تملكه هو ذلك الصوت الأجوف “.

ثورة الجنرالات الميدانية

تعدى الانكسار المشهد السياسي ليصل إلى عمق المؤسسة العسكرية المستنزفة، ونقل مراسل الشؤون العسكرية في صحيفة هآرتس ، يانيف كوبوفيتش، عن ضباط كبار في هيئة الأركان غضبهم العارم من واقع “لا تكون فيه السلطة الكاملة على استخدام القوة بيد القيادة الإسرائيلية بل بيد البيت الأبيض “، موضحين أن خططا معقدة لسلاح الجو أُحبطت بأمر ترمب.

كما  فكك الخبير والمحلل العسكري المخضرم رون بن يشاي في صحيفة يديعوت أحرونوت جذور هذه التبعية، مؤكدا أنه “ليس أمام دولة إسرائيل خيار سوى قبول إملاءات الرئيس الأمريكي بشأن لبنان، بسبب التبعية السياسية والعسكرية واللوجستية للولايات المتحدة التي عززها نتنياهو، والعزلة الدولية التي تعاني منها إسرائيل “.

دبابات إسرائيلية وجرافة عسكرية تعبر الحدود بين إسرائيل ولبنان باتجاه الداخل الإسرائيلي (رويترز)

وفي السياق ذاته، اعتبر المحلل العسكري في معهد الأمن القومي عوفر شيلح عبر القناة 12 أن إسرائيل تحولت إلى “أداة غليظة لتدمير الأرض، ولكن من يشكل الشرق الأوسط هو أمريكي واحد يملي علينا ما نفعله متى شاء “.

أما رئيس الوزراء ووزير الدفاع الأسبق الفريق احتياط إيهود باراك فخرج عبر إذاعة إف.إم 103 ليعري أرقام نتنياهو العسكرية قائلا “الحكومة تضلل الناس، ونتنياهو يحصي الجثث.. لم يقتلوا 800 إرهابي، ولا 400. هذا كله هراء “.

وفكك باراك، مهندس انسحاب عام 2000، عبثية البقاء البري في لبنان مؤكدا “لا يمكن القضاء على حزب الله دون احتلال لبنان بالكامل، وهو أمر غير عملي بتاتا.. تدمير القرى يُقوّي حزب الله ويمنحه فجأة دورا وطنيا مهما “، مؤكدا أن الجيش مشدود وبلغ أقصى طاقته واستُنزف بالكامل.

ويتزامن ذلك مع تصريحات دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى لصحيفة يديعوت أحرونوت أكد فيها أن “الحرب في إيران قد تحولت إلى فشل إستراتيجي ذريع “، واصفا التوغل في لبنان بأنه “يُذكّر بفشل روسيا في أوكرانيا، حيث يواجه الجيش الإسرائيلي تراجعا واضحا في جودة قواته بسبب استنزاف الاحتياطيات “.

تمرد الحصن الداخلي

بالتوازي مع الانكسار الخارجي، تلقى نتنياهو طعنة قاتلة من داخل معقله الحزبي، حيث وثقت المحللة السياسية البارزة آنا بارسكي في صحيفة معاريف كواليس التمرد التنظيمي ضده، مؤكدة أن لجنة دستور الليكود اجتمعت في “لقاء عاصف ومحتدم لم يدم سوى بضع دقائق، لتوجيه رسالة بديهية وصارمة لنتنياهو بأنه “لن يتم إلغاء الانتخابات التمهيدية لحمايتك، وجميع أفكارك للالتفاف عليها لحماية قائمتك الشعبوية لن تُنفذ “.

وأوضحت بارسكي أن هذا التمرد الداخلي جرد نتنياهو من قدرته على المناورة وتصفية خصومه الحزبيين.

كما جاء ترجمة فورية لاستطلاع الرأي الداخلي بين أعضاء حزب الليكود الذي نشره بني أشكينازي في صحيفة “إسرائيل هيوم “، وأظهر أن 45% من قواعد الحزب يعارضون محاولات نتنياهو لإلغاء الانتخابات الداخلية للسيطرة على القائمة الحزبية وتأمين نفسه.

وتمثلت الصدمة الأكبر في أن 40% من أعضاء الحزب أكدوا أنهم سيتخذون خطوات احتجاجية كبيرة إذا أُلغيت الانتخابات الداخلية وإدارة القائمة من قِبل لجنة تنسيقية (18% سيستقيلون من الحزب، 16% لن يصوتوا لمرشحي الليكود، و6% سيعتزلون التصويت)، وعقّب المعهد بأن الأرقام تعكس شرخا هائلا يتعلق بالهوية الديمقراطية للحزب ووضع أعضائه الذين يرفضون تحويل الحركة إلى أداة لحماية شخص واحد.

تصويت الإسرائيليين في انتخابات الكنيست (الجزيرة)

وتزامن هذا العجز الشامل مع خطوات داخل أروقة الكنيست، حيث أفادت المراسلة السياسية للقناة 12 دفنا ليئيل، بأن الكنيست وافق بالإجماع وبأغلبية ساحقة بلغت 106 أعضاء ودون أي معارضة، على مشروع قانون حل الكنيست في قراءته الأولى، لتقديم الانتخابات إلى سبتمبر/أيلول.

كما تزامن هذا السقوط مع انفجار الائتلاف الحاكم، حيث بثّ الصحفي الاستقصائي مايكل شيمش عبر القناة 13 تسريبا حصريا لرئيس حزب “شاس ” أرييه درعي، هاجم فيه نتنياهو قائلا “يتحمل رئيس الوزراء مسؤولية حادثة الحاخام لاندو والرسالة القاسية الموجهة للكتلة اليمينية. لقد أخطأ بالحديث عن عدم امتلاكه للأغلبية “.

وفجّر درعي المفاجأة بشأن نية حلفائه “يهدوت هتوراة ” الانقلاب على نتنياهو بقوله “سيدخلون في حكومة يسارية إذا تم تشكيل حكومة بعد الانتخابات “، متهما القيادي من يهدوت هتوارة موتي بابشيك بأنه “يفعل كل شيء لإقامة حكومة يسارية “.

الابتزاز والدفع نقدا

أمام رعب السقوط، تحول نتنياهو إلى رهينة لابتزاز الأحزاب الدينية لضمان بقائه لعدة أسابيع، وكشفت المراسلة الحزبية لصحيفة يديعوت أحرونوت موران أزولاي، أن الحريديم يمارسون ضغوطا “ابتزازية “، حيث اضطر نتنياهو “لدفع الثمن نقدا وفورا ” عبر تمرير قوانين تلتف على القضاء، مثل “قانون الحضانات ” لدعم المتهربين من التجنيد، و “قانون دراسة التوراة الأساسي ” لتعلو التوراة فوق قوانين الدولة، وإلغاء إصلاحات الكشروت (الطعام الحلال وفق الشريعة اليهودية)، ليتأكد للشارع أن “ملك اليمين ” بات مستعدا لبيع مقدرات وسيادة الدولة مقابل بضعة أسابيع إضافية في الحكم.

قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية يهدد بإسقاط حكومة نتنياهو (مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي)

تثبت المعطيات أن “محادثة الشتائم” العاصفة مع ترمب جردت نتنياهو من آخر أساطيره الأمنية وحولته إلى “زعيم منقاد” فرط في أوراق الردع الإستراتيجية خشية السجن ومخاوف ترمب الانتخابية، ليتزامن ذلك مع إجماع الكنيست بـ 106 أصوات على حل نفسه وتمرد قواعد الليكود.

هذا التآكل البنيوي الشامل والتبعية العسكرية المطلقة التي عززها نتنياهو تجعل من تقدمه نحو صناديق سبتمبر/أيلول المرتقبة قفزة نهائية نحو الانتحار السياسي الحتمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks