

روكب اليوم
“إذا لم يتم إيقاف روسيا، فإن آلتها الحربية ستنقلب ضدنا عاجلا أم آجلا”.. هكذا اختصر المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقف بلاده ومن ورائها أوروبا من الحرب الروسية الأوكرانية المشتعلة منذ فبراير/شباط 2022.
وبينما كان القطار الذي يستقله ميرتس يصل إلى العاصمة كييف أمس الأحد، كانت الأجواء هناك معبرة تماما عن الحرب المعقدة، حيث كان الصوت الأبرز لمزيج من دويّ صفارات الإنذار مع أصوات الهجمات الروسية التي لم توالت على المدينة حتى وهي تستقبل زعيم إحدى أكبر الدول المساندة لأوكرانيا.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listلم تكن رسالة هجمات الأمس على كييف بحاجة إلى ترجمة، وهو ما أكدته وزيرة الاقتصاد الألمانية كاترينا رايشه التي كانت ضمن الوفد المرافق لميرتس، عندما قالت اليوم إنها كانت محاولات من موسكو لترهيب الحكومة الألمانية، موضحة أن بعض الضربات الروسية طالت أهدافا على مسافة قريبة جدا من وسط كييف.
ميرتس من جانبه أكد أن بلاده لن تخضع للترهيب كي تتخلى عن دعمها لأوكرانيا التي كان قد زارها للمرة الأولى في مايو/أيار من العام الماضي بعد أربعة أيام فقط من أدائه اليمين الدستورية مستشارا لألمانيا، وكان برفقته كل من رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، ورئيس وزراء بريطانيا آنذاك كير ستارمر، ورئيس وزراء بولندا دونالد توسك.
وقبل ميرتس حرص المستشار الألماني السابق أولاف شولتز على زيارة أوكرانيا مرتين خلال ولايته التي استمرت ثلاث سنوات ونصف.
ماذا جرى في الزيارة؟
زيارة الأمس لم تقتصر على إظهار التأييد المعنوي، حيث أعلن ميرتس خلالها عن حزمة مساعدات عسكرية إضافية بقيمة مليار يورو (1.1 مليار دولار)، لأوكرانيا التي تعاني منذ أسابيع جراء تكثيف روسيا استهدافها لأهداف عسكرية فضلا عن البنية التحتية لقطاعات الاتصالات والكهرباء والنقل.
وقال ميرتس خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي إن موسكو تحاول إضعاف معنويات الشعب الأوكراني، وأعلن عن تخصيص 350 مليون يورو لإعمال الإصلاحات في قطاع الطاقة، مشددا على أن ألمانيا تظل الداعم الأقوى لأوكرانيا.
في الأثناء، قال مسؤولون ألمان إن مسؤولين تنفيذيين من شركات رافقت ميرتس في زيارته وقعوا 14 اتفاقية مع حكومة كييف وشركات أوكرانية بقيمة تقارب 6.6 مليار يورو.
أما زيلينيسكي فقال إن بلاده وألمانيا تقتربان من إبرام صفقة دفاعية شاملة، قال عنها في وقت سابق إنها ستشمل إنتاج طائرات مسيرة وصواريخ وبرمجيات ذات صلة.
ولكن لماذا كل هذا الاهتمام؟
بعبارة أخرى لوصف السؤال الذي يشغل ألمانيا وأوروبا منذ أكثر من أربع سنوات: هل الدفاع عن أوكرانيا دفاع عن دولة مجاورة فقط، أم عن خط دفاع متقدم لأوروبا نفسها؟
الإجابة جاءت واضحة من المستشار الألماني كما أشرنا إليها في الفقرة الأولى من هذا الموضوع: ” أوكرانيا بحاجة إلى دعمنا الكامل في الأسابيع المقبلة، وإذا لم يتم إيقاف روسيا، فإن آلتها الحربية ستنقلب ضدنا عاجلا أم آجلا”.
وقبل يومين قدم ميرتس إجابة مماثلة عندما كتب عبر منصة إكس مؤكدا أن “أمن ألمانيا يعتمد أيضا على نتيجة هذه الحرب”.
لكنه عاد للتفصيل في الأمر خلال زيارة الأمس حيث قال: “نحن لا نفعل ذلك لحماية وحدة أراضي أوكرانيا فحسب، بل لأن ذلك يخدم مصلحتنا بصورة مباشرة، لأن الأمر يتعلق بأمن أوروبا.. فروسيا تشن هجمات إلكترونية وحملات تضليل تستهدف النظام الديمقراطي في القارة”.
مثل هذه الإجابة صدرت مرارا عن قادة أوروبيين آخرين كرروا التأكيد على أن دعم أوكرانيا ليس مجرد التزام أخلاقي، بل هو استثمار مباشر في الأمن القومي الأوروبي.
واليوم جاء أحدث تصريح في هذا الصدد على لسان مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس التي قالت إن “روسيا تشكل خطرا على أرواح الناس في جميع أنحاء أوروبا من خلال شن هجمات هجينة ومحاولات للتخريب”، واصفة ذلك بانه “أمر غير مقبول على الإطلاق”.
واشنطن وأوروبا
لكن هنا لا بد من الإشارة إلى تحول كبير ظهر في الموقف الغربي منذ عودة دونالد ترمب إلى السلطة في واشنطن بداية العام الماضي، فالولايات المتحدة وأوروبا ما زالتا في المعسكر نفسه الداعم لأوكرانيا، لكن الواقع يقول إنهما لم تعودا تتحملان العبء بالطريقة نفسها.
فخلال السنوات الأولى للحرب كانت واشنطن أكبر مانح عسكري منفرد لأوكرانيا، وقدمت منظومات يصعب على الأوروبيين تعويضها سريعا، مثل باتريوت وهيمارس وذخائر وصواريخ متطورة وقدرات استخبارية.
لكن إدارة ترمب جاءت لتدفع الأوروبيين إلى تحمل جزء أكبر بكثير من التكلفة، ويمكننا القول إن المعادلة تغيرت من كون واشنطن تدفع وتسلّح، إلى صيغة أقرب إلى كون أوروبا تدفع والولايات المتحدة توفر جانبا من السلاح والتكنولوجيا.
التضييق الأمريكي على أوكرانيا لم يعد يقتصر على تقليص المساعدات العسكرية، وإنما أيضا يتمثل في الضغط والدفع باتجاه تسوية سلمية تتضمن تنازلت طالما رفضتها كييف ومعها الحلفاء الأوروبيون.
شبح الحرب
وهذا بدأ الأوروبيون يجدون أنفسهم في مواجهة مع روسيا لكنها تنتقل تدريجيا من كونها غير مباشرة وتقترب من شكل المواجهة المباشرة بكل ما ينطوي عليه الأمر من خطورة.
وسائل الإعلام الألمانية بدأت تتحدث صراحة عن الاستعداد لسيناريو الحرب، مشيرة في هذا الصدد إلى تدريب عسكري جرى في هامبورغ قبل أيام تحت اسم: عملية “ريد ستورم تشارلي”، وركز على كيفية الرد على هجوم محتمل تشنه روسيا على أراضي حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وقبل أيام من هذا التدريب اتهمت برلين موسكو بالوقوف وراء محاولة للهجوم بطائرات مسيرة مفخخة على مطار لايبزيغ، ما زاد من حالة التوتر بين الجانبين.
وحسب موقع دويتش فيله الألماني، يتوقع حلف الناتو أن تكون دول البلطيق هي الأكثر عرضة لهجوم روسي. وفي حالة الطوارئ سيقوم الحلف بحشد أعداد كبيرة من القوات من دوله الأعضاء البالغ عددها 32 دولة. ولهذا الغرض سيتعين على الجنود من جنوب وغرب أوروبا عبور ألمانيا.
ويشير الموقع نفسه في هذا الصدد إلى تصريح لوزير الدفاع بوريس بيستوريوس قبل أسبوعين قال فيه إن محاولة الهجوم على مطار لايبزيغ تعني أن التهديد الروسي أصبح أكثر واقعية ووضوحا وخطورة، معتبرا أن موسكو تريد اختبار رد فعل برلين على ما يبدو.
أما وكالة الأنباء الألمانية، فكشفت عن تقديرات حديثة للاستخبارات الألمانية تشير ‘لى أن البلاد تحتاج إلى تعزيز قدرتها على التصدي للمخاطر “لاسيما في مواجهة التهديد الذي تشكله روسيا”.
“روسيا تشن حرب ظل ضدنا”، هذا بالتحديد ما قاله رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني “بي إن دي”، مارتن ياغر، خلال جلسة استماع علنية عقدتها لجنة الاستخبارات في البرلمان الألماني.
وقال ياغر إن ألمانيا “باتت عقبة كبرى أمام بسط روسيا نفوذها وهيمنتها في أوروبا”، ما يجعل منها “هدفا لتحركات روسية”.، مشيرا إلى أن أجهزة الاستخبارات تلعب دورا أساسيا في “حرب الظل” هذه.
ومع إقراره بأن وكالته لا ترى حاليا أي مؤشر على خطط روسية لشن هجوم عسكري كبير على دولة عضو في الحلف الأطلسي، فقد حذر ياغر مما وصفها بـ”أنشطة عسكرية روسية محدودة قد تنفذ، وخصوصا في دول البلطيق”.
ألمانيا وإن كانت تبدو في الصدارة إلا أنها ليست وحدها في هذا الشأن، فالأمين العام لحلف الناتو مارك روته قال قبل أيام إن “الهجمات الروسية المتعددة الوسائل على دول الحلف لن تضعف دعمه لأوكرانيا”.
كما يستعد الناتو لإجراء مناورة عسكرية واسعة النطاق هذا الشهر تستهدف تحسين التعاون مع الجيش الأمريكي في أنحاء أوروبا وذلك بمشاركة نحو 2000 جندي.
وحسب الجنرال بالجيش الألماني بيورن شولتس، فإن هذه المناورات ستتضمن عمليات محاكاة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، لاختبار قدرة القوات المسلحة الغربية على التعاون بصورة أسرع وأكثر فاعلية عبر الحدود الوطنية في حال وقوع هجوم.
وتأتي المناورة في إطار “مبادرة الردع على الجناح الشرقي” التي أطلقت قبل نحو عامين لتحسين التنسيق وتعزيز القدرات القتالية على طول الجناح الشرقي لحلف الناتو.
وبالتوازي يواصل الاتحاد الأوروبي دعمه الاقتصادي لأوكرانيا حيث أعلن قبل أيام عن تسليمها 3.3 مليار دولار بهدف دعم الموازنة في ظل استمرار الحرب.
وكان قادة الاتحاد الأوروبي قد اتفقوا العام الماضي على دعم احتياجات أوكرانيا المالية والعسكرية بإجمالي 90 مليار يورو خلال عامي 2026 و2027، علما بأن الرئيس الأوكراني ألمح مؤخرا إلى أن بلاده تواجه عجزا جديدا في التمويل بقيمة 27 مليار دولار هذا العام، رغم المساعدات الدولية، ما أثار جدلا في بروكسل.
في الشهر الماضي، وافقت المفوضية الأوروبية على تقديم مساعدات مالية إضافية بقيمة 6.1 مليار يورو (7.12 مليار دولار) لأوكرانيا لشراء أنظمة دفاعية جديدة، تشمل أنظمة الدفاع الجوي والصواريخ والذخيرة وأجهزة الرادار.
وذكر الاتحاد الأوروبي أن هذه الحزمة من المساعدات تضاف إلى 16 مليار يورو من خطط الشراء المعتمدة سابقا، والتي تم صرف 8.35 مليار يورو منها بالفعل.
وينطلق الموقف الأوروبي من تصور مفاده أن نتيجة الحرب في أوكرانيا ستحدد شكل البيئة الأمنية الأوروبية لعقود مقبلة، وسبق للمجلس الأوروبي أن وصف الحرب بأنه تحد أمني وجودي للاتحاد.
محاذير أوروبية
الحديث فيما يخص الدعم الأوروبي لأوكرانيا يصل إلى أكثر من 220 مليار يورو منذ اندلاع الحرب، منها نحو 78 مليار مساعدات عسكرية.
وفي ظل الوضع الاقتصادي في أوروبا، أدى ذلك إلى تململ في عدة دول عبر مطالبات بأن يتم توجيه هذه الأموال الضخمة إلى تلبية احتياجات المواطنين خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والرعاية الصحية وغيرها.
في المقابل، تتمسك الحكومات بأن دعم أوكرانيا جزء من منظومة الأمن الأوروبي، وأن تكلفة الحرب لا يمكن فصلها عن تكلفة حماية القارة من توسع التهديد الروسي.
لكن المثير أن الأمر لا يتعلق بالمال فقط، حيث شهدت مدن ألمانية بينها برلين وشتوتغارت قبل أيام مظاهرات ترفض تعزيز القدرات العسكرية وما يرتبط به من احتمال فرض التجنيد الإلزامي.
هناك مخاوف أخرى تتعلق بالخشية من تراجع المخزونات العسكرية الأوروبية، فإنتاج صواريخ ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة، لا يمكن مضاعفته بين عشية وضحاها، خصوصا مع وجود حروب أخرى تستنزف المخزونات الأمريكية والأوروبية أيضا.
وهناك أيضا مخاوف حقيقية تتعلق بخطر التصعيد مع روسيا، فكل نقلة في نوعية السلاح ـ من المدفعية إلى الدبابات، ثم الطائرات والصواريخ بعيدة المدى ـ تثير سؤالا حول النقطة التي يمكن أن تعتبر فيها موسكو أن الدعم الغربي تحول إلى مشاركة مباشرة.
ولذلك، فبين الأخبار الكثيرة عن الدعم الأوروبي لأوكرانيا ستجدا تتعلق بحجب بعض الأسلحة عنها، ومن ذلك ما تحدث عن زيلينسكي أمس عقب مباحثاته مع ميرتس، حيث قال إن بلاده لا تزال تأمل في أن تزودها ألمانيا بصواريخ كروز من طراز تاوروس بعد سنوات من المطالبات دون استجابة.
وحسب وكالة الأنباء الألمانية، يمكن لهذه الصواريخ أن تضرب أهدافا بدقة عالية على مسافة تصل إلى 500 كيلومتر، وهي ذات قيمة خاصة لقدرتها على اختراق الأهداف المحصنة.
وتقدمت أوكرانيا بطلب رسمي للحصول على الصواريخ أواسط عام 2023، لكن المستشار الألماني السابق أولاف شولتز، رفض الطلب مبررا ذلك بالمخاوف من أن يؤدي توريد الأسلحة بعيدة المدى إلى تصعيد الحرب.
أوراق موسكو
ولإكمال الصورة ننتقل إلى الجانب الآخر، ونستعرض الأوراق التي تملكها روسيا التي أصدر رئيسها فلاديمير بوتين قبل أسبوع مرسوما رئاسيا يقضي بزيادة قوام الجيش الروسي بواقع 15500 جندي ليصل إلى 1.55 مليون جندي في الخدمة الفعلية.
وحسب وكالة رويترز، ستؤدي هذه الزيادة، التي تأتي عقب زيادة مماثلة تقررت الشهر الماضي، إلى رفع قوام الجيش إلى مليونين و441 ألفا و630 جنديا، منهم مليون و550 ألفا في الخدمة الفعلية.
وبعيدا عن التعداد، فإن روسيا تمتلك في الحقيقة مجموعة من الأوراق التي تجعل الرهان على انهيارها أمرا غير واقعي.
- تمتلك قاعدة بشرية وعسكرية وصناعية أكبر من أوكرانيا، وتمكنت من إعادة توجيه جزء كبير من اقتصادها نحو الإنتاج العسكري.
- طورت صناعة واسعة للصواريخ والمسيّرات والقنابل الموجهة، إلى جانب قدرتها على شن ضربات بعيدة المدى بصورة منتظمة.
- قرر بوتين في نهاية 2025 بزيادة إمدادات الأنواع الرئيسية من الأسلحة والمعدات والذخائر للقوات بنحو الثلث مقارنة بالعام السابق مع إعطاء أولوية لتطوير المسيّرات والحرب الإلكترونية والصواريخ.
- تمتلك روسيا الردع النووي، وهي الورقة الأخطر سياسيا حتى من دون استخدامها. وفي بداية الشهر الجاري جدد بوتين التحذير من أن موسكو قد تستخدم كل الوسائل المتاحة إذا تعرضت الأراضي الروسية، ومن بينها كالينينغراد، لتهديد تعتبره وجوديا.
- ما زالت صادرات الطاقة والالتفاف على العقوبات عبر ما يسمى «أسطول الظل» توفر موارد للاقتصاد الروسي، وهو ما يفسر تركيز الاتحاد الأوروبي على خفض الإيرادات النفطية وملاحقة السفن والشركات والمؤسسات المالية التي تساعد موسكو على تجاوز العقوبات.
- تستفيد روسيا من دعم خارجي. فالاتحاد الأوروبي يتهم كوريا الشمالية بتوفير قوات ومعدات، ويتحدث أيضا عن دعم عسكري من إيران وبيلاروسيا، وهو ما يساعد موسكو على إطالة أمد الحرب وتخفيف الضغط على بعض مخزوناتها.
- وأخيرا، تراهن موسكو على الزمن بأمل تآكل استعداد المجتمعات الغربية لدفع تكلفة الحرب، وتزايد الخلاف داخل المعسكر الغربي، سواء على صعيد السلطات أو تغير الأولويات في بعض الدول.
لكن هل هناك خطر حقيقي لمواجهة بين روسيا والناتو؟
الإجابة الأقرب إلى المعطيات الحالية هي بالنفي، فهي مخاطرة يريد الطرفان تجنبها، مع الاستعداد لها في الوقت نفسه.
هنا تجدر الإشارة إلى أن أوكرانيا ليست عضوا في الناتو، ولذلك لا تشملها المادة الخامسة ولا يوجد التزام تلقائي للحلف بإرسال قوات للقتال دفاعا عنها. والناتو نفسه يؤكد رسميا أنه ليس طرفا في الحرب مع روسيا.
وتتوقع مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية أن تتبع روسيا خطة للتصعيد تركز على توسيع حربها الهجينة بهدف إضعاف الدعم الأوروبي لأوكرانيا ورفع كلفة استمرار الحرب على الغرب.
وفي تقرير أعده الباحثان أندرياس أوملاند وليسيا بيدوتشكو، أشارا على نجاح أوكرانيا في تكثيف ضرباتها بالصواريخ والطائرات المسيرة في الأشهر الثلاثة الماضية، ما دفع روسيا إلى شن هجمات تستهدف الانتقام وإظهار الحزم والقدرة العسكرية.
ويشير الباحثان إلى أن فكرة تصعيد روسيا خارج نطاق أوكرانيا باتت موضوعا ساخنا في الفترة الأخيرة، لكنهما يعتقدان أن الامر لس مرجحا وأن البديل قد يكون مزيدا مما يعرف بالحرب الهجينة عبر الهجمات السبرانية والتشويش على نظام تحديد المواقع فضلا عن انتهاكات المجال الجوي وتوغلات الطائرات المسيرة.
لكن ذلك لا يلغي مسارات التصعيد المحتملة، وأخطرها مثلا أن يسقط صاروخ أو مسيرة روسية في إحدى دول الناتو ويؤدي ذلك إلى سقوط قتلى، أو أن تحدث مواجهة جوية أو بحرية ثم تتسع بسبب سوء تقدير من الطرفين.
وحتى في هذه الحالة لا تنص المادة الخامسة آليا على إعلان حرب شاملة؛ فهي تقول إن كل دولة ستتخذ ما تراه ضروريا، وقد يشمل ذلك استخدام القوة العسكرية.
وهنا تكمن مفارقة السياسة الأوروبية الحالية: فألمانيا وحلفاؤها يعتقدون أن زيادة القوة العسكرية والدعم لأوكرانيا هي الطريقة الأفضل لتجنب حرب مباشرة مع روسيا، بينما ترى موسكو أن توسع البنية العسكرية الأوروبية ودعم كييف يزيدان التهديد عليها.
وبين المنطقين تسير أوروبا على خط بالغ الدقة: فمن ناحية، تسليح أوكرانيا بما يكفي لمنع انتصار روسي، وبناء قوة عسكرية قادرة على ردع أي اعتداء على أراضي الناتو، وفي نفس الوقت إبقاء حاجز واضح قدر الإمكان بين دعم كييف وبين دخول قوات الحلف فعليا في الحرب.
أما عما قد يؤول إليه التصعيد الحالي، فهو يعتمد إلى حد بعيد على قدرة موسكو وكييف والعواصم الغربية على إبقاء الصراع تحت مستوى المواجهة المباشرة بين روسيا والناتو، بالتوازي مع دعم محاولات إنجاز تسوية تأخذ في الاعتبار هواجس روسيا وحاجة أوكرانيا إلى درجة مقبولة من الأمن.