روكب اليوم
2026-07-23 05:04:00
القضاء الأميركي يفتح الباب أمام مسؤولية الذكاء الاصطناعي
يبدو أن الحماس المفرط تجاه الذكاء الاصطناعي، والذي دفع سوق الأسهم إلى مستويات قياسية قبل شهر واحد فقط، بدأ يتلاشى، فقد كان قطاع تكنولوجيا المعلومات الأسوأ أداءً في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 الأسبوع الماضي، حيث انخفض بنسبة 1.6 بالمئة، بينما تراجع مؤشر ناسداك 100، الذي يضم شركات التكنولوجيا بشكل رئيسي بنسبة 4.1 بالمئة.
وكانت أسهم شركات أشباه الموصلات السبب الرئيسي في هذا التراجع، حيث انخفض مؤشر بورصة فيلادلفيا لأشباه الموصلات بأكثر من 10 بالمئة مسجلاً أسوأ أداء أسبوعي له منذ أبريل 2025.
وحتى شركة سبيس إكس لم تسلم من الخسائر، إذ هوت أسهمها بنسبة 15 بالمئة الأسبوع الماضي بعد انخفاضها بنسبة 10 بالمئة في الأسبوع الذي سبقه، لتفقد بذلك تريليون دولار من قيمتها السوقية منذ ذروتها.
وبالنسبة لمؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات، أو SOX، الذي يضم 30 شركة ذات صلة بالرقائق والذي ارتفع بنسبة 65 بالمئة بحلول عام 2026، فقد سجّل تراجعاً بنسبة 20 بالمئة منذ بلوغه مستوى قياسياً الشهر الماضي، ليصل إلى الحد الفني لدخول السوق الهابطة. كما ارتفعت تقلبات المؤشر بشكل حاد، فهو شهد خلال الأسابيع الأربعة الماضية تحركات تجاوزت 2 بالمئة في جميع الجلسات باستثناء جلستين.
ويبدو أن وول ستريت بدأت تتساءل عن استدامة مكاسب أسهم الذاكرة والتخزين، التي تهيمن على قائمة متصدري مؤشر ستاندرد آند بورز 500 هذا العام، حيث يؤدي الطلب المتزايد من مطوري مراكز البيانات إلى نقص في المعروض وارتفاع حاد في الأسعار. وقد انخفض سهم شركة سانديسك، صاحب أفضل أداء في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 لعام 2026، بنسبة 29 بالمئة الأسبوع الماضي، بينما انخفض سهم شركة مايكرون تكنولوجي، صاحب ثالث أفضل أداء، بنسبة 13 بالمئة.
الشكوك تتصاعد
وبحسب تقرير أعدته “بلومبرغ”، واطّلع عليه موقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، فإنه مع تزايد الشكوك حول مئات المليارات من الدولارات التي تُضخ في تطوير مراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، فإن المستثمرين سيدققون في تقارير أرباح الشركات الكبرى التي ستصدر ابتداءاً من هذا الأسبوع مع تسلا وألفابت، لتُستكمل عملية التدقيق مع مايكروسوفت وميتا بلاتفورمز وآبل، وأمازون في الأسبوع المقبل، وذلك بحثاً عن أدلة تُشير إلى أن استثمارات الذكاء الاصطناعي تُحقق عوائد أكبر.
وتُمثل أسهم هذه الشركات الست مجتمعةً ربع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 من حيث القيمة السوقية، في حين ستعلن شركة إنفيديا عن نتائج أعمالها في وقت لاحق من الشهر المقبل.
انخفاض في التقييمات
وبشكل عام، فقد انخفضت تقييمات عمالقة التكنولوجيا بنسبة كبيرة مؤخراً، حيث يُتداول مؤشر “بلومبيرغ ماغنيفيسنت 7” عند 24 ضعف الأرباح المتوقعة خلال الاثني عشر شهراً القادمة، مقارنة بانخفاض عن 33 ضعفاً في أكتوبر الماضي و29 ضعفاً في بداية 2026.
وفي مؤشر على تزايد حذر المستثمرين تجاه الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي، تبرز شركة آبل كحالة ملفتة، إذ فضّلت تجنّب ضخ استثمارات رأسمالية كبيرة في هذا المجال، واختارت بدلاً من ذلك التعاون مع مزودي خدمات الذكاء الاصطناعي لتشغيل خدماتها، وهو ما جعلها ضمن الأفضل أداءً بين الشركات السبع الكبرى هذا العام، محققةً مكاسب بنسبة 23 بالمئة.
دعوات لتوخي الحذر
وبحسب جيك سيلتز، مدير المحافظ في شركة “أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس”، فإن المستثمرين باتوا أكثر حذراً تجاه وتيرة الإنفاق الضخمة على الذكاء الاصطناعي، في ظل تنامي المخاوف من تشكّل فقاعة استثمارية، وهو ما يدفعهم للمطالبة برؤية نمو أسرع في الإيرادات يبرر هذه الاستثمارات الضخمة.
كما يرى تود أهلستين، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة “بارناسوس للاستثمارات”، أنه في المرحلة الراهنة تُثار الشكوك حول أرباح الشركات لدرجة أنه لا يُمكن وضع مُضاعف ربحية مرتفع على أسهمها، مشيراً إلى أن تركيز المستثمرين سيكون أكبر بكثير على هوامش الربح الإجمالية للحوسبة السحابية، والتسعير، ونوع إيرادات الذكاء الاصطناعي التي يتم توليدها لكل دولار من الحوسبة.
ويؤكد أهلستين أنه يجب توخي الحذر فبعض الأسهم، وخصوصاً في قطاع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تبدو وكأنها وصلت إلى ذروتها.
بدوره ينقل تقرير “بلومبرغ” عن بروك كامبل، رئيس قسم الأبحاث في شركة بي إن واي “إنفستمنتس نيوتن”، قوله إن العالم يمرّ بفترة من القلق المتزايد في السوق، إذ يدور النقاش الرئيسي حول مدة وحجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.
نظرة متفائلة
في الجهة المقابلة، ورغم جميع المخاوف بشأن النفقات الضخمة على الذكاء الاصطناعي، يراهن “سيلتز” من شركة “أولسبرينغ” على أن الإنفاق على هذه المشاريع سينمو باستمرار، حيث يتجاوز الطلب على خدمات الحوسبة السحابية العرض، مما يدعم نمو الإيرادات لشركات التكنولوجيا العملاقة، وهذا ما يدفع أسهم البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى الارتفاع، مشيراً إلى أنه ليس من النادر أن نشهد انخفاضاً في أسعار بعض هذه الأسهم على مدى أسابيع أو أشهر ثم تعود للارتفاع.
ويرى سيلتز أنه على المستثمرين استغلال أي تراجع كفرصة لزيادة الاستثمارات في هذا المجال، متوقعاً أن يشهد العالم عامين آخرين من العوائد المرتفعة، إلا أن هذا لا يمنع من أن تشهد السوق تقلبات من حين لآخر تُثير قلق المستثمرين.
فترة حساسة جداً
ويقول كبير محلّلي الأسواق المالية في “إف إكس برو” ميشال صليبي، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن وول ستريت دخلت رسمياً في أكثر الفترات حساسية، حيث تحولت السوق من حالة “الرهان على التوقعات” إلى حالة “المحاكمة بناءً على البيانات”، مشيراً إلى أنه في المرحلة المقبلة لن نشهد اتجاهاً واحداً صريحاً في السوق، بل سنكون أمام موجات من التقلبات اليومية بين صعود وهبوط،، حيث قد نشهد ارتفاعاً بقوة في جلسة، ثم هبوطاً مفاجئاً في الجلسة التالية مباشرة.
ويشرح صليبي أن سبب هذا التذبذب يعود إلى أن الأسواق باتت تعمل تحت ضغط شديد، فأي إشارة صغيرة أو معلومة دقيقة تخرج في تقارير نتائج الشركات المرتقبة، سواء كانت تتعلق بهوامش الأرباح الإجمالية أو النفقات الرأسمالية المستقبلية أو حتى تصريحات الإدارة التنفيذية، ستكون كفيلة بتحريك الأسهم صعوداً أو نزولاً، لافتاً إلى أنه في هذه البيئة لا يوجد مجال للخطأ، فالأرقام الإيجابية غير الكافية ستُعامل وكأنها أرقام سلبية، كما أن الشركات التي ستفشل في تقديم دلائل ملموسة على عوائد الذكاء الاصطناعي ستتلقى عقاباً سريعاً من المستثمرين.
سيولة حذرة
وبحسب صليبي فإن هذا النمط السلوكي يؤكد أمرين أساسيين، أولاً أن السيولة المحركة للسوق أصبحت حذرة وقصيرة الأجل وتسعى لحماية أرباحها، وثانياً أن القيمة السوقية الضخمة لقطاع التكنولوجيا أصبحت تتطلب ضخ معلومات إيجابية متواصلة للحفاظ على مستوياتها السعرية، مشيراً إلى أنه على المستثمرين الاستعداد لجولات متتالية من التقلبات اليومية، حيث ستكون نتائج كل شركة بمثابة هزة موضعية تعيد رسم اتجاه السوق لحظياً، وهذا يعني أن الأسواق ستظل تدور في حلقة من “الحساسية المفرطة”، حيث سيتعامل المستثمرون مع كل مؤتمر صحفي لنتائج الشركات وكأنه استفتاء مباشر على مستقبل القطاع بأكمله.
خيارين أمام المستثمرين
ويتوقع صليبي أن نرى ظاهرة غريبة في وول ستريت تتلخص في أن أسهم بعض الشركات التكنولوجية قد تقفز 5 بالمئة أو حتى 10 بالمئة في التداول بعد إغلاق الجلسة بناءً على خبر إيجابي، لتخسر كل هذه المكاسب في الجلسة التالية لمجرد ظهور تفصيل صغير في هامش الربح أو تباطؤ النمو، لافتاً إلى أن هذا المشهد سيضع المستثمر أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما تحمّل هذه التقلبات اليومية كضريبة طبيعية لهذه المرحلة الانتقالية، أو إعادة التحوط وتخفيف مراكز التداول لحين اتضاح الرؤية النهائية لأرباح الفصل الحالي وسلوك السيولة المؤسسية.
مرحلة جديدة في وول ستريت
من جهته يقول المحلل والكاتب الاقتصادي جوزيف فرح، في حديث لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية”، إن السوق تمر حالياً بمرحلة انتقالية طبيعية، فخلال العامين الماضيين كان المستثمرون يركزون بصورة شبه كاملة على حجم الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي باعتباره مؤشراً على النمو المستقبلي، أما اليوم فقد انتقلت الأولوية إلى سؤال مختلف تماماً، وهو مدى قدرة هذا الإنفاق على التحول إلى إيرادات وأرباح مستدامة، لافتاً إلى أن هذا التحول لا يعني تراجع الثقة بالذكاء الاصطناعي، بقدر ما يعكس ارتفاع مستوى التدقيق الذي تفرضه الأسواق عندما تصبح التقييمات مرتفعة إلى هذا الحد.
ويضيف فرح إن شركات التكنولوجيا الكبرى دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، إذ أصبحت مطالبة بإثبات أن دورة الاستثمار الحالية ستنعكس تدريجياً على هوامش الربح، وليس فقط على نمو الإيرادات، لأن المستثمرين يدركون أن استمرار الإنفاق الرأسمالي بالمستويات الحالية لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية دون ظهور نتائج مالية واضحة، ولذلك فإن أي تباطؤ في وتيرة تحقيق العوائد وحتى لو كان مؤقتاً، قد يدفع الأسواق إلى إعادة تقييم الشركات بصورة أكثر تحفظاً.
التفاؤل أصبح مشروطاً
ويشير فرح إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في نتائج ربع مالي واحد، وإنما في قدرة الإدارات التنفيذية على إقناع المستثمرين بأن الطلب على خدمات الذكاء الاصطناعي سيظل قوياً لسنوات، وأن الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والرقائق لن تتحول إلى طاقات إنتاجية تفوق احتياجات السوق، فالتاريخ يظهر أن كل دورة استثمارية كبرى تمر بمرحلة يسبق فيها الإنفاق العوائد، ولكن الفارق بين النجاح والفشل يكمن في طول هذه المرحلة ومدى قدرة الشركات على تمويلها دون التأثير في ربحيتها.
ويؤكد فرح أن الأسواق قد تشهد خلال الأشهر المقبلة قدراً أكبر من الانتقائية بين الشركات، بحيث لن يتحرك القطاع بأكمله في الاتجاه نفسه كما حدث خلال موجة الصعود السابقة، بل سيبدأ المستثمرون بالتمييز بين الشركات القادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى مصدر أرباح واضح، وتلك التي لا تزال تعتمد على الوعود المستقبلية، مشدداً على أن التفاؤل تجاه الذكاء الاصطناعي لم ينتهِ، لكنه أصبح أكثر واقعية، وهذا بحد ذاته قد يعني فترة أطول من التقلبات، وذلك إلى أن تتضح الصورة بشأن العائد الاقتصادي الحقيقي لهذه الاستثمارات.
95 % من الدراما القصيرة في الصين مولدة بالذكاء الاصطناعي