“لولاه لخسرنا”.. هكذا حرس محمد الزرع والضرع حين غاب الجنوبيون في لبنان |


روكب اليوم

جنوب لبنان- بين خطوط الريّ المتشابكة في أحد حقول بلدة حومين الفوقا، يتسلل الماء ببطء إلى الجذور، فيما ينحني محمد شريم ليتأكد من أن الأرض نالت نصيبها. يزيح بيده أعشابا يابسة عن جذع زيتونة، ثم يواصل السير بين الأشجار التي يعرفها شجرة شجرة، كأن لكل واحدة منها اسما وذاكرة.

يرفع رأسه نحو السماء بين الحين والآخر، في ترقب معتاد لاتجاه طائرات مسيّرة، قبل أن يعود إلى عمله في صمت، كأن شيئا لم يكن.

الطريق المؤدية إلى الحقول ما زالت تحمل آثار الغارات: حفر عميقة في الإسفلت، أكوام حجارة متناثرة، وجدران مثقوبة بالشظايا، لكن الأشجار التي نجت من القصف بقيت واقفة، تنتظر من يسقيها بعدما غاب أصحابها قسرا تحت وطأة الحرب والنزوح.

اختار شريم البقاء، لم يغادر أرضه ولا منزله، وتمسّك بموسمه الزراعي رغم القصف وتراجع الحركة في القرى. يزرع البطاطس والبصل والبندورة والخيار، في موسم يقول إنه كان هدفا مباشرا للحرمان والشلل الذي أصاب جنوب لبنان على يد إسرائيل.

لم يقتصر عمله على إنتاج المحاصيل، بل امتد ليصبح محاولة لإبقاء الحياة ممكنة داخل البلدة. فمع إغلاق المتاجر وصعوبة الوصول إلى الحقول، وجد نفسه يؤمّن ما يمكن من غذاء لمن بقي، في بيئة تتآكل فيها تفاصيل الحياة اليومية.

بالنسبة إليه، الأرض ليست مجرد ملكية زراعية، هي إرث ممتد عبر الأجيال؛ ورثها عن والده، كما ورثها والده عن الجد، ويريد أن يسلّمها لابنه كما استلمها، لذلك يتحدث عنها كعلاقة متبادلة لا تنفصل فيها الذاكرة عن التراب، والكرامة عن الزراعة.

واصل محمد العناية بالمزروعات رغم القصف متمسكا بالأرض كجزء من حياته (الجزيرة)

صلة وصل

ومع اتساع موجات النزوح، تحوّل هاتف محمد إلى صلة الوصل الوحيدة بين أصحاب الأراضي وحقولهم، كانت الاتصالات تأتيه من قرى قريبة، ومن مدن لبنانية بعيدة، وأحيانا من خارج البلاد. لم تكن الأسئلة تبدأ بالبيوت، بل بالأشجار: زيتونة تحتاج إلى الماء، وشجرة ليمون بدأت تذبل، وخزان يجب فتحه، وآخر يُغلق، وشبكة ريّ تحتاج إلى من يتأكد من استمرار عملها.

كان يدرك أن تلك التفاصيل الصغيرة ليست مجرد زراعة، بل حياة كاملة امتدت لعقود. فالشجرة التي يعتني بها 20 عاماً لا تُعامل كشيء جامد بل كجزء من ذاكرة أصحابها.

لذلك، كلما خفّ القصف نسبياً، حمل خراطيم المياه أو مفاتيح الخزانات، وسلك طرقاً قد تتحول في أي لحظة إلى مسار خطر بفعل الطائرات المسيّرة. ورغم التحذيرات المتكررة من أصحاب الأراضي بعدم المجازفة، كان يعتبر أن ترك الأشجار عطشى ليس خياراً.

تضرر نحو 1380 هكتارًا من الأراضي الزراعية والبساتين التي تحتاج إلى أعمال تأهيل (الجزيرة)

 

لم تكن الحقول متجاورة، بل موزعة على أطراف البلدة، وبعضها في مناطق مكشوفة يصعب الوصول إليها. كان يتنقل بينها، يتفقد شبكات الري، ويضمن وصول المياه إلى الجذور، ثم يغادر سريعا قبل أن يتبدل هدوء السماء.

ولم تقتصر مسؤوليته على المزروعات فقط. فمع نزوح الأهالي، تُركت مواشٍ ودواجن خلفهم، بينما ارتفعت أسعار الأعلاف واختفت أحيانا من الأسواق. وبين الماء والطعام، تحولت أيامه إلى محاولة مستمرة لمنع انهيار ما تبقى من دورة الحياة في البلدة.

تولّى محمد رعاية المواشي التي تركت خلال الحرب حتى عودة أصحابها (الجزيرة)

الأرض التي لم تغب

بعد أشهر من الغياب، عاد بعض أصحاب الأراضي. وكانت المفاجأة الأولى أن الأشجار ما زالت واقفة.

قبل أن يغادر الحقل في نهاية يومه، يغلق محمد صمام المياه الأخير، ثم يربت بكفه على جذع زيتونة معمّرة. ينحني ببطء، يلتقط حفنة من التراب، يقربها من وجهه كأنه يستعيد رائحة يعرفها منذ الطفولة. تتسرب الحبات بين أصابعه، بينما تبقى عيناه معلقتين بالأرض التي لم تغادره يومًا.

واصل محمد العناية بالمزروعات رغم القصف وصعوبة الوصول متمسكا بالأرض (الجزيرة)

 

يقول أبو حسن للجزيرة نت، وهو يتفقد بستانه بعد عودته: “كنت أظن أنني سأجد الأشجار يابسة، لكن محمد لم يحفظ الأرض فقط بل حفظ تعب عمر كامل، لولاه لكنا خسرنا سنوات في موسم واحد”.

أما أم علي، التي نزحت تحت القصف، فتقول للجزيرة نت إن أكثر ما كان يؤلمها هو التفكير بما تركته خلفها من أشجار الليمون والورد حول منزلها، مضيفة أن معرفة أن أحدا كان يتفقدها منحها شيئا من الطمأنينة، “كأن جزءًا من حياتنا ظلّ هنا ينتظرنا”.

وتختصر حكاية شريم مشهدا أوسع لما أصاب الزراعة في جنوب لبنان خلال الحرب. فالقصف، وصعوبة الوصول إلى الحقول، وتأخر الري وجني المحاصيل، لم يضر بمواسم الأفراد فقط، بل امتد ليصيب القطاع الزراعي في مساحات واسعة.

وصلت المساحة الزراعية المتأثرة إلى نحو 56 ألفًا و320 هكتارًا (الجزيرة)

وتشير تقديرات وزارة الزراعة اللبنانية، بالتعاون مع المجلس الوطني للبحوث العلمية، إلى أن قيمة الأضرار المباشرة بلغت نحو 41.2 مليون دولار، شملت تضرر نحو 1380 هكتاراً من الأراضي الزراعية والبساتين، والحاجة إلى إعادة تأهيلها، إضافة إلى تدمير منشآت ومعدات زراعية أساسية.

كما تكشف التقديرات أن الخسائر لم تتوقف عند البنية الزراعية، إذ طالت الإنتاج نفسه، مع تراجع النشاط أو توقفه في مساحات شاسعة، ما أدى إلى تأثر نحو 56 ألفاً و320 هكتاراً.

وقدّرت القيمة الاقتصادية لخسائر الإنتاج بنحو 530.5 مليون دولار، نتيجة تراجع الإنتاجية، وتعطل العمليات الزراعية، وارتفاع كلفة الإنتاج، وصعوبة الوصول إلى الأسواق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks