مضيق هرمز يضع صناعة الكيماويات أمام أخطر أزماتها : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-06-08 10:46:00

1698430

يمثّل إغلاق مضيق هرمز واحدة من أخطر الأزمات التي واجهتها صناعة الكيماويات العالمية، ليس بسبب اضطراب الإمدادات على المدى القصير، بل لأنه يسرّع تحولات هيكلية كانت الصناعة تعانيها بالفعل منذ سنوات.

ومع التصعيد الأخير في الحرب وضرب إسرائيل مجمعاً للبتروكيماويات جنوب غربي إيران، يمكن أن تتفاقم هذه الأزمة إلى مستويات أكبر من هذا.
ويقول تحليل مطول لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة إنه بالنسبة لمنتجي الكيماويات حول العالم، فإن الوضع الحالي يفرض مخاطر وجودية على المديين القريب والبعيد.

وقبل اندلاع الأزمة الحالية، كانت صناعة الكيماويات تعاني بالفعل فترة طويلة من فائض المعروض غير المسبوق، إذ تزامنت سنوات من التوسعات الكبيرة في الطاقات الإنتاجية، خصوصاً في الصين، مع تباطؤ نمو الطلب، وضعف الأوضاع الاقتصادية الكلية، وارتفاع تكاليف الطاقة.

صناعة مثقلة بفائض هيكلي في المعروض

قبل تعطل حركة التجارة عبر مضيق هرمز، كانت معدلات استغلال الطاقات الإنتاجية في مختلف المناطق الرئيسية حول العالم تتراجع بشكل مستمر خلال السنوات الأخيرة، مع تشغيل العديد من المصانع عند مستويات تقترب من نقطة التعادل المالي أو تقل عنها.

وقد نتج هذا الوضع عن مزيج من الاستثمارات الرأسمالية القياسية ونمو الطلب الذي جاء أقل من التوقعات بصورة متواصلة.

وتبدو الأزمة الحالية مرشحة بشكل شبه مؤكد إلى تفاقم هذا الخلل بصورة ملموسة فمع احتمالات تراجع الطلب خلال عام 2026 وضعف البيئة الاقتصادية العالمية، تزداد التوقعات سوءاً بالنسبة لمعدلات تشغيل المصانع، وفقاً لمعهد أكسفورد لدراسات الطاقة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن التوقعات السابقة للأزمة كانت تشير بالفعل إلى مزيد من التراجع في معدلات تشغيل صناعة الكيماويات عالمياً، لتصل إلى مستويات متدنية غير مسبوقة خلال عامي 2027 و2028.

ضربة مزدوجة لصناعة الكيماويات عالمياً

تكمن خطورة أزمة مضيق هرمز في أنها تضرب القطاع من جهتين في وقت واحد، إذ إن إمدادات المواد الخام للصناعة مثل النفط الخام وغاز البترول المسال معطلة بسبب إغلاق المضيق، أمّا الجهة الأخرى فهي توقف صادرات المنتجات الكيماوية القادمة من الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية.

ويقول أكسفورد لدراسات الطاقة إن الشرق الأوسط يعد مورداً رئيسياً للمواد الخام الكيماوية لآسيا، كما يمثّل مصدراً مهماً لمنتجات مثل البولي أوليفينات والميثانول والأمونيا واليوريا والإيثيلين.

وتسبب تعطل هذه التدفقات في إحداث خلل فوري في توازن الأسواق العالمية.

ويصف التحليل آسيا بأنها مركز الأزمة نظراً لاعتمادها الكبير على واردات النفط والنافثا وغاز البترول المسال من الشرق الأوسط، إذ إن نحو 85% من صادرات النفط الخام الشرق أوسطية تتجه إلى آسيا، كما أن جميع صادرات النافثا وغاز البترول المسال من المنطقة يذهب إلى الأسواق الآسيوية.

وواجهت مصانع البتروكيماويات الآسيوية نقصاً حاداً في المواد الخام وتأخيرات لوجستية وتدهوراً في هوامش الربحية.

ويشير التقرير إلى أن نحو 45% من طاقات إنتاج الإيثيلين في آسيا خارج الصين كانت متوقفة خلال الأسابيع الأولى من الأزمة، وأن أكثر من نصف هذه التوقفات ارتبط مباشرة بالحرب وتعطل الإمدادات.

خفض كبير في المعروض العالمي

يُقدر معهد أكسفورد للطاقة أن نحو 20% من إمدادات العالمية أصبحت خارج السوق بسبب تعطل تدفقات المواد الخام والصادرات الكيماوية عبر مضيق هرمز.

ويتوقع أن تتفاقم الأزمة كلما طال أمدها، إذ ستفضّل المصافي توجيه النافثا وغاز البترول المسال لإنتاج الوقود بدلاً من استخدامها في الصناعات الكيماوية، ما يزيد الضغوط على القطاع.

يشير التقرير إلى أن الأسواق العالمية لا تمتلك بدائل كافية لتعويض الإمدادات المفقودة.

وتبرز أميركا كأهم مصدر بديل بفضل اعتمادها على الإيثان المحلي، لكنها لا تمتلك سوى طاقات فائضة محدودة تعادل نحو 1.5% فقط من الإمدادات العالمية للإيثيلين.

أما في آسيا، فالمشكلة أكثر حدة لأن العديد من المصانع تحتفظ بمخزونات تكفي أسبوعين أو 3 أسابيع من النافثا، ومع استنزاف هذه المخزونات بدأت الضغوط التشغيلية تتزايد بصورة كبيرة.

آثار طويلة الأجل على الطلب العالمي

يتوقع التقرير أن يؤدي استمرار الأزمة إلى تدمير جزء من الطلب العالمي على المنتجات الكيماوية خلال 2026.

وتقدر الخسائر المحتملة في الطلب على الإيثيلين بما يتراوح بين مليوني طن و20 مليون طن، أي انخفاض يتراوح بين 1% و10% مقارنة بالتوقعات السابقة التي كانت تشير إلى نمو بنحو 2%.

ويشير التقرير إلى أن تراجع الطلب بهذا الحجم نادر تاريخياً، إذ لم يشهد العالم انخفاضاً سنوياً في الطلب على الإيثيلين منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.

قبل الأزمة كان القطاع يحتاج بالفعل إلى إغلاق أكثر من 20 مليون طن من طاقات إنتاج الإيثيلين بحلول 2030 لتحقيق التوازن بين العرض والطلب، أما بعد الأزمة، فقد تتجاوز الحاجة إلى الإغلاقات 30 مليون طن من الطاقات الإنتاجية العالمية إذا تحقق سيناريو تراجع الطلب.

ويتوقع التقرير أن تتركز الإغلاقات المستقبلية في المناطق الأعلى تكلفة، وعلى رأسها أوروبا وبعض الدول الآسيوية، حيث تصبح القدرة التنافسية أضعف مقارنة بالولايات المتحدة والشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks