من الابتكار إلى الحظر.. كيف تحوّل نموذج «أنثروبيك» إلى أزمة سياسية؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-06-21 17:47:00

1699437

في غضون أيام قليلة من إطلاقه، سُحب بشكل مفاجئ نموذج الذكاء الاصطناعي العام الأكثر تطوراً لشركة “أنثروبيك” من أيدي العملاء.
وصفت إدارة ترامب النموذج بأنه يشكل خطراً على الأمن القومي بعد إخطارها بوجود ثغرة «كسر حماية»، وهي وسيلة للالتفاف على الحواجز الأمنية الداخلية للنموذج، وبناءً على ذلك فرضت الحكومة حظراً على تصدير النموذج، ما منع بعض موظفي شركة «أنثروبيك» أنفسهم من استخدامه.

ومع ذلك، تقول شركة أنثروبيك إن الثغرة الأمنية لا تستدعي رد فعل قوياً كهذا.

وتُسلط هذه الرؤى المتباينة الضوء على الحالة المربكة التي يمر بها تنظيم الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة؛ حيث يرى الخبراء أن الحكومة يجب أن تشارك في الحوارات المتعلقة بسلامة الذكاء الاصطناعي، لا سيما تلك التي تؤثر على الأمن القومي، لكن الخلاف الأخير بين أنثروبيك والحكومة كشف عن مخاوف أوسع نطاقاً: وهي غياب إطار عمل شفاف ومستقر لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وهي نتيجة قد تؤدي إلى خنق هذا القطاع في الولايات المتحدة.


وكانت شركة أنثروبيك –وهي مختبر الذكاء الاصطناعي الصاعد بقوة بقيمة تقترب من تريليون دولار والمهيأة لطرح أسهمها للاكتتاب العام– في قلب هذه التوترات.

ويأتي الإجراء الحكومي الأخير بعد أن اختلفت شركة الذكاء الاصطناعي مع البنتاغون بشأن التعديلات المطلوبة على الحواجز الأمنية لأنظمتها للاستخدام العسكري؛ ما دفع وزارة الدفاع إلى إدراج أنثروبيك في القائمة السوداء وتصنيفها كـ«خطر على سلاسل الإمداد»، بعد ذلك أثار أحدث نماذجها للذكاء الاصطناعي، «ميثوس» (Mythos)، مخاوف واسعة النطاق في مجال الأمن السيبراني لأن الشركة صرحت بأنه بارع للغاية في اكتشاف الثغرات الأمنية. ولم تطرح أنثروبيك النسخة الكاملة من «ميثوس» إلا لمجموعة مختارة من الشركاء قبل إطلاق نسخة عامة مزودة بحواجز حماية تسمى «فايبل 5» (Fable 5) في 9 يونيو الجاري.

والآن، تقول إدارة ترامب إن بعض حواجز الحماية تلك قد فشلت، ما قد يسمح لقراصنة الإنترنت بإضافة أداة فائقة القدرة إلى ترسانتهم، وامتثالاً للتوجيهات الحكومية، حظرت أنثروبيك جميع أشكال الوصول إلى نموذجي «ميثوس» و«فايبل» في وقت سابق من هذا الشهر.
ودفع ذلك بعض الخبراء إلى المطالبة بآلية أكثر وضوحاً لكيفية اتخاذ الحكومة لقرارات الأمن السيبراني، وإلا فإن أميركا تخاطر بالتراجع في سباق تسلح الذكاء الاصطناعي العالمي.

وكتبت جيسيكا تيليبمان، العميد المساعد لقانون المشتريات الحكومية في جامعة جورج واشنطن، في مقال لها:

«المشكلة لا تكمن في ممارسة الحكومة لسلطتها التقديرية، فالأمن القومي يتطلب مثل هذه المرونة، ولكن الأمر الصادم هو الغياب التام لأي إجراءات واضحة ومنطقية».

وتعقد شركة أنثروبيك والإدارة الأميركية اجتماعات لمحاولة حل هذه الأزمة؛ حيث صرح ترامب في قمة مجموعة السبع يوم الأربعاء الماضي بأن المفاوضات مع أنثروبيك «تسير على ما يرام»، كما قال ترامب في مقابلة مع موقع «أكسيوس» نُشرت يوم الجمعة إنه لم يعد يرى الشركة كتهديد للأمن القومي، معلقاً: «حسناً، ليس الآن، ولكن ربما قبل أسبوع نعم».

أين يقف تنظيم الذكاء الاصطناعي اليوم؟

تبنت إدارة ترامب نهجاً مخففاً تجاه تنظيم الذكاء الاصطناعي حتى الآن، آملة في تشجيع ابتكارات الذكاء الاصطناعي لضمان تفوق الولايات المتحدة على خصومها مثل الصين.

وقد ألغت الإدارة السياسات التي فرضت في عهد بايدن، مثل الحدود الإلزامية للإبلاغ عن السلامة، واستبدلتها بأطر عمل طوعية وتفضيل القوانين المحلية للولايات، وفي مارس الماضي أصدر ترامب إطار سياسة وطنياً للذكاء الاصطناعي، يمثل مخططاً ومجموعة من التوصيات للكونغرس لتطوير سياسات الذكاء الاصطناعي، لكن الخطة المقترحة تشير إلى أنه لا ينبغي للكونغرس تنظيم الذكاء الاصطناعي عبر هيئة تشريعية واحدة، بل عبر كيانات تنظيمية متخصصة بكل قطاع، كما تؤكد ضرورة فهم وكالات الأمن القومي لنماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة ومخاطر السلامة المحتملة لها.

وكانت الإدارة قد أصدرت أمراً تنفيذياً في وقت سابق من هذا الشهر يطلب من شركات الذكاء الاصطناعي مشاركة نماذجها الأكثر تقدماً بشكل طوعي مع الحكومة للفحص السيبراني قبل إطلاقها للعامة، لكن حتى هذا الأمر تأجل في اللحظات الأخيرة بعد أن أعرب ترامب عن قلقه من أن يعوق ذلك الابتكار الأميركي في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، أقرت بعض الولايات قوانينها الخاصة ورفعت دعاوى قضائية ضد شركات ذكاء اصطناعي بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة، فعلى سبيل المثال أصدرت كاليفورنيا قانوناً يلزم الشركات بوضع أطر عمل للمخاطر، والإبلاغ عن مشكلات السلامة وحماية المبلغين عن المخالفات، كما فتحت ولاية فلوريدا تحقيقاً جنائياً ضد شركة «أوبن إيه آي» وتلاحقها قضائياً؛ حيث تزعم الولاية أن الشركة ألحقت الضرر بالأطفال والمستهلكين، وأن منصة «تشات جي بي تي» ربما تكون قد ساعدت وحرضت على حادث إطلاق النار الجماعي في جامعة ولاية فلوريدا العام الماضي، وقد رفضت «أوبن إيه آي» هذه الاتهامات مؤكدة أنها تتعامل مع السلامة بجدية عبر العديد من مبادرات وحواجز الحماية.

وقال براد كارسون، رئيس منظمة «Public First»، وهي لجنة عمل سياسي مؤيدة لسلامة الذكاء الاصطناعي من الحزبين:

«في الوقت الحالي، نحن نواجه نهجاً عشوائياً، وشخصياً، وغامضاً، وقد يفتقر إلى الشرعية القانونية، في حين يجب على الحكومة المساعدة في وضع بروتوكولات سلامة بطريقة متسقة وعادلة وواضحة».

“أنثروبيك” في عين العاصفة

ذكرت شركة أنثروبيك في بيان لها يوم 12 يونيو أن الحكومة لم تمنحها تفاصيل محددة بشأن المخاوف الأمنية التي أدت إلى حظر تصدير نموذجي «Fable 5» و«Mythos 5»، وصرح مصدر مقرب من الشركة لشبكة روكب اليوم بأنه تم منح أنثروبيك مهلة 90 دقيقة فقط لسحب نماذجها.

ويوم الاثنين الماضي، وقع العشرات من باحثي الأمن السيبراني ورواد أعمال الذكاء الاصطناعي والمديرين التنفيذيين رسالة مفتوحة تنتقد الإجراءات الحكومية، وحثوا إدارة ترامب على الالتزام بـ«عملية مفتوحة وعلمية وشفافة للتعامل مع تقييمات مخاطر الذكاء الاصطناعي في المستقبل».

علاوة على ذلك، أشاروا إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة يمكن استخدامها أيضاً من قبل جهات تعمل بحسن نية لحماية الأنظمة؛ وكتبوا في الرسالة:

«إن حجب أفضل القدرات عن المدافعين السيبرانيين دون سبب وجيه، في وقت يتقدم فيه خصومنا بسرعة، هو أمر خطير».

كما شكك البعض في مدى خطورة ثغرة كسر الحماية، والتي أفاد مصدر مطلع بأن شركة «أمازون» كانت أول من أبلغ الحكومة بها، وقالت أنثروبيك إن الثغرات طفيفة ويمكن العثور عليها أيضاً في نماذج الشركات الأخرى.

وأعرب العديد من باحثي سلامة الذكاء الاصطناعي، ومن بينهم أليكس ستاموس (رئيس الأمن السابق في فيسبوك)، عن اطلاعهم على الأبحاث الكامنة وراء القرار الحكومي وعدم اتفاقهم مع هذا التقييم؛ حيث كتب ستاموس على منصة إكس:

«كانت هناك بعض النتائج الصحيحة، لكن لا توجد قدرات فريدة تبرر رد فعل يقترب من هذا الحجم».

في المقابل، رد ديفيد ساكس، مستشار ترامب والمسؤول السابق عن ملف الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، على فكرة أن الثغرة ليست خطيرة، كاتباً على منصة إكس:

«من الصعب استيعاب كيف يمكنهم الادعاء بأن ثغرة كسر حماية تسمح بتشغيل سلاح سيبراني يمكن تصنيفها على أنها ليست ‘خطيرة’».

ويخشى البعض من أن تشكل إجراءات الإدارة مع أنثروبيك سابقة أوسع نطاقاً؛ حيث كتبت تيليبمان:

«الضرر لن يتوقف عند شركة واحدة، فالإدارة التي تحكم بهذه الطريقة لن تتجنب التنظيم الصارم الذي تخشاه؛ بل إنها تخلق الظروف المهيأة لكارثة أو سوء استغلال، وهو ما يفضي تماماً إلى تلك النتيجة في كل دورة وثقتها تاريخياً».

(هاداس غولد روكب اليوم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks