روكب اليوم
Published On 21/7/2026
تتزايد المؤشرات على تنامي القلق داخل معسكر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، في وقت يعترف فيه جمهوريون بصعوبة الحفاظ على الأغلبية بحيث بدأ الحزب يتجه لتحويل ذلك الاقتراع المفصلي إلى “انتخابات كراهية”.
وبعد نحو عامين من عودة الرئيس ترمب إلى السلطة، بدأت ملامح تحول لافت تظهر داخل المعسكر الجمهوري، إذ حلّ القلق تدريجيا محل أجواء الثقة التي رافقت انطلاق الولاية الثانية، بينما تتزايد المخاوف من فقدان الحزب الجمهوري أغلبيته، في ظل تراجع شعبية الرئيس وتصاعد الانقسامات داخل تحالف “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا” (ماغا).
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listوتجمع تقارير وتحليلات نشرتها منابر إعلامية أمريكية على أن حالة من “اليأس الصامت” بدأت تتسلل إلى قواعد ماغا، بالتزامن مع تراجع التأييد الشعبي للحزب الجمهوري، واتساع الخلافات بين ترمب وعدد من أبرز حلفائه، فضلا عن تنامي القلق من تداعيات الحرب على إيران وارتفاع أسعار الوقود واستمرار الضغوط الاقتصادية.
وترى الكاتبة سالي كوين في مقال بنيويورك تايمز أن المزاج السياسي في واشنطن تغير بصورة ملحوظة مقارنة بالأشهر الأولى من الولاية الثانية لترمب. فبعدما كان أنصاره يحتفلون بـ”ثورة ماغا” التي اجتاحت العاصمة، أصبح كثير منهم، بحسب وصفها، يشعرون بالإحباط والخوف من المستقبل.
قلق وخلافات
وتقول كوين إن الجمهوريين أصبحوا اليوم يتساءلون عن جدوى السياسات الحالية، خصوصا مع استمرار الحرب على إيران، وتراجع مكانة أمريكا الدولية، وارتفاع أسعار البنزين، وهي قضايا بدأت تثير تململا حتى بين أنصار مشروع ترمب.
ولا يقتصر التحول على المزاج الشعبي، بل يمتد إلى أروقة الحزب الجمهوري نفسه. فبحسب الكاتبة، بدأ عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين يبتعدون تدريجيا عن الدفاع العلني عن الرئيس، في ظاهرة “كونغرس الزومبي”، حيث يتجنب كثير من النواب الدخول في مواجهة مباشرة مع ترمب، لكنهم في الوقت نفسه لم يعودوا مستعدين لتحمل كلفة الدفاع عن سياساته قبل أشهر من الانتخابات.
كما تشير نيويورك تايمز إلى اتساع دائرة الخلافات بين ترمب وعدد من الشخصيات المحافظة المؤثرة، مثل تاكر كارلسون وميغن كيلي وكانديس أوينز وأليكس جونز وآن كولتر، إضافة إلى النائبة السابقة مارجوري تايلور غرين، وهو ما يعكس تصدعا داخل التحالف الذي شكّل العمود الفقري لحركة ماغا خلال السنوات الماضية.
تفكك وكراهية
وفي هذا السياق، يعيش الحزب الجمهوري حالة من التفكك، وسط اتهامات لترمب بـ”التخلص من حلفائه” كلما أصبحوا عبئا سياسيا، واعتراف كثير من الجمهوريين بأن الانتخابات المقبلة ستكون الأصعب منذ عودة ترمب إلى السلطة.
ووفقا لتقرير نشره موقع أكسيوس، يدرك مسؤولو الحزب أن الظروف الانتخابية الحالية لا تصب في مصلحتهم، ولذلك بدأوا يعتمدون إستراتيجية مختلفة تقوم على تحويل الانتخابات إلى “انتخابات كراهية”، أي إقناع الناخبين بأن الديمقراطيين أكثر سوءا من الجمهوريين.
ونقل التقرير عن مسؤول جمهوري مقرب من العمليات السياسية لترمب قوله إن الفوز لن يتحقق عبر زيادة شعبية الحزب، وإنما عبر دفع الناخبين إلى كراهية الديمقراطيين بدرجة أكبر.
غير أن استطلاعات الرأي التي استند إليها التقرير لا تمنح الجمهوريين كثيرا من الطمأنينة، إذ تشير إلى احتمال حصول الديمقراطيين على أغلبية مريحة في مجلس النواب، مع استمرار تراجع معدلات الرضا عن أداء ترمب.
كما نقل أكسيوس عن أحد خبراء استطلاعات الرأي الجمهوريين قوله إن الناخبين يريدون من الرئيس التركيز على تحسين أوضاعهم المعيشية، وليس العودة المستمرة إلى الحديث عن انتخابات عام 2020 أو المؤامرات المتعلقة بها والهجوم على ما يسميه “الدولة العميقة”.
وفي هذا السياق، يوضح المؤرخ الأمريكي جوليان زيليزر، في مقال بمجلة فورين بوليسي، أن خطاب ترمب حول “الدولة العميقة” يختلف جذريا عن الانتقادات التي وجهها ليبراليون للمؤسسات الأمنية في سبعينيات القرن الماضي.
فبينما كانت تحقيقات السيناتور فرانك تشيرش تهدف، آنذاك، إلى فرض رقابة أكبر على أجهزة الاستخبارات وتعزيز الضوابط الديمقراطية، يرى زيليزر أن ترمب يستخدم هذا الخطاب لتبرير توسيع سلطات الرئاسة وإقصاء المسؤولين الذين لا يدينون له بالولاء.
ويحذر الكاتب من أن هذا النهج يعمق الاستقطاب السياسي، ويضعف المؤسسات التي يفترض أن تشكل توازنا أمام السلطة التنفيذية.
خبير استطلاعات رأي جمهوري يقول إن الناخبين يريدون من ترمب التركيز على تحسين أوضاعهم المعيشية، وليس العودة المستمرة إلى الحديث عن انتخابات عام 2020 أو المؤامرات المتعلقة بها والهجوم على ما يسميه “الدولة العميقة”.
انقسام الديمقراطيين
وفي المقابل، لا تبدو صورة الديمقراطيين مثالية أيضا. فقد رصدت نيويورك تايمز تصاعد الانقسامات داخل الحزب، خاصة بعد انتشار مصطلح “بلو ماغا”، الذي يستخدمه نشطاء يساريون لاتهام الديمقراطيين المعتدلين بالولاء الأعمى للمؤسسة الحزبية، في مؤشر على احتدام الصراع بين الجناحين المعتدل والتقدمي.
ومع ذلك، يعول الجمهوريون على أن تؤدي هذه الانقسامات إلى تنفير الناخبين المستقلين من الديمقراطيين، من خلال تصوير الحزب بوصفه واقعا تحت هيمنة اليسار الراديكالي.
لكن استطلاعات حديثة، أشار إليها تقرير أكسيوس، توحي بأن هذه المقامرة قد لا تكون كافية، إذ أصبح بعض الناخبين ينظرون إلى مرشحي ماغا بسلبية أكبر من نظرتهم إلى مرشحي الاشتراكيين الديمقراائيين، وهو تطور يثير قلقا متزايدا داخل الحزب الجمهوري.
وبين تراجع شعبية ترمب، وتزايد الانقسامات داخل معسكره، وصعوبة تحويل الأنظار عن الضغوط الاقتصادية، تبدو انتخابات التجديد النصفي المقبلة أكثر من مجرد استحقاق انتخابي عادي.
وبالتالي، فإن تلك الانتخابات قد تحدد مستقبل مشروع “ماغا” نفسه، وتكشف ما إذا كانت الحركة قادرة على استعادة زخمها، أم أنها دخلت بالفعل مرحلة التراجع بعد سنوات من الهيمنة على المشهد السياسي الأمريكي.