روكب اليوم
Published On 27/6/2026
تعد مشاركة منتخب مصر لكرة القدم في نهائيات بطولة كأس العالم التي تنظمها الولايات المتحدة والمكسيك وكندا هي الرابعة، بعد ثلاث سابقات، منها اثنتان في إيطاليا 1934 و1990، ثم روسيا 2018.
ورغم أن منتخب مصر هو الأعرق في أفريقيا كأول فريق أفريقي وعربي يشارك في هذا المحفل الكروي العالمي، فإن السمة الغالبة على هذه المشاركات الثلاث تمثلت في ضعف المردود والنتائج التي أحرزها، إذ لم يحقق فيها جميعا سوى تعادلين في مونديال 1990.
بيد أن ما يقدمه منتخب مصر في كأس العالم الحالية خلق حالة استثنائية من السعادة والبهجة لدى الشعب المصري، وجسد أسمى معاني الانتماء والالتفاف حول هدف واحد هو تغيير هذه الصورة التي انطبعت في الأذهان، من خلال رفع اسم مصر عاليا وتعزيز مكانتها بين كبار منتخبات العالم. فمنذ انطلاق البطولة، لم يعد الحديث يقتصر على نتائج المباريات، أو أسماء اللاعبين، بل أصبح الحديث عن روح وطنية اجتمعت حول حلم واحد، وعن منتخب استطاع أن يعيد رسم الابتسامة على وجوه الملايين، وأن يمنحهم شعورا بالفخر والثقة في قدرة أبناء هذا الوطن على تحقيق الإنجاز.
ولم يكن ما قدمه الفريق مجرد تميز فني أو أداء قوي داخل المستطيل الأخضر، بل كان نجاحا في تجسيد هوية المنتخب المصري؛ هوية تقوم على الالتزام والانضباط، والعمل الجماعي، والروح القتالية، والإيمان بالقدرة على المنافسة مهما كانت قوة الخصم. هذه الهوية هي التي نالت احترام الجميع، وجعلت الجماهير المصرية والعربية تشعر بالفخر والاعتزاز بما يقدمه اللاعبون، ليس فقط من مهارات كروية، بل من سلوك وانضباط وإصرار يعكس صورة مشرفة لمصر.
عندما تبحث عن الروح الرياضية، انظر إلى رغبة جميع اللاعبين في تحقيق الفوز، وإلى المحبة والاحترام المتبادل بينهم، وإلى الفرحة الصادقة التي يعيشها الجميع عند نجاح أي لاعب، بغض النظر عن اسمه أو دوره داخل الفريق. لقد أصبح واضحا أن الجميع يعمل من أجل الشعار الذي يحمله على صدره، وأن المصلحة العامة أصبحت فوق أي اعتبارات شخصية، وهي رسالة في غاية الأهمية لكل من يعمل في الرياضة أو خارجها.
وفيما يتعلق بالجدية والانضباط، نرى الجهاز الفني بقيادة حسام حسن، كيف يعمل بروح الفريق الواحد، في منظومة متكاملة يسودها التخطيط والتنظيم والثقة. فالنجاح لا يصنعه شخص واحد، وإنما تصنعه منظومة تؤمن بأهدافها، وتعرف مسؤولياتها، وتحترم الأدوار داخلها، وهو ما انعكس بوضوح على أداء المنتخب في جميع مبارياته.
لم يكن ما قدمه الفريق مجرد تميز فني أو أداء قوي داخل المستطيل الأخضر، بل كان نجاحا في تجسيد هوية المنتخب المصري؛ هوية تقوم على الالتزام والانضباط، والعمل الجماعي، والروح القتالية
لقد جاء تأهل منتخب مصر إلى الدور القادم بعد جهد كبير وعمل متواصل، ومع هذا التأهل تخطت قلوب الملايين كل حاجز القلق من الخروج المبكر. ازداد الأمل، وارتفع سقف الطموح، وأصبحت الثقة أكبر من أي وقت مضى، لأن الجماهير رأت فريقا لا يستسلم، ولا يفقد إيمانه بنفسه مهما كانت ظروف المباراة أو قوة المنافس.
ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل جاء نتيجة منظومة متكاملة تذوب فيها “الأنا” وينصهر الجميع في بوتقة واحدة: دعم وثقة متبادلة بين الشناوي وشوبير، وتناغم هجومي بين محمد صلاح وتريزيجيه، وصلابة دفاعية جسدها مهند ومروان، وتعاون مميز بين مرموش وعاشور، وتمركز دفاعي رائع لرامي وياسر، وانطلاقات مؤثرة من هاني وفتوح، وعرضيات متقنة من زيزو، لتكتمل الصورة بفريق يلعب بروح واحدة قبل أن يلعب بأقدام أحد عشر لاعبا.
وهنا لا يمكن إغفال الدور الكبير الذي قام به الجهاز الفني في إعداد اللاعبين نفسيا قبل إعدادهم فنيا وبدنيا. فاللاعب الذي يدخل المباراة وهو مؤمن بقدراته، وواثق في زملائه، ومدرك ما هو مطلوب منه، يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه. وقد نجح الجهاز الفني في إزالة رهبة المنافسة، وغرس الثقة داخل نفوس اللاعبين، فظهر المنتخب بشخصية قوية وقدرة على التعامل مع مختلف ظروف المباريات.
كما أن النجاح لم يكن نتيجة عمل أيام أو أسابيع، بل هو حصيلة تخطيط طويل، واستفادة من الخبرات، وتصحيح للأخطاء، وإيمان بأن التطوير عملية مستمرة لا تتوقف. فالمنتخبات الكبرى لا تصل إلى القمة بالمصادفة، وإنما بالعمل اليومي، والانضباط، والحرص على التطور في كل التفاصيل، وهو ما يجب أن يكون منهجا دائما لكرة القدم المصرية.
وتؤكد هذه التجربة أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على المهارة وحدها، بل أصبحت تقوم على تكامل عناصر عديدة: الإعداد البدني، والانضباط التكتيكي، والجاهزية الذهنية، وسرعة اتخاذ القرار، والقدرة على التكيف مع مجريات المباراة. وكلما نجحت المنظومة في تحقيق هذا التكامل، ازدادت فرصها في المنافسة وتحقيق الإنجازات.
الطموح لا يتوقف عند الوصول إلى دور معين، وإنما يستمر بالسعي إلى تحقيق الأفضل؛ لأن المنتخبات الكبيرة تبني نجاحاتها على الاستمرارية، وليس على الإنجازات المؤقتة
لقد أعادت هذه البطولة العلاقة الجميلة بين الجماهير ومنتخبها الوطني. رأينا المصريين على اختلاف انتماءاتهم للأندية يجتمعون خلف علم واحد، وصوت واحد، وحلم واحد. وهذا هو المعنى الحقيقي للمنتخب الوطني؛ أن يكون عنوانا للوحدة، ورمزا يجتمع حوله الجميع بعيدا عن أي تعصب أو خلاف.
ومن هنا تأتي مسؤولية الإعلام الرياضي، الذي يلعب دورا محوريا في تشكيل الوعي الرياضي. فالإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، بل هو شريك في بناء الثقافة الرياضية، وترسيخ قيم الاحترام، وتشجيع النقد الموضوعي، والابتعاد عن الإثارة التي تؤدي إلى التعصب والانقسام. وفي مثل هذه المراحل، يكون دعم المنتخب ونشر الروح الإيجابية مهمة وطنية قبل أن تكون مسؤولية مهنية.
كما أن الجماهير المصرية قدمت نموذجا رائعا في المساندة والدعم، سواء داخل الملاعب أو خارجها. فقد أثبتت أن التشجيع الحقيقي يمنح اللاعبين طاقة إضافية، ويعزز ثقتهم بأن خلفهم شعبا كاملا يؤمن بقدرتهم على تحقيق الإنجاز. وعندما يشعر اللاعب بهذه الثقة، فإنه يقاتل حتى اللحظة الأخيرة من أجل إسعاد جماهيره.
إن الحفاظ على هذه الحالة الإيجابية يتطلب استمرار العمل بنفس الروح، وعدم الانشغال بما تحقق فقط، بل التفكير فيما هو قادم. فالطموح لا يتوقف عند الوصول إلى دور معين، وإنما يستمر بالسعي إلى تحقيق الأفضل؛ لأن المنتخبات الكبيرة تبني نجاحاتها على الاستمرارية، وليس على الإنجازات المؤقتة.
كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي لغة عالمية تجمع الشعوب، وتغرس قيم التعاون والانتماء والاحترام والعمل الجماعي. وهي مدرسة تعلم الإنسان كيف يفرح بالفوز بتواضع، ويتعامل مع الخسارة بعزيمة وإصرار على التعويض، وكيف يحول الإخفاق إلى دافع لتحقيق النجاح.
وعندما نذكر لاعبينا بحقيقة رسالتهم، فإننا نذكرهم أولا بأنهم يمارسون اللعبة التي يعشقونها، ويمنحون من خلالها السعادة والأمل لملايين الجماهير. فهي ليست مجرد عقود أو التزامات مالية، بل مسؤولية عظيمة تبدأ بالشغف، وتترسخ بالانتماء، وتُخلّد بالوفاء والإخلاص لشعار الوطن.
ويبقى التوفيق من الله، سبحانه وتعالى، فهو خير معين، والتوفيق دائما حليف المجتهد، وصاحب النية الصادقة، والمخلص في عمله. وما يتحقق اليوم هو ثمرة للأخذ بالأسباب، والعمل الجاد، والإيمان بأن النجاح لا يأتي إلا لمن يستحقه.
حفظ الله مصر، ووفق منتخبها الوطني لمواصلة إسعاد جماهيره، ورفع رايتها خفاقة في جميع المحافل الدولية، وليكن ما نراه اليوم بداية لمرحلة جديدة من الطموح والعمل والإنجاز، حتى يظل اسم مصر حاضرا بين كبار العالم، ويظل منتخبها مصدر فخر لكل مصري وعربي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.