روكب اليوم
2026-09-24 17:08:00

هذا التحول هو ما دفع نائبة محافظ بنك إنجلترا للسياسة النقدية كلير لومبارديلي إلى القول إن تشديد السياسة يصبح «مرجحاً بصورة متزايدة» إذا ظلت أسعار الطاقة مرتفعة، ما لم تظهر دلائل واضحة على ضعف النشاط أو انحسار التضخم.
وتمثل تصريحاتها أحدث إشارة إلى أن النقاش داخل البنك يتحرك من سؤال «هل يجب الرفع؟» إلى «متى تصبح كلفة الانتظار أكبر من كلفة التحرك؟»، وفق فايننشال تايمز.
الصدمة تجاوزت محطة الوقود
وتفسر الأرقام التحول، فبلغ التضخم البريطاني 3.1% في أغسطس، مقابل 2.9% في يوليو، مدفوعاً بصورة رئيسية بالنقل والوقود، وارتفعت أسعار وقود السيارات 23% على أساس سنوي، فيما سجلت تكاليف الكهرباء والغاز والوقود المنزلي زيادة سنوية بنحو 6%.
وينظر بنك إنجلترا إلى الأشهر المقبلة باعتبارها أكثر خطورة، حيث قالت لومبارديلي إن خام برنت ارتفع بنحو 26% منذ تقرير يوليو تموز إلى قرابة 98 دولاراً للبرميل هذا الأسبوع، بينما قفزت أسعار الغاز الطبيعي بنحو 50%.
وارتفع سعر البنزين في بريطانيا من نحو 132 بنساً للتر في فبراير إلى قرابة 172 بنساً في سبتمبر أيلول، كما سيرتفع سقف فواتير الطاقة المنزلية بنحو 4% في أكتوبر إلى 1,723 جنيهاً إسترلينياً سنوياً، مع توقع البنك تجاوزه 2,000 جنيه في الربع الأول من 2027.
نتيجة ذلك، يتوقع البنك ارتفاع التضخم إلى نحو 3.7% في الربع الأخير من 2026 ثم 4.2% في الربع الأول من 2027، أي أكثر من مثلي هدفه البالغ 2%، ومن دون إجراءات حكومية لتخفيف أسعار الطاقة، كان المعدل المتوقع في بداية العام المقبل سيقترب من 4.5%.
الخطر الحقيقي يبدأ بعد الطاقة
ويرى خبراء مصرفيون أن رفع الفائدة لا يستطيع خفض سعر النفط العالمي؛ لذلك يستطيع البنك تجاهل الأثر الأولي لصدمة الطاقة إذا كان مؤقتاً.
وتبدأ المشكلة عندما تستخدم الشركات تكاليف الطاقة الأعلى لزيادة أسعار السلع والخدمات، ثم يطالب العمال بأجور أعلى لتعويض خسارة القوة الشرائية، فتتحول الصدمة إلى تضخم ذاتي الاستمرار.
ويؤكد الخبراء أنه حتى الآن، لا تقدم البيانات دليلاً واضحاً على حدوث ذلك، فقد ظل التضخم الأساسي مستقراً عند 2.6% في أغسطس آب، كما استقر تضخم الخدمات عند 3.4%، وتباطأ نمو الأجور العادية إلى 3.5%، فيما تشير اتصالات بنك إنجلترا مع الشركات إلى متوسط زيادات أجور بنحو 3.6% خلال 2026، انخفاضاً من 4% في العام السابق.
هذه الأرقام هي أقوى حجة لدى جناح الانتظار داخل لجنة السياسة النقدية؛ فسوق العمل ليست ساخنة كما كانت خلال موجة التضخم السابقة؛ بلغ معدل البطالة 4.9% في الأشهر الثلاثة حتى يوليو، وانخفض عدد الموظفين على قوائم الأجور بنحو 145 ألفاً على أساس سنوي وفق التقدير الأولي لأغسطس آب.
وتحذّر لومبارديلي من أن غياب الآثار الثانوية حتى الآن لا يعني أنها لن تظهر، فالشركات قد تكون محمية بعقود تحوط أو تضغط على هوامش أرباحها مؤقتاً، إلا أن قدرتها على امتصاص تكاليف الطاقة ليست غير محدودة، وكلما طال أمد الصدمة، زاد احتمال إعادة تسعير السلع والخدمات وتغير توقعات التضخم ومفاوضات الأجور.
نوفمبر يتحول إلى اجتماع مفصلي
في اجتماع سبتمبر أيلول، أبقى بنك إنجلترا الفائدة عند 3.75% بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، لكن الأعضاء الثلاثة المخالفين أيدوا زيادة فورية قدرها 25 نقطة أساس، والأكثر أهمية أن مسؤولين ممن صوتوا للتثبيت بدؤوا يقتربون من موقفهم.
وقالت نائبة المحافظ سارة بريدن، إن الرد برفع الفائدة يصبح «أكثر ملاءمة بصورة متزايدة» مع تصاعد مخاطر التضخم، بينما حذرت من انتظار ظهور أدلة قاطعة على الآثار الثانوية بعد فوات الأوان.
الأسواق التقطت الرسالة سريعاً، وبات المستثمرون يسعرون احتمالاً بنحو 75% لرفع الفائدة ربع نقطة في اجتماع نوفمبر، مع تسعير زيادة أخرى بالكامل تقريباً بحلول فبراير شباط، وتحوّل بنوك استثمار بينها باركليز وUBS إلى توقع بدء الرفع في نوفمبر إذا استمرت ضغوط الطاقة، وفق رويترز.
عودة للتشديد.. لا نسخة جديدة من 2022
يقول الخبراء المصرفيون إنه مع ذلك، العودة إلى رفع الفائدة لا تعني بالضرورة دورة تشديد طويلة كتلك التي بدأت في 2021، فالوضع مختلف جذرياً، حيث إن سعر البنك يبلغ بالفعل 3.75%، بعد خفضه 150 نقطة أساس من الذروة، وأسعار الرهن العقاري لأجل عامين أصبحت أعلى بأكثر من نقطة مئوية مقارنة بما قبل اندلاع الصراع، ما يعني أن الأوضاع المالية تشددت بالفعل حتى من دون زيادة رسمية جديدة.
ولهذا فإن السؤال الذي سيحسم مسار بريطانيا ليس ما إذا كان النفط سيظل عند 100 دولار لبضعة أسابيع، بل ما إذا كان سيظل مرتفعاً حتى تبدأ الشركات والعمال في التصرف وكأن التضخم المرتفع أصبح دائماً.
ويتوقع الخبراء أنه إذا بقي التضخم الأساسي والخدمات والأجور تحت السيطرة، يمكن لبنك إنجلترا تحمل صدمة طاقة مؤقتة، أما إذا بدأت تلك المؤشرات بالارتفاع بالتزامن مع بقاء الاقتصاد أكثر صموداً من المتوقع، فقد تتحول زيادة نوفمبر من إجراء احترازي إلى بداية مرحلة جديدة من التشديد النقدي، وهو السيناريو الذي أصبح البنك والأسواق يتعاملان معه الآن باعتباره خطراً حقيقياً، لا احتمالاً بعيداً.