
روكب اليوم
Published On 17/10/2026
يرجح فريق من علماء الآثار أن حطام سفينة اكتُشف في المياه الضحلة قبالة منطقة كيكوفا غربي مدينة أنطاليا جنوبي تركيا هو أقدم حطام سفينة معروف في العالم، إذ تشير الأدلة الأولية إلى أنه يعود إلى الفترة بين عامي 2700 و2400 قبل الميلاد، أي قبل نحو 4500 عام.
وفي مقال نشره موقع “ذا كونفرسيشن”، ترى كارين سوادا، المحاضرة في علم الآثار ومديرة المركز الأسترالي لعلم المصريات في جامعة ماكواري، أن هذا الاكتشاف قد يغير فهمنا للروابط بين ضفاف البحر المتوسط في العصر البرونزي المبكر، ويكشف جذور طرق التجارة الواسعة كما نعرفها اليوم.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listوكان الرقم القياسي السابق لحطام عُثر عليه قبالة جزيرة دوكوس اليونانية، ويُعتقد أنه يعود إلى نحو 4200 عام. وتؤكد الكاتبة أن النتائج لا تزال أولية، وأن البحث الذي يعرضها لم يُنشر بعد في مجلة علمية محكّمة.
خيوط من البحّارة المحليين
قاد البحثَ هاكان أونيز، الأستاذ المشارك في جامعة أكدنيز بأنطاليا، الذي يعمل منذ عقود في التنقيب عن السفن الغارقة على هذا الساحل. واعتمادا على معلومات من بحارة محليين، عثر أونيز على الحطام في عام 2024، ثم طلب هذا العام من سوادا المساعدة في تأريخ الجرار الفخارية التي وُجدت فيه.
وتصف الكاتبة، المتخصصة في المواقع الصحراوية، التجربة بأنها فريدة، إذ وجدت نفسها أمام تقنيات حديثة وأساليب تنقيب خاصة بالمواقع المغمورة بالمياه وعمليات ترميم شاقة.
ولم يبق من هيكل السفينة الخشبي شيء يُذكر بعد قرون طويلة تحت الماء، لكن الفريق قدر عمرها وعمر حمولتها بنحو 2700 إلى 2400 قبل الميلاد، مع بقاء احتمال أن يكون التأريخ أقدم أو أحدث قليلا.
كبسولة زمنية للتجارة القديمة
تصف سوادا السفينة بأنها “الحلقة المفقودة” في قصة شبكات التجارة وتبادل السلع في شرق المتوسط، في حقبة تتزامن مع عصر بناء أهرامات الجيزة وفراعنتها الكبار، وترى أن ما بقي منها تحت البحر أشبه بكبسولة زمنية للتجارة القديمة.
ورغم أن وجهة السفينة غير معروفة، فمن الواضح أنها كانت تُبحر بمحاذاة الساحل الجنوبي لتركيا. ويرجح موقعها في قاع البحر بين جزيرتين أنها كانت تحتمي من عاصفة قبل أن تتحطم على الصخور، وربما كان بحارتها من سكان سواحل بلاد الشام.
وقد اختفت أخشاب السفينة منذ زمن بعيد، لكن بقايا حمولتها ظلت عالقة في المنحدر الصخري على ساحل كيكوفا، وعمل الغواصون 4 أشهر لاستخراج الفخار من بين طبقات البرنقيل الملتصقة بالصخور.
ما تكشفه الجرار
تشبه الكاتبة الفخار بالبلاستيك، فهو لا يختفي بل يتكسر إلى قطع أصغر فأصغر، لكنه يحمل الكثير من أسرار الماضي. فقد ضمت حمولة السفينة جرارا خزفية كبيرة للتخزين كانت تحوي منتجات من مناطق شرق المتوسط.
وكانت الجرار بيضاوية الشكل مسطحة القاعدة ولها مقبضان، وكثير منها يحيط به “حزام” أفقي بارز من الطين عند أعرض أجزائها. ومن خلالها أمكن تحديد المنشأ المرجح للجرار والسلع التي كانت تُتبادل في المنطقة، كما ساعد شكلها وتقنية صنعها في تأريخ الحمولة والسفينة نفسها.
واللافت أن بقايا محتوياتها لا تزال مرئية بالعين المجردة. وفي انتظار نتائج التحاليل العلمية، تتوقع الكاتبة أن تكون من السلع التي تذكرها النصوص المصرية القديمة، كزيت الزيتون أو النبيذ أو راتنج الأشجار. وتشير التقديرات الأولية إلى أن بعض الجرار “المحزّمة”، أو الطين الذي صُنعت منه، ربما جاء من وادي الأردن الأوسط، وأن السفينة ربما جمعت حمولتها من عدة موانئ خلال رحلتها.
الصورة الأوسع
تقول سوادا إن التجارة في شرق المتوسط خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد أقل فهما مقارنة بالحقب اللاحقة، وإن الرحلات البحرية في تلك المرحلة معروفة أساسا من النصوص المصرية والأواني الفخارية والمواد الخام التي عُثر عليها في المقابر القديمة.
ففي الحقبة نفسها التي تحطمت فيها هذه السفينة، كان المصريون القدماء يتاجرون في شرق المتوسط عبر ميناء جبيل في لبنان، ويستوردون سلعا تفتقر إليها بلادهم، مثل خشب الأرز والقصدير والرصاص والزيوت وراتنج الأشجار واللازورد والفضة.
وتكشف أبحاث علمية حديثة أن الدولة المصرية حصلت نحو عام 2600 قبل الميلاد على فضة مصدرها مناجم لافريون شرقي أثينا الحالية. ومع أن السفن المصرية لم تقطع هذه الرحلة على الأرجح، فإن سفنا مثل سفينة كيكوفا ربما كانت جزءا من شبكة بحرية دولية واسعة تمر بهذا الطريق.
وتختم الكاتبة بأن ساحل جنوب تركيا يزخر بحطام السفن القديمة، وقد اكتُشفت فيه بعض أشهر السفن الغارقة في العالم، رغم أن علم الآثار البحرية حديث نسبيا، متسائلة عما تخفيه هذه المياه من أسرار أخرى.