روكب اليوم
صدر عن دار “الأصالة العلمية” في إسطنبول كتاب جديد للدكتور رفيق عبد السلام تحت عنوان “الإخفاق العربي: في الثورة والدين والدولة”، وهو كتاب يغطي محاور متنوعة تتوزع بين الفكري والسياسي والإستراتيجي.
وينقسم الكتاب إلى خمسة محاور أو أبواب رئيسية، وهي: الثورات العربية، والمسألة الدينية، والقضية الديمقراطية أو التحول الديمقراطي، والدولة العربية وتشكلها التاريخي وأزماتها الراهنة، وأخيرا قضية الحداثة والتحديث في العالم العربي.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of listأما الوحدة الناظمة لهذا العمل التي تجمع مختلف هذه المحاور والفصول المختلفة، فهي تتعلق بقضايا الاجتماع السياسي الراهن في العالم العربي وفي الحالة التونسية على وجه الخصوص، ومن ذلك قضايا الثورات والتغيير والدولة والتحول الديمقراطي والحداثة والتحديث وغيرها.
الثورات العربية والدروس المستخلصة
قدم الباب الأول قراءة معمقة في مسار الثورات العربية “المغدور بها”، كما أسماها المؤلف وزير الخارجية التونسي الأسبق، مع الوقوف عند الدروس والعبر المستخلصة منها، بما من شأنه أن يمد القارئ العربي عامة والأجيال الجديدة من الشباب العربي بعدة فكرية وإستراتيجية تؤهله للاستعداد للمستقبل.
ويخلص الكتاب إلى القول: قد يكون الفاعلون السياسيون الذين تولوا قيادة مقاليد الأمور بعد ثورات الربيع العربي ارتكبوا أخطاء في التقدير والممارسة هنا أو هناك، ولكنهم كانوا في المحصلة النهائية يتحركون ضمن ميزان قوى داخلي وخارجي أكبر منهم.
ولعل أكبر الأخطاء التي وقع فيها الفاعلون الجدد يتمثل في التردد وعدم حسم الأمور في تحديد الخيارات السياسية في التعامل مع النظام القديم، سواء من موقع تمكن يفرض عليه تنازلات جذرية على نحو ما فعل نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا، أو الذهاب في خيار الثورة إلى نهايته وإقحام الشعب في المعركة على نحو ما جرى في أغلب الثورات الجذرية في عصرنا الحديث، بحسب المؤلف
كما يعود الخلل الأكبر إلى العجز عن نسج تحالفات قوية على الصعيدين الداخلي والخارجي، بما جعل الثورات العربية تتحرك من دون غطاء دولي وإقليمي مساعد لها. ففي الوقت الذي كانت الثورات المضادة تتحرك بأسرع طاقتها وتبني تحالفاتها وتقوي مواقعها.
بعدما ألقت قوى عربية بثقلها الكامل إلى جانبها، كان الحكام الجدد في مصر وتونس وليبيا واليمن وغيرها يغرقون في مشكلات الحكم مثقلين بأعبائه من دون رؤية مشتركة ولا دعم حقيقي على الصعيد الإقليمي أو الدولي، خصوصا أن الأوضاع العربية شديدة الترابط والتداخل، بما يجعل مصائرها صعودا أو نزولا موحدة، ومن ثم فإما أن يكون الحل جماعيا وعابرا لحدود الدولة القطرية أو لا يكون أصلا، بحسب الكتاب.
كما أن السقوط في حبائل الطائفية المقيتة – التي كانت تغذيها قوى ودول معادية من أصلها لثورات الربيع العربي – قد ساهم في خلط الأوراق وإضعاف جبهة التغيير وشغلها بالمعارك الجانبية.
على أن ما ذُكر أعلاه، كما يقول المؤلف، يجب ألا يفتّ في العضد أو في قوة العزم على المضي قدما في مشروع التحول الكبير بمراكمة الجهود والتضحيات، سواء من موقع الحكم أو ابتلاءات المعارضة في مواجهة سطوة القوة وضراوة الثورة المضادة. فالمنطقة العربية بصدد تحول كبير، وثورات الربيع العربي هزت واقع الجمود وحركت المياه العربية الآسنة.
والأرجح أن تستغرق عملية التغيير سنوات طويلة من الكرّ والفرّ، ومن المدّ والجزر على النحو الذي يجليه سجل الثورات الحديثة، إلى أن تستعيد المنطقة توازنها واستقرارها على أسس جديدة قوامها الحرية والكرامة بعد حالة الاستقرار المغشوش والهش. لقد ثبت أن عملية التغيير في هذه الرقعة من العالم بالغة الصعوبة والتعقيد بما لا نظير له في أي مواقع أخرى، وهي تحتاج إلى قدر كبير من الجهد والعناء ومراكمة النضالات والتضحيات، بحسب تقدير المؤلف.
الديني والسياسي
يذهب الكاتب إلى أن جوهر المشكلة لا يعود إلى ما يُزعم من سيطرة الدين على الدولة، ولكن في سيطرة الدولة على الدين ومؤسساته واستحواذها على المقدرات المادية والرمزية للمجتمع. فأغلب الدول العربية والإسلامية، بما في ذلك ذات التوجهات “الحداثية”، تتسم في مجملها بطابع تدخلي واستحواذي على المجتمع والدين، وتميل إلى استخدام المقدسات و”المدنسات” من أجل تسويغ هيمنتها وتسلطها لا غير.
ومن المفارقات العجيبة أن أكثر الدول العربية “علمانية” لا تقبل بأن يستقل الحقل الديني ومؤسساته ووظائفه العامة عن تحكم الدولة وبيروقراطيتها، في مخالفة لأبجديات العلمنة السياسية التي تقتضي استقلال الحقل الديني عن الدولة.
ويخلص الدكتور رفيق عبد السلام إلى القول بأن الأصل في الأشياء أن تكون شؤون الدين ومؤسساته ووظائفه العامة جزءا مكينا من نسيج المجتمع، متصلة بقواه الفاعلة بدل أن تكون جزءا من أجهزة الدولة وبيروقراطيتها.
فالدولة، وأيا كان شكلها ونوعية الشرعية التي تتأسس عليها، تحرص بطبعها على التمدد وتعظيم هيمنتها، بل الاستيلاء على أسس الشرعية الرمزية والمعنوية، حرصها على الاستحواذ على الثروات والمصالح المادية؛ وإذا كان الملك يميل بطبعه إلى الانفراد وطلب المجد، كما يقول ابن خلدون، فأنّى له أن يكون حارسا أمينا للدين أو لأي من القيم الأخرى.
إن أهمية الفكر السياسي الواقعي، بدءا بابن خلدون، يقر بأن الحقل السياسي ليس مجالا لتجسد الفضائل الأخلاقية والروحية بقدر كونه قرين الصراع والانحرافات والتدافع على المنافع من أجل الاستئثار والاستحواذ، وهذا ما يدعو إلى التوجس من السلطة، بل من الدولة، لا الثقة العمياء فيها.
فإذا كانت السياسة بطبيعتها “شريرة” فهذا يقتضي البحث عن التخفيف من شرورها وانحرافاتها، ومن هنا ولدت فكرة الفصل بين السلطات واستقلالية المجتمع المدني عن السلطة السياسية وفكرة توازن المؤسسات وجعل بعضها رقيبا على بعض، وهنا تكمن أهمية ما أسميناه بالمعالجة الإجرائية الديمقراطية.
إن الحاجة اليوم ماسة إلى التشديد على ما أسماه الكاتب بالحياد الإيجابي للدولة إزاء شؤون الدين والمجتمع، ولكن يتوجب التنبيه إلى أن هذا الحياد لا يعني انفصال الدولة عن المجتمع ومنظومته القيمية والروحية؛ إذ ليس من مهام الدولة ولا من حقها فرض أنماط ثقافية أو فكرية أو سلوكية معينة، سواء باسم العلمانية أم باسم الإسلامية، بل هي ملزمة باحترام عقائد الناس وشعائرهم وتوجهاتهم الدينية والروحية، مع قيامها على حماية السلم المدني وخدمة الصالح العام.
ومن هنا فإنه يتوجب على العلمانيين الجذريين وكذلك الإسلاميين الجذريين التخفيف من غلوائهم وتوطين أنفسهم على انتفاء الدور “الرسالي” والعقائدي للدولة. على أن ذلك لا ينفي حق الدولة في مجتمع مسلم أن تشجع الناس على التدين وتوفر الرعاية للمؤسسات الإسلامية من دون تدخل في عملها.
وتناول في الفصل نفسه ما يعرف بمشروع الإصلاح الديني الذي تطالب به جهات كثيرة، مؤكدا أنه من الوهم تصور عملية إصلاح وتجديد تتم بمعزل عن السياسة وحساباتها أو بمنأى عن توازنات القوة التي تعمل على الأرض.
فالدول الغربية التي باتت تستبد بها حماسة زائدة منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول لإصلاح الإسلام ليست منظمات خيرية محايدة، ولا هي معنية كثيرا بحال الإسلام والمسلمين، بقدر ما هي معنية بما يمكن تسميته تفكيك ما تراه مفعولا انفجاريا للإسلام، مع تعظيم مصالحها ومساحات نفوذها في المنطقة تحت عناوين ومطالب مختلفة.
في الديمقراطية
يخيل للكثير من المثقفين والنشطاء السياسيين العرب أن الديمقراطية كفيلة بمعالجة جميع ما يعانيه الجسم العربي من عاهات وأمراض، إذ يكفي الأخذ ببعض الأشكال الديمقراطية وإقامة الحكومات “الصالحة”. وإذا أخذنا هذه المعطيات بعين الاعتبار، فليس من المنتظر أن تنقلب الأوضاع العربية رأسا على عقب بمجرد الأخذ ببعض آليات الديمقراطية وقيام الحكومات الصالحة، والتي لن تكون صالحة ولا ديمقراطية حتى وإن أرادت ذلك في ظل الأوضاع بالغة التعقيد التي تتحرك ضمنها.
والديمقراطية، على ما توفره من ممكنات العلاج لآفة الاستبداد الفردي، فإنها لا تستطيع اجتراح الخوارق والمعجزات، أو قلب معطيات الجغرافيا والسياسات الدولية والإقليمية التي تشتغل ضمنها رأسا على عقب، أي أن يتحول الضعيف والعاجز إلى قوي ومتعاف بمجرد الأخذ بالنموذج الديمقراطي.
ومن الواضح هنا، على ما يقول الدكتور عبد السلام، أن السردية الديمقراطية فرضت نفسها في العالم العربي، وأضحت من أكثر السرديات هيمنة على النخب، ولا سيما بعد انكسار الموجة الاشتراكية وخفوت جاذبيتها. وإذا استثنينا الجماعات الإسلامية العنيفة التي وضعت في مقدمة أولوياتها إعادة بناء خلافة متخيلة بقوة السلاح، فإن غالبية التيارات السياسية اتجهت إلى تبني الفكرة الديمقراطية على نحو أو آخر.
وعليه، فمشكلة الإسلاميين لا تتعلق بمدى قبولهم بالخيار الديمقراطي، فهذه أصبحت حقيقة معلومة، والتشكيك فيها أقرب ما يكون إلى اللغو السياسي، ولكنها تعود إلى غلبة الطابع السجالي والنظري لمفهوم الديمقراطية في خطابهم، بما صرف أنظارهم عن المعطيات الموضوعية على الأرض، بكل تلاوينها وتعقيداتها. فقد سقط الإسلاميون من الحكم، أو بالأحرى أُسقِطوا، لا لأنهم كانوا غير ديمقراطيين، بل لأنهم كانوا ديمقراطيين بصورة زائدة على اللزوم في مناخ غير ديمقراطي، يتسم بكثرة الصراعات والمؤامرات والتدخلات الخارجية.
في الدولة العربية
لعل أخطر الظواهر الملازمة لتاريخ العرب الحديث هي ظاهرة الانقسام السياسي الهائل وظهور الدولة القُطرية أو دولة التجزئة كما اصطلح الخطاب القومي على تسميتها، أو ما يسميه الكتاب المغاربة بالدولة الوطنية الحديثة.
فحالة التجزئة هذه حولت المنطقة الإسلامية، والعربية منها على وجه الخصوص، إلى كيانات هشة مقطعة الأوصال، ليس على مستوى العوازل الجغرافية وما يسمى بـ “الحدود الوطنية” فحسب، بل على مستوى التوجهات الثقافية والسياسات التعليمية وهوية الأنظمة السياسية ونوعية الارتباطات الخارجية، مما جعل أضعف الدول العربية عرضة لسلسلة من الإخفاقات والأزمات لا نهاية لها، كما يقول الكتاب.
فالدولة العربية تبدو بالغة الوهن ليس مقارنة بالدول الصناعية ذات البأس العسكري والاقتدار العلمي والصناعي فحسب، بل حتى مقارنة بدول الجوار الإسلامي من مثل إيران وتركيا وباكستان، أي تلك الدول التي يصح فيها إلى حد ما وصف الكيان الوطني أو القومي.
وقد زاد في تعقيد الوضع العربي لعبة الاصطفاف السياسي المدمرة ومحاولة تغيير معطيات التاريخ والجغرافيا التي تمارسها نخب الحكم العربي، “ففي مواجهة ثورات الربيع العربي عمدت بعض الدول العربية إلى بناء محور سياسي ذهب إلى بناء عقيدة سياسية اعتبرت إسرائيل بموجبها حليفا طبيعيا وشريكا أصيلا” بحسب تعبير المؤلف.
ويخلص الكاتب إلى القول: “إنني أزعم أن الإخفاق الحداثي العربي، أي عجز العرب عن امتلاك ناصية الاقتدار العلمي والصناعي، إنما يعود في بعد من أبعاده الأساسية إلى ضعف كياناتهم السياسية وعجزها عن تأمين الحد الأدنى من مقومات النهوض والمنافسة في عالم يعج بالقوى والتحالفات، لأن النهوض يحتاج بكل بساطة إلى حامل تاريخي قوي مثلما يحتاج إلى رؤية ومشروع مستقبلي”.
ويدعوا المؤلف إلى توقف الإسلاميون عن مناهضة فكرة العروبة أو الوحدة العربية بدعوى عالمية الإسلام أو بدعوى رفض الولاء القومي وجاهليته، كما يجب أن يتوقف القوميون العرب عن تحويل القومية إلى نظرية وأيديولوجيا عقائدية، بل الأحرى إعادة فكرة العروبة إلى سياقها السليم والصحيح؛ فالعروبة ليست عقيدة ولا أيديولوجيا ولا فكرا كما يدعي القوميون العرب، بل هي رابطة سياسية ولغوية مفتوحة يحتاجها العرب والمسلمون للنهوض بوضعهم وتدارك وهنهم وضعف حالهم، والاستجابة لمقتضيات عصرهم.
كما يؤكد الكاتب على الحاجة إلى مشروع عربي متفاعل مع محيطه الإسلامي الواسع، وخصوصا مع الجوار الإسلامي المباشر، وفي مقدمة ذلك الترك والإيرانيون والباكستانيون، مع مراعاة واقع التنوع الديني والإثني والثقافي في المنطقة؛ إذ من المسلم به أن منطقة الشرق هي خزّان التنوع الإثني والمذهبي والديني، ومن يقفز على هذه الحقائق لن يجلب إلا الخراب والحروب الأهلية.
الحداثة والتحديث
لقد مثّل الغرب الحديث، وما زال يمثل إلى يومنا هذا، ضرباً من التحدي والغواية الصارخين. فهو من جهة، غرب ملهم بنجاعته التقنية والاقتصادية و”تحرريته” السياسية والفكرية والاجتماعية، ولكنه من جهة أخرى غرب شديد الأنانية والعدوانية و”النفاق” في تعاطيه مع قضايا العالم وشعوبه.
ولعل الأمر يبدو أكثر مرارة وأشد وطأة على النخب العربية وجوارها الإسلامي المباشر بحكم القرب الجغرافي والصدام الديني، قياسا ببقية النخب الأخرى التي داهمها هذا الغرب بداية بقوة جيوشه الكاسحة، ثم بجاذبية نموذجه الاجتماعي الثقافي.
أما على الصعيد الفكري، فقد لعب التيار النقدي الجذري دوراً حاسماً في تفكيك الادعاءات العالمية للغرب الحديث، من خلال التشكيك في أسانيده النظرية، بل العمل على تقويضها. فقد أتت مطرقة النقد النيتشوي (نسبة إلى نيتشه) على رافعة العقلانية، وأفرغت الغائية التاريخية (أيديولوجيا التقدم) وفلسفة الذاتية الإنسانية من دواخلها وأعماقها.
ولسنا نبالغ إذا قلنا هنا بأن خطاب الغرب الحديث بقي مسكونا بالصيحة النيتشوية إلى حد كبير، وما تبعها من اتساع نطاق فلسفة القلق والارتياب وما صاحبها من تصدعات هائلة ورجّات عنيفة في أعمدته الفكرية والأخلاقية.
كانت ولادة الغرب الحديث واكتسابه طابع العالمية يوم شيوع الحلم الليبرالي الغربي في التقدم والتحرير، كما أن نهايته أو موته ستكون بموت هذه الأحلام والأوهام التي صنعها وروّجها عن نفسه وصدرها لغيره في مختلف مناحي المعمورة الكونية.
وحينما نتحدث عن نهاية أو موت الغرب هنا، لا نعني بذلك نهاية مادية موضعية جغرافية قد تواضع أهلها والعالم على تسميتها بالغرب، بل نعني بذلك على وجه الدقة نهاية ادعاءاته الكونية بعد إرجاعه إلى نسبيته التاريخية ومحدوديته الثقافية، شأنه في ذلك شأن الظواهر التاريخية الكبرى التي تولد وتحيا ثم تموت، مع تقدير قيمة ما يمتلك منها صلاحية كونية عابرة للثقافات ويحمل قابلية الاستمرار.
والخلاصة هنا، كما يقول المؤلف، “أننا نحن أبناء هذا العصر قُدِّر علينا طوعا وكرها أن نحمل في دواخلنا الكثير من مظاهر وقيم هذا الغرب الحديث وشخوصه، فنلبس ملابسه، ونستعمل الكثير من مصنوعاته، بل نتكلم في الكثير من الأحيان لغاته، ونقرأ بلسانه، وقد نتذوق قليلا أو كثيرا من فنونه وآدابه، ولكن قدرنا أيضا وقدر شعوب العالم من حولنا أن تحرر وعيها الفردي والجمعي ومختزنات شعورها من سطوة الأوهام”.