روكب اليوم
2026-10-18 15:09:00

لا يوجد تناقض اقتصادي في ذلك؛ فارتفاع قيمة الإنفاق لا يعني بالضرورة ارتفاع كمية السلع والخدمات التي يحصل عليها المستهلك. وقد تكون الزيادة ناتجة عن ارتفاع الأسعار نفسها، لا عن تحسن القدرة الشرائية.
وتكشف بيانات حديثة من الولايات المتحدة هذا التباين. فقد ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 0.8% في سبتمبر 2026 مقارنة بأغسطس، لكن الزيادة تراجعت إلى 0.2% عند استبعاد محطات الوقود، وفق بيانات نقلتها وكالة أسوشيتد برس في 15 أكتوبر.
الأسعار لا ترتفع بالوتيرة نفسها
المشكلة لا تتعلق فقط بمعدل التضخم العام، بل أيضاً بالسلع والخدمات التي تستهلك الحصة الأكبر من دخل الأسرة.
فالأسر لا تستطيع تأجيل جميع نفقاتها؛ إذ يتعين عليها دفع تكاليف الغذاء والسكن والكهرباء والمواصلات والرعاية الصحية، حتى عندما ترتفع أسعار هذه البنود. ولذلك، فإن زيادة أسعار الأساسيات قد تترك أثراً أكبر في ميزانية الأسرة مقارنة بارتفاع أسعار سلع يمكن الاستغناء عنها أو تأجيل شرائها.
وتختلف التجربة من أسرة إلى أخرى. فالأسر الأقل دخلاً تخصص عادة حصة أكبر من ميزانيتها للاحتياجات الأساسية، بينما تستطيع الأسر الأعلى دخلاً تقليص بعض النفقات أو الاستفادة من مدخرات وأصول مالية تساعدها على امتصاص الصدمات.
وهذا يعني أن معدل التضخم نفسه لا يترك الأثر نفسه لدى الجميع؛ فتركيبة الإنفاق، وتكاليف السكن، وعدد أفراد الأسرة، ومقدار الدخل المتاح بعد الضروريات، كلها عوامل تحدد مدى شعور المستهلك بارتفاع الأسعار.
لماذا لا يعني تباطؤ التضخم انخفاض الأسعار؟
من أكثر مصادر الالتباس أن انخفاض معدل التضخم لا يعني بالضرورة أن الأسعار عادت إلى مستوياتها السابقة؛ بل يعني عادة أن الأسعار ترتفع بوتيرة أبطأ.
فإذا ارتفعت أسعار سلعة من 100 إلى 130 وحدة نقدية، ثم تباطأ التضخم إلى 5%، فإن سعرها يصبح نحو 136.5 وحدة، لا 105 وحدات. وبالتالي، يستمر المستهلك في دفع سعر أعلى، حتى بعد تراجع معدل الزيادة.
الأجور والإنفاق.. أين تكمن الفجوة؟
إذا ارتفع الراتب بنسبة أقل من تكلفة السلع والخدمات التي تستهلكها الأسرة، تتراجع قدرتها الشرائية حتى لو زاد دخلها الاسمي. وإذا ارتفع الدخل بالقدر نفسه الذي ارتفعت به تكلفة سلة الاستهلاك، فقد تحافظ الأسرة على مستوى معيشتها تقريباً، لكن من دون تحسن حقيقي.
وقد تضطر الأسر في هذه الحالة إلى تغيير عاداتها: اختيار علامات تجارية أقل تكلفة، أو تقليل الإنفاق على الترفيه، أو تأجيل شراء الأجهزة والملابس، أو البحث عن عروض وخصومات. وقد تلجأ بعض الأسر إلى الاقتراض أو السحب من المدخرات لتغطية نفقاتها، لكن هذه الخيارات ليست متاحة للجميع، كما أنها قد تؤجل المشكلة بدلاً من حلها.
ولا يكفي النظر إلى إجمالي الإنفاق لمعرفة ما إذا كان المستهلكون أفضل حالاً؛ بل ينبغي فحص تطور الأجور بعد احتساب التضخم، وتغير الكميات المشتراة، وحصة النفقات الأساسية من دخل الأسرة، ومستوى الادخار والديون.
مقياس المعيشة ليس حجم الراتب وحده
المؤشر الأهم ليس مقدار الراتب الذي يحصل عليه الفرد، بل ما يستطيع شراءه به بعد سداد النفقات الضرورية.
ولهذا، فإن تقييم أوضاع الأسر يحتاج إلى النظر معاً في نمو الأجور والأسعار، وتكلفة السكن والغذاء والطاقة، وتوزيع الدخل بين الفئات، ومدى قدرة الأسر على الادخار أو مواجهة المصروفات المفاجئة.
وقد يستمر الاستهلاك في دعم النشاط الاقتصادي لبعض الوقت، لكن استمرار الإنفاق لا يعني أن جميع الأسر تتمتع بالقدر نفسه من المرونة المالية. وعندما ترتفع تكاليف الضروريات أسرع من الدخول، قد تضطر الأسر إلى إنفاق حصة أكبر من رواتبها على الاحتياجات الأساسية، مع تقليص النفقات الأخرى.
وفي النهاية، لا تكمن المسألة في مقدار الأموال التي تنفقها الأسرة فحسب، بل في ما تحصل عليه مقابلها، وما يتبقى لها بعد دفع الفواتير الأساسية.