
روكب اليوم
Published On 26/10/2026
تتجه إسرائيل إلى انتخابات عامة -يوم غد الثلاثاء- وسط انقسام سياسي ومجتمعي عميق، وتداعيات مستمرة لهجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحرب الإبادة التي تلته في قطاع غزة.
وبينما يتركز الاهتمام على احتمال خسارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو السلطة لمصلحة منافسه الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي غادي آيزنكوت، تشير تحليلات نشرتها صحف ومجلات دولية إلى أن تغيير القيادة لا يعني بالضرورة تحولا جذريا في السياسات الإسرائيلية، خصوصا تجاه الفلسطينيين والمنطقة.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of listوتُجمع قراءات فايننشال تايمز ونيويورك تايمز ومجلة فورين أفيرز على أن الانتخابات تتجاوز التنافس الحزبي التقليدي، لتطرح أسئلة تتعلق بمستقبل الديمقراطية الإسرائيلية، ومحاسبة القيادة السياسية على الإخفاقات الأمنية، وحدود التغيير الممكن في السياسة الخارجية، في ظل تزايد الانتقادات الدولية للعمليات العسكرية والتوسع الاستيطاني.
المعركة على هوية إسرائيل
يركز مقال فايننشال تايمز “المعركة من أجل روح إسرائيل” على الصراع بشأن هوية الدولة ومستقبل مؤسساتها الديمقراطية، لأن المسألة -وفق الفكرة الأساسية للمقال- لا تتعلق فقط ببقاء نتنياهو أو رحيله، بل بمستقبل استقلال القضاء والحريات العامة والتعددية السياسية، في مواجهة تنامي نفوذ التيارات القومية والدينية المتشددة.
وتتقاطع هذه الرؤية مع تحليل رئيس تحرير صحيفة “هآرتس” ألوف بن -في مقال نشرته فورين أفيرز بعنوان “ما الذي لن تغيّره الانتخابات الإسرائيلية؟”- إذ يرى بن أن وصول آيزنكوت إلى السلطة قد يتيح تعديلات في إدارة المؤسسات الداخلية، لكنه لن يضمن تحولا مماثلا في السياسة الخارجية ولا في الموقف من إقامة دولة فلسطينية.
وبذلك، فإن الانتخابات تضع الناخبين أمام سؤالين متمايزين: هل تستطيع المعارضة تغيير القيادة وإعادة التوازن إلى المؤسسات؟ وهل تملك -في الوقت نفسه- مشروعا مختلفا بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والسياسات الأمنية التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة؟
من مفارقات الانتخابات أنها قد تؤدي إلى محاسبة القيادة على إخفاق أمني كبير، ولكن من دون أن تفضي بالضرورة إلى مراجعة الأسس التي تحكم السياسة الأمنية الإسرائيلية
7 أكتوبر وأزمة المساءلة
يشكّل هجوم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 محورا أساسيا في المنافسة الانتخابية، ويشير بن إلى أن المعارضة -وعلى رأسها آيزنكوت- تحمّل نتنياهو المسؤولية السياسية عن الإخفاق في منع الهجوم، منتقدة تعامله مع التحذيرات الأمنية ورفضه إجراء تحقيق مستقل وشامل في ملابسات ما حدث.
وفي المقابل، يحمّل نتنياهو ومؤيدوه المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية جانبا من المسؤولية، لكن ألوف بن يرى أن المعسكرين -رغم خلافهما بشأن المسؤولية عن الإخفاق- يتشاركان توجها أمنيا يقوم على التشديد على التهديدات المحيطة بإسرائيل، وعلى الشك في إمكان التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين.
وهنا تظهر إحدى مفارقات الانتخابات، فهي قد تؤدي إلى محاسبة القيادة على إخفاق أمني كبير، ولكن من دون أن تفضي بالضرورة إلى مراجعة الأسس التي تحكم السياسة الأمنية الإسرائيلية.
نظام انتخابي معقد
وتشرح إفرات ليفني -في تقرير بصحيفة نيويورك تايمز تحت عنوان “الانتخابات الإسرائيلية عالية المخاطر: ما الذي تنبغي معرفته؟”- أن تصدُّر أي حزب إسرائيلي نتائج الاقتراع لا يمنحه تلقائيا رئاسة الحكومة، لأن النظام الانتخابي الإسرائيلي يعتمد التمثيل النسبي. ويضم الكنيست 120 مقعدا، مما يجعل تشكيل الحكومة مرهونا بالحصول على دعم 61 نائبا على الأقل.
وبحسب التقرير، فإن إعلان النتائج الرسمية سينتظر يوم 4 نوفمبر/تشرين الثاني، ثم تبدأ المشاورات التي يجريها الرئيس إسحاق هرتسوغ مع ممثلي الكتل البرلمانية، قبل تكليف مرشح بتشكيل الحكومة، ويحصل المرشح على 28 يوما للتفاوض، مع إمكانية طلب تمديد لمدة 14 يوما.
وتشير بيانات معهد الديمقراطية الإسرائيلي -كما نقلتها الصحيفة- إلى أن تشكيل الحكومات استغرق تاريخيا ما بين 20 و100 يوم، لذلك قد لا ينهي إعلان النتائج حالة عدم اليقين، بل يفتح مرحلة جديدة من المفاوضات والمساومات السياسية.
وتزداد أهمية الأحزاب الصغيرة في هذه المرحلة، إذ يمكنها ترجيح كفة أحد المعسكرين مقابل تنازلات تتعلق بالحقائب الوزارية أو السياسات الدينية والقضائية والأمنية.
أربعة سيناريوهات لمستقبل السلطة
في تقريرهما “أربع طرق قد تنتهي بها الانتخابات الإسرائيلية في نهاية المطاف”، يوضح آرون بوكسرمان وجوش هولدر -في نيويورك تايمز- أن كلا المعسكرين قد يواجه صعوبة في بلوغ الأغلبية البرلمانية.
واستنادا إلى استطلاع لقناة “كان” الإسرائيلية بالتعاون مع مؤسسة كانتار في 18 أكتوبر/تشرين الأول، فقد حصل حزب “ياشار” -بقيادة آيزنكوت- على 23 مقعدا مقابل 21 مقعدا لحزب الليكود بقيادة نتنياهو، وتوقّع الاستطلاع حصول معسكر نتنياهو على 51 مقعدا، مقابل 57 للمعسكر المعارض، وهي أرقام استطلاعية لا تمثل نتائج نهائية.
ويتمثل السيناريو الأول المتوقع في تشكيل آيزنكوت ائتلافا من أحزاب المعارضة، لكنه سيواجه خلافات أيديولوجية بين مكوناته، فضلا عن صعوبة التعاون مع الأحزاب العربية. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في نجاح نتنياهو في جمع حلفائه اليمينيين والدينيين أو استقطاب أطراف إضافية. ويشمل السيناريو الثالث تشكيل حكومة وحدة أو ترتيب لتقاسم السلطة. بينما يتمثل السيناريو الرابع في فشل المفاوضات والعودة إلى الانتخابات المبكرة.
وتوضح هذه الاحتمالات أن التحدي لا يتعلق فقط بعدد المقاعد، بل بقدرة الأحزاب على بناء ائتلاف قادر على الاستمرار.
وصول آيزنكوت إلى السلطة لن يعني بالضرورة تحولا جذريا في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، لأن معظم الأحزاب اليهودية الإسرائيلية لا تؤيد إقامة دولة فلسطينية في الظروف الراهنة
تغيير القيادة وحدود التحول تجاه الفلسطينيين
ويرى ألوف بن أن وصول آيزنكوت إلى السلطة لن يعني بالضرورة تحولا جذريا في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، لأن أغلبية الأحزاب اليهودية الإسرائيلية -وفق تحليله- لا تؤيد إقامة دولة فلسطينية في الظروف الراهنة، كما دعمت قوى معارضة لنتنياهو العمليات العسكرية في غزة والهجمات على إيران، وإن اختلفت معه بشأن إدارتها ونتائجها.
ومع ذلك، توجد فروق بين الرجلين، خصوصا بشأن عنف المستوطنين في الضفة الغربية وبعض مشاريع الاستيطان؛ ويشير ألوف بن إلى أن آيزنكوت أكثر انتقادا لهذه الاعتداءات، كما يعارض مشروع الاستيطان المعروف باسم “E1” الذي يحذّر منتقدوه من أنه قد يقوض التواصل الجغرافي الضروري لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
لكن قدرة أي حكومة جديدة على ترجمة هذه الاختلافات إلى سياسات فعلية ستظل رهينة بتوازنات الائتلاف، فإذا احتاج آيزنكوت إلى أحزاب يمينية لضمان الأغلبية، فقد يجد صعوبة في تبني خطوات تتعارض مع مواقفها بشأن الاستيطان أو السيادة الفلسطينية.
تكاليف السياسات الإسرائيلية
ويحذّر ألوف بن من أن استمرار الحرب والتوسع الاستيطاني قد يزيدان التكاليف الدبلوماسية والاقتصادية على إسرائيل، ويشير إلى تصاعد الانتقادات الدولية بشأن الدمار في غزة، وإلى إجراءات بريطانية أعلنتها لندن في سبتمبر/أيلول 2025 تتعلق بالمستوطنات والجهات المشاركة في تمويلها وبنائها.
كما يلفت إلى تنامي النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن تقييد المساعدات العسكرية ونقل التكنولوجيا إلى إسرائيل، ويرى أن وصول آيزنكوت قد يتيح فرصة لتحسين العلاقات مع بعض الشركاء الدوليين، لكنه يحذر من أن هذه الفرصة ستظل محدودة إذا لم تتغير السياسات الأساسية تجاه الفلسطينيين.
وفي المقابل، قد يؤدي استمرار نتنياهو وحلفائه إلى اتساع العزلة، وزيادة الضغوط بشأن الاستيطان والعمليات العسكرية، وتظل العلاقة مع الولايات المتحدة عنصرا حاسما في حسابات إسرائيل الأمنية والدبلوماسية.
وعلى العموم، تكشف هذه المقالات أن الانتخابات الإسرائيلية تمثل اختبارا لمستقبل المؤسسات الديمقراطية، ولقدرة النظام السياسي على إنتاج حكومة مستقرة، لكنها لا تضمن تحولا في السياسات تجاه الفلسطينيين ولا في المقاربة الأمنية الإقليمية.
إذا غادر نتنياهو السلطة، فقد تتغير طريقة إدارة بعض الملفات الداخلية والعلاقات الدولية، لكن التوازنات الحزبية والمواقف السائدة بشأن الدولة الفلسطينية ستقيد هامش التحرك. أما إذا بقي في الحكم، فقد تستمر المواجهة الداخلية حول القضاء والديمقراطية، بالتوازي مع مخاطر اتساع العزلة الدولية.
المصدر: فايننشال تايمز + فورين أفيرز + نيويورك تايمز