روكب اليوم
يكشف الباحث في الشأن الأفريقي إدريس آيات كيف تحول القرن الأفريقي إلى ساحة تنافس دولي تقودها الموانئ والممرات البحرية، مع تصاعد النفوذ الإسرائيلي وتداعياته على الأمن القومي العربي ومكانة قناة السويس.
ويرى الباحث المختص في شؤون القرن الأفريقي إدريس آيات أن هذا التحول ترافق مع توسع النفوذ الإسرائيلي، بما يعيد رسم موازين القوة في منطقة تمس بصورة مباشرة الأمن القومي العربي.
اقرأ أيضا
list of 4 itemsend of list
وفي حديثه لبرنامج “موازين ” على شاشة الجزيرة، أوضح آيات أن مفهوم القرن الأفريقي يضم -في معناه الجغرافي الضيق- إثيوبيا والصومال وجيبوتي وإريتريا، لكنه يتسع سياسيا ليشمل السودان وجنوب السودان وكينيا وأوغندا، بفعل الترابط الأمني والإثني والمصالح المشتركة التي جعلت أزمات هذه الدول متداخلة إلى حد بعيد.
ويعزو الباحث الأهمية المتزايدة للمنطقة إلى 3 عوامل رئيسة، أولها إشرافها على مضيق باب المندب الذي تمر عبره نسبة مؤثرة من تجارة العالم وإمدادات الطاقة، بما يمنحه مكانة إستراتيجية في حسابات القوى الكبرى وسلاسل الإمداد العالمية.
أما العامل الثاني فيتمثل في تحول القرن الأفريقي إلى نقطة ارتكاز للبنية التحتية الرقمية العالمية، إذ تمر عبره كابلات الاتصالات البحرية التي تربط آسيا والشرق الأوسط بالأسواق الأوروبية، وهو ما جعل السيطرة على المنطقة تتجاوز الاعتبارات العسكرية إلى التنافس على الاقتصاد الرقمي وتدفقات البيانات.
ويضيف آيات أن العامل الثالث يرتبط بالاكتشافات المتزايدة لما تعرف بـ”معادن المستقبل”، وعلى رأسها الليثيوم والمعادن النادرة اللازمة للصناعات التكنولوجية، الأمر الذي زاد حدة التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ودفعهما إلى تعزيز حضورهما في المنطقة بالتوازي مع سباق النفوذ البحري.
ولا يقتصر هذا التنافس -وفق الباحث- على الموارد والممرات، بل يمتد إلى مراقبة أهم المضائق البحرية، سواء باب المندب أو مضيق غواردافوي المطل على المحيط الهندي، إذ تمثل هذه الممرات شرايين حيوية للتجارة الدولية، كما تمنح القوى المسيطرة عليها قدرة أكبر على التأثير في حركة الاقتصاد العالمي.
ممرات بديلة
وفي هذا السياق، يربط آيات بين تنامي الاهتمام الإسرائيلي بميناء بربرة في “أرض الصومال” ومساعي تل أبيب لإعادة تشكيل خريطة التجارة الإقليمية، موضحا أن المشروع لا يستهدف منافسة قناة السويس بصورة مباشرة بقدر ما يسعى إلى تقليص احتكارها التاريخي لحركة العبور، عبر إنشاء ميناء ذكي يشكل حلقة أساسية في ممرات النقل الجديدة.
ويرى الباحث أن هذا المشروع يتقاطع مع مشروع “الممر الاقتصادي الهند/ الشرق الأوسط/ أوروبا”، الذي يقوم على نقل البضائع من الهند والخليج إلى إثيوبيا برا، ثم إلى ميناء بربرة، قبل شحنها إلى ميناء إيلات ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، بما يمنح إسرائيل دورا محوريا في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وتوقع آيات أن يكون لهذا المسار انعكاس مباشر على الاقتصاد المصري، إذ إن تحويل جزء من حركة التجارة إلى بربرة سيقلل من المزايا الجيوسياسية التي تمتعت بها قناة السويس لعقود، معتبرا أن المسألة تتجاوز المنافسة التجارية إلى إعادة توزيع النفوذ على الممرات البحرية.
وأوضح أن تطوير الميناء يحظى بدعم فني وأمني إسرائيلي، ضمن رؤية أشمل تربط البنية اللوجستية بالتقنيات الذكية، بما يسمح بإدارة حركة الملاحة ومراقبة المخاطر، بالتوازي مع تعزيز الحضور الإسرائيلي على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر.
وفي المقابل، لفت الباحث إلى أن المشروع يهدد أيضا مصالح جيبوتي وكينيا، اللتين تعتمد موانئهما بصورة كبيرة على تجارة الترانزيت الإثيوبية، إذ إن حصول أديس أبابا على منفذ بحري عبر بربرة سيعيد رسم شبكة التجارة في المنطقة، ويخفض الإيرادات التي تحققها الدولتان من حركة البضائع الإثيوبية.
ويربط آيات هذا التحول بالطموح الإثيوبي المستمر لإنهاء وضعها بوصفها دولة حبيسة، مؤكدا أن الوصول إلى البحر الأحمر أصبح قضية تحظى بإجماع داخل النخبة السياسية والعسكرية في إثيوبيا، التي ترى أن مستقبلها الاقتصادي والإقليمي مرهون بامتلاك منفذ بحري دائم.
توازنات متغيرة
وانطلاقا من هذه المعادلة، يرى إدريس آيات أن التنافس بين مصر وإثيوبيا يتجاوز الخلاف حول سد النهضة، ليشمل صراعا على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، موضحا أن القاهرة تتعامل مع التحركات الإثيوبية باعتبارها تهديدا لأمنها القومي، سواء على مستوى المياه أو الملاحة أو التوازنات الإقليمية.
وفي هذا الإطار، يشير الباحث إلى أن مصر تبنت تقوم على توسيع شراكاتها مع دول الجوار الإثيوبي، وفي مقدمتها الصومال وإريتريا، بهدف احتواء أي تمدد نحو البحر الأحمر، في وقت تنظر فيه عدة دول عربية وإسلامية إلى التقارب الإثيوبي الإسرائيلي باعتباره مدخلا لتعزيز النفوذ الإسرائيلي على الضفة الغربية للبحر الأحمر.
وتناول آيات أبعاد الحضور الإسرائيلي في القرن الأفريقي، معتبرا أنه امتداد لإستراتيجية قديمة تقوم على بناء تحالفات مع القوى غير العربية المحيطة بالمنطقة، بما يتيح لتل أبيب توسيع هامشها الجيوسياسي والحد من تأثير الدول العربية في البحر الأحمر وشرق أفريقيا.
وأشار إلى أن العلاقات الإسرائيلية مع إثيوبيا تعود إلى عقود، قبل أن تتوسع لاحقا نحو دول أخرى، عبر أدوات تجمع بين التعاون العسكري والدبلوماسي والمشروعات الاقتصادية، مستفيدة من التناقضات الإقليمية والصراعات الحدودية لتعزيز حضورها في منطقة شديدة الحساسية.
ويرى الباحث أن وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر -إذا تحقق- سيُقرأ عربيا باعتباره تحولا في موازين الأمن الإقليمي، إذ سيمنح حليفا وثيقا لإسرائيل موطئ قدم على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، وهو ما يفسر مساعي القاهرة إلى بناء تحالفات مضادة للحفاظ على التوازن القائم.
وفي المقابل، توقع أن تشهد المنطقة تصاعدا في الحروب بالوكالة مع ازدياد تزاحم المشاريع الدولية، مرجحا بروز مواجهات غير مباشرة بين قوى إقليمية متنافسة، في ظل سعي كل طرف إلى ترسيخ نفوذه عبر دعم حلفائه المحليين وتأمين مصالحه الإستراتيجية.
كما حذر من أن استمرار هذا المسار قد يقود إلى ما وصفها بـ”خصخصة السيادة “، عبر تشجيع كيانات انفصالية أو أقاليم تتمتع باستقلال فعلي مقابل السيطرة على الموانئ والموارد الحيوية، الأمر الذي يهدد بإعادة رسم الخريطة السياسية للقرن الأفريقي خلال السنوات المقبلة.
Published On 5/8/2026