الثابت الذي “لا يثبت”.. لغز الجاذبية الذي حير الفيزياء بعد 3 قرون | علوم


روكب اليوم

يحتفل ثابت الجاذبية (Gravitational constant) هذا العام بعيد ميلاده الـ340، وهو أقدم الثوابت الأساسية في علم الفيزياء على الإطلاق. فقد وُضع هذا الثابت، المعروف عاطفيا بين العلماء باسم “جي الكبير” (Big G) لأول مرة في قلب قانون نيوتن للجذب العام أثناء صياغته عام 1686، ونُشر رسميا بعد ذلك بعام كقيمة تقديرية لم تُقس بعد في كتاب نيوتن الشهير “المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية”.

لكن المفارقة الساخرة تكمن في أنه بعد كل هذه القرون، لا يزال “جي الكبير” الثابت الأساسي الأقل دقة وتحديدا من حيث القيمة الرقمية بين جميع الثوابت الفيزيائية.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ويقدر العلماء حاليا نطاقا من القيم المتضاربة التي تم التوصل إليها لـ”جي الكبير” مما يعني أننا لا نستطيع أن نكون متأكدين تماما مما إذا كنا نمتلك فهما جيدا للجاذبية، أم أن هناك حلقة مفقودة في صياغتنا الرياضية لها.

رسم توضيحي تاريخي يظهر تجربة الفيلسوف الطبيعي الإنجليزي “هنري كافنديش” باستخدام ميزان اللّي لقياس ثابت الجاذبية العام (غيتي)

هذا هو الوضع المعقد الذي أمضى “ستيفان شلامينغر” من المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في فرنسا، السنوات العشر الماضية محاولا حله؛ وهي محاولة انتهت بفتح مظروف مغلق يحتوي على إجابة مجهولة، في مشهد يشبه حفل توزيع جوائز الأوسكار أو أي حفل ترفيهي ضخم، أكثر من كونه تجربة فيزيائية معملية.

سر الجاذبية الدفين وقلق علماء القياس

ومع ذلك، فإن هذه الإثارة الدرامية مبررة تماما؛ إذ يدخل “جي الكبير” في عدد هائل من المعادلات التي نستخدمها لوصف الكون، لدرجة أن عدم اليقين في قيمته يسبب حالة من عدم الارتياح للعلماء، وخاصة لعلماء المترولوجيا (علم القياس)، وهو تخصص يدرسه علماء يكرسون حياتهم لعلوم القياس الدقيق، مثل شلامينغر.

وفي تصريح لموقع “سبيس كوم” قال “شلامينغر”: “إن “جي الكبير” هو السر الأفضل كتمانا في علم الجاذبية. إنه يقبع في هذا الموقف الغريب: فهو أقدم ثابت أساسي نعرفه، كتبه نيوتن في عام 1687، ومع ذلك فهو الأقل دقة ومعرفة بينها جميعا. هذا يتبدى لي كواحد من أكبر الأمور المخزية والمعلقة دون حل في الفيزياء”.

وكان تم إدخال ثابت الجاذبية كجزء من المعادلة التي تدعم قانون نيوتن للجذب العام، والذي يصف قوة التجاذب المؤثرة بين كل جسيم في الكون، والتي تتناسب عكسيا مع مربع المسافة الفاصلة بين مراكز كتل تلك الجسيمات. وبينما تعد الكتل والمسافات المستخدمة في هذه المعادلات متغيرات قابلة للتعديل، تظل قيمة “G الكبير” ثابتة لا تتغير. بناء على ذلك، فإن هذا الثابت الأساسي هو المفتاح الحاسم لحساب قوة الجاذبية في أي مكان من الكون المعروف.

من نيوتن إلى أينشتاين.. صمود الثابت العنيد

في عام 1915، حلت نظرية أينشتاين الهندسية للجاذبية، المعروفة بـ”النسبية العامة” محل نظرية نيوتن. وترى نظرية أينشتاين أن هذه القوة الأساسية تنشأ من انحناء نسيج الزمكان (Spacetime) وهو الاتحاد رباعي الأبعاد بين الزمان والمكان، الناجم عن الأجسام ذات الكتلة. ومع ذلك، نجا “جي الكبير” من هذا التحول الفكري الجذري، وإن كان لدوره تفاصيل منقحة ومعدلة قليلا.

وأوضح شلامينغر أن “جي الكبير” هو ثابت أساسي، وعلى هذا النحو، فهو متأصل ومدمج في كوننا وله قيمة محددة وثابتة في كل زمان ومكان، فهو يحدد قوة الجاذبية في الفيزياء النيوتنية. أما في نظرية أينشتاين للجاذبية، فهو يحدد مدى مرونة الزمكان؛ فكلما صغرت قيمته زادت مقاومة الزمكان للانحناء أو التشوه بفعل الأجسام الضخمة مثل النجوم أو الكواكب.

ويعود الفضل في المحاولة الأولى لقياس “جي الكبير” إلى الفيزيائي الإنجليزي “هنري كافنديش” في عام 1798. حيث تمكن من قياس قوى التجاذب المغناطيسي والجاذبي بين كرات رصاصية كبيرة وصغيرة باستخدام ميزان الليّ، وبذلك استطاع حساب كثافة كوكب الأرض والتوصل إلى أول قيمة دقيقة لـ”جي الكبير”.

ومع ذلك، وحتى مع التقدم الهائل في المعدات العلمية وقدرات الحوسبة على مدار 227 عاما الماضية، ظل “جي الكبير” عصيا على القياس الدقيق بشكل استثنائي.

القوة الأضعف في الكون ومصيدة الانغلاق الفكري

تعد الجاذبية القوة الأضعف من بين القوى الأساسية الأربع في الطبيعة، مما يجعل عزلها وقياسها بدقة أمرا صعبا للغاية. إذ لا يمكنك الحجب أو الحماية ضد الجاذبية بالطريقة التي تحجب بها الحقول الكهربائية أو المغناطيسية؛ فكل شيء ينجذب ويلتحم بكل شيء آخر، طوال الوقت”.

وأوضح شلامينغر أنه على عكس معظم تجارب الفيزياء التي يمكن للعلماء فيها “تضخيم الإشارة”، فإن الباحثين في هذا المجال عالقون ومقيدون بالعمل مع ما تقدمه الجاذبية بشكل طبيعي فقط.

العالم “ستيفان شلامينغر” (يسارا) وزميله “فينسنت لي” يتفحصان ميزان اللّي الدقيق المستخدم في مختبرات لقياس ثابت الجاذبية “جي الكبير” (المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا)

وأضاف: “لدينا الآن 17 قياسا لـ”جي الكبير”، ومع ذلك فهي لا تزال تشتت وتتباعد أكثر مما ينبغي، فلا أحد يعرف السبب وراء ذلك. ولقد شعرنا بالفزع والاضطراب بسبب هذا التشتت الكبير في مجموعة البيانات. وبالنسبة لعالم مقاييس، فإنه لأمر غير مرضٍ بالمرة أن تكون لديك قياسات لا تلتقي أو تتقارب”.

ولإجراء قياسهم الخاص لـ”جي الكبير”، قام شلامينغر وفريقه من العلماء بمحاكاة تجربة قياس دقيقة تم إجراؤها في الأصل من قِبل المكتب الدولي للأوزان والمقاييس في مدينة سيفر بفرنسا، ونقلوها إلى المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في غايثرسبيرغ بولاية ماريلاند الأمريكية. وقد انطوت هذه العملية على مخاطرها الخاصة، لاسيما الفخاخ الفكرية التي كان الباحثون حريصين للغاية على تجنبها.

وقال شلامينغر: “أردنا التأكد من أننا لم نقع في الفخ المعروف باسم “الانغلاق الفكري التدريجي”، ويحدث هذا عندما تنظر إلى نتيجة قياسك وتقارنها بالقيمة المنشورة في المراجع العلمية السابقة أو القيمة المقاسة سابقا باستخدام نفس الأداة. وفي هذه الحالة، قد تتوقف لا شعوريا عن البحث والتدقيق عندما يتوافق قياسك مع التوقعات المسبقة لديك. وهذا ليس تعمدا، بل يحدث على مستوى لا وعي، ومن الصعب جدا الاحتراس منه”.

خدعة المظروف المغلق وأطنان الأرض الزائدة

وللتغلب على هذه المعضلة، ابتكر شلامينغر فكرة رائعة: حيث طلب من زميل له في “مجموعة الكتل” وضع قيمة إضافية مجهولة أو “انحياز متعمد” تضاف إلى الأوزان المستخدمة في التجربة دون أن يعلم الفريق بقيمتها. وهذا يعني أن شلامينغر وزملائه لن يعرفوا القيمة الحقيقية لـ”جي الكبير” التي توصلوا إليها إلا بعد الكشف عن هذا الانحياز المخفي.

وتابع شلامينغر: “لقد جعلنا مجموعة الكتل تضيف انحيازا سريا إلى جميع الكتل التي وزنوها من أجلنا. وتم حفظ هذه القيمة الانحيازية داخل مظروف مغلق، ولم نفتح المظروف إلا بعد أن كنا راضين تماما عن الاتساق الذاتي لبياناتنا”

وقد تأجل فتح هذا المظروف إلى ما بعد عامين من الموعد الذي كان مقررا له في الأصل عام 2022؛ ووقع هذا التأخير لأن شلامينغر أدرك فجأة أنه أغفل عاملا دقيقا ولكنه مهم للغاية يتعلق بضغط الهواء في حساباته الرياضية. وعند فتح المظروف، تبين أن قيمة “جي الكبير” التي وصل إليها الفريق كانت أقل بمقدار 0.000064 من القيمة المعتمدة حاليا من قِبل “لجنة بيانات المجلس الدولي للعلوم”.

ويشرح شلامينغر الفارق قائلا: “إذا كان لديك ساعة، وكانت نسبة الخطأ في دقتها تعادل نسبة الاختلاف هذه 0.000064، فإن هذه الساعة ستتأخر بنحو 34 دقيقة بعد مرور عام”.

هذا الاختلاف قد يبدو ضئيلا وتافها، لكنه ينطوي على دلالات علمية مثيرة للغاية؛ على سبيل المثال، إذا كانت قيمة “جي الكبير” التي توصل إليها هذا الفريق صحيحة، فإن هذا يعني أن كتلة كوكب الأرض أكبر من القيمة المقبولة حاليا بنحو 360 كوادريليون طن (360 وأمامها 15 صفرا).

واختتم شلامينغر حديثه قائلا: “أريد أن أكون واضحا: اللغز لم يُحل بعد، وإن الخلاف الجوهري الكامن بين التجارب المختلفة سيظل قائما، في انتظار شخص ما ليفسره، وهذا هو الشيء الذي يبقي هذا المجال حيا ونشطا”.

أما بالنسبة لعالم المقاييس هذا، فإن عشر سنوات من البحث والتقصي وراء “جي الكبير” تبدو كافية في الوقت الحالي، حيث أضاف: “في الوقت الحالي، سأتراجع خطوة إلى الوراء عن الثوابت الأساسية، فهذه القياسات تستغرق سنوات، بل عقودا في بعض الأحيان، وتستهلك الكثير من طاقتك وجهدك. وبالنسبة لي، سأوجه اهتمامي نحو القياسات الدقيقة للكميات الكهربائية، والمقاومات، والمكثفات، حيث آمل أن أثير هناك كمية مماثلة من المتاعب!”، وقد نُشرت نتائج الفريق رسميا في مجلة “ميترولوجيا” (Metrologia).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks