الجائحة المقبلة: هل العالم أكثر استعداداً أم ما زال عرضة للمفاجآت؟ : روكب اليوم الاقتصادية


روكب اليوم
2026-06-21 19:45:00

KWIKMOTION DEFAULT IMAGE

بعد أكثر من ست سنوات على تفشي جائحة كوفيد-19، لا يزال السؤال الذي يشغل الحكومات والمؤسسات الصحية حول العالم قائماً: هل بات العالم أكثر استعداداً لمواجهة الجائحة المقبلة، أم أن خطر تكرار سيناريو الإغلاقات والاضطرابات الاقتصادية لا يزال قائماً؟

وفي مقابلة مع روكب اليوم الاقتصادية على هامش الاجتماعات السنوية للبنك الإسلامي للتنمية المنعقدة في باكو بأذربيجان، قالت المديرة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، الدكتورة حنان بلخي، إن “الشيء الذي يقلق العالم جميعاً هو وجود فيروس جديد سهل الانتقال بين الدول”، مشيرة إلى أن الجاهزية الصحية العالمية يمكن أن تكون دائماً أفضل مما هي عليه اليوم.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت لا يزال فيه العالم يواجه تهديدات صحية متجددة، فخلال الأشهر الأخيرة، عاد فيروس هانتا إلى دائرة الاهتمام العالمي بعد تسجيل حالات إصابة في الولايات المتحدة، فيما تواصل السلطات الصحية في عدد من الدول الإفريقية احتواء بؤر جديدة لفيروس إيبولا، وتؤكد هذه التطورات أن خطر الأمراض المعدية لم يختفِ، وأن الاستثمار في الجاهزية الصحية والكشف المبكر لا يزال يشكل خط الدفاع الأول أمام أي انتشار واسع للأوبئة.

الكشف المبكر.. خط الدفاع الأول

ترى منظمة الصحة العالمية أن القدرة على الكشف المبكر عن الأمراض والجراثيم الناشئة تمثل حجر الأساس في منع تحول أي تفشٍ محدود إلى جائحة عالمية.

وأوضحت بلخي أن المنظمة تركز بصورة كبيرة على دعم أنظمة الصحة العامة وهيئات الصحة الوطنية لتعزيز قدرتها على رصد المؤشرات المبكرة لانتشار الأمراض بشكل يومي ومستمر.

لكنها أقرت بأن القدرات الحالية لا تزال أقل من المستوى المأمول، مؤكدة وجود فرصة كبيرة لتحسين أنظمة الإنذار المبكر والاستجابة السريعة في العديد من الدول.

ويُحذّر خبراء الصحة العامة منذ سنوات من أن الاستثمار في أنظمة الترصد الوبائي غالباً ما يأتي متأخراً، رغم أن كلفته تبقى أقل بكثير من كلفة الاستجابة لأزمة صحية عالمية بعد وقوعها.

لماذا يصعب تمويل الاستعداد للأوبئة؟

أحد أبرز التحديات التي تواجه جهود الاستعداد الصحي يتمثل في التمويل.

فبحسب بلخي، لا تحظى برامج الوقاية والاستعداد المبكر عادة بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الأزمات بعد وقوعها، لأن نجاح هذه البرامج يعني ببساطة منع حدوث الكارثة، وهو أمر لا يلفت الانتباه بالقدر نفسه.

وقالت إن التجهيز المبكر يتطلب «استراتيجية تقنية وسياسية وتمويلية»، إلى جانب توفير التمويل اللازم لتعزيز أنظمة الكشف المبكر وبناء القدرات الوطنية.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الاستثمار السنوي المطلوب لتعزيز الجاهزية الوبائية عالمياً يبقى محدوداً مقارنة بالخسائر الاقتصادية الهائلة التي خلفتها جائحة كوفيد-19، والتي قُدرت بتريليونات الدولارات.

كوفيد كشف هشاشة سلاسل الإمداد

لم تقتصر تداعيات جائحة كوفيد-19 على القطاع الصحي فقط، بل امتدت إلى التجارة والصناعة وسلاسل الإمداد العالمية.

فخلال الجائحة، واجهت دول عديدة صعوبات في الحصول على اللقاحات والأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، مع سعي كل دولة إلى تأمين احتياجاتها الداخلية أولاً.

وترى بلخي أن هذا الواقع أعاد ملف الأمن الدوائي والتصنيع المحلي إلى صدارة الأولويات الصحية.

وأوضحت أن تعزيز الصناعة الدوائية المحلية بات جزءاً أساسياً من أجندة منظمة الصحة العالمية، خصوصاً في الدول التي واجهت صعوبات في الوصول إلى اللقاحات أو المستلزمات الطبية خلال الجائحة.

وأضافت أن المنظمة تعمل أيضاً على بناء شراكات مع مؤسسات دولية متعددة، من بينها البنك الإسلامي للتنمية، بهدف تعزيز قدرات الدول الأعضاء على الاستجابة للأزمات الصحية المستقبلية.

هل نسي العالم دروس كوفيد؟

رغم حجم الخسائر التي سببتها جائحة كوفيد-19، تعتقد بلخي أن العالم يميل إلى نسيان الأوبئة بسرعة.

وقالت إن سنوات عملها في مجال الأوبئة أظهرت أن الاهتمام العالمي يتراجع تدريجياً بمجرد انتهاء الأزمة، حتى وإن كانت تداعياتها كبيرة.

وأضافت أن كوفيد-19 كان مختلفاً عن غيره من الأوبئة، ليس فقط بسبب انتشاره الواسع، بل أيضاً بسبب تأثيراته الاقتصادية العميقة وكشفه عن هشاشة العديد من الأنظمة الصحية، بما في ذلك في الدول التي كانت تعتقد أنها مستعدة بشكل كامل لمواجهة الأزمات الصحية الكبرى.

وترى بلخي أن الدروس المستفادة من الجائحة لا تزال تشكل المحرك الرئيسي للجهود الحالية الرامية إلى تعزيز الجاهزية الصحية، سواء من خلال التعاون بين منظمة الصحة العالمية والمؤسسات الدولية، أو عبر شراكات جديدة مع بنوك التنمية.

تعاون إقليمي لتعزيز الجاهزية

وفي منطقة الشرق الأوسط، ترى منظمة الصحة العالمية أن التفاوت في القدرات بين الدول يمكن أن يتحول إلى فرصة لتعزيز التعاون الإقليمي.

وأشارت بلخي إلى وجود نماذج عديدة للتعاون بين دول المنطقة، من بينها مساهمة الهيئة العامة للغذاء والدواء في السعودية في دعم وتقوية الهيئات التنظيمية في دول أخرى، إضافة إلى مبادرات مماثلة تقودها مصر.

كما لفتت إلى الدور الذي تلعبه الإمارات العربية المتحدة، خصوصاً من خلال مركز الاستجابة اللوجستي التابع لمنظمة الصحة العالمية في دبي، والذي وفر دعماً مهماً للدول خلال الأزمات الإنسانية والضغوط الوبائية.

وأكدت أن التعاون بين دول الخليج والدول الأخرى في المنطقة يشهد تطوراً مستمراً، خاصة في مجالات بناء القدرات، وتعزيز الأمن الدوائي، وتحسين الاستجابة للطوارئ الصحية.

وفي عالم تزداد فيه حركة السفر والتجارة والترابط الاقتصادي، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كان وباء جديد سيظهر، بل متى سيظهر، ومدى استعداد الأنظمة الصحية العالمية لاكتشافه واحتوائه قبل أن يتحول إلى أزمة جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks