روكب اليوم
2026-02-16 19:10:00

القمة، التي تستضيفها العاصمة الهندية في مركز بهارات ماندابام، تُعدّ الأولى من نوعها بهذا الحجم في الجنوب العالمي، وتأتي امتداداً لقمم سابقة عُقدت في المملكة المتحدة وكوريا الجنوبية وفرنسا، لكنها تنقل النقاش من إطار السلامة إلى الأثر الفعلي. وتنظم أعمالها وفق رؤية إنسانية ترتكز إلى ثلاث ركائز أساسية: الإنسان، والكوكب، والتقدم، وتتفرع عنها سبع مجموعات عمل تغطي تنمية المهارات، والتمكين الاجتماعي، والذكاء الاصطناعي الآمن، والبحث العلمي، والمرونة والابتكار، وإتاحة الموارد، وتسخير التقنية للنمو الاقتصادي.
بهذا الإطار، لا تقتصر القمة على الطروحات النظرية، بل تسعى إلى ترجمة الالتزامات السياسية إلى استثمارات وبنى تحتية ملموسة، وتشير تقديرات متداولة إلى أن الحدث يستهدف جذب ما يقارب 100 مليار دولار من الالتزامات الاستثمارية في مجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يعكس حجم الرهانات المرتبطة بهذا القطاع.
تكامل إماراتي–هندي
في قلب هذا الحراك، يتعزز التعاون بين أبوظبي ونيودلهي بوصفه نموذجاً عملياً لشراكة عابرة للحدود، فالهند تمتلك قاعدة بشرية ضخمة في قطاع التكنولوجيا، مع ملايين المطورين وأحد أكبر أسواق التقنية عالمياً، في المقابل، تمتلك الإمارات إمكانات تمويلية كبيرة، إلى جانب سرعة تنفيذ ورؤية استراتيجية واضحة للتحول الرقمي، فضلاً عن وصولها إلى أحدث تقنيات الحوسبة والشرائح المتقدمة.
هذا التكامل انعكس في مبادرات عملية، من بينها تطوير مجمعات حوسبة فائقة في الهند، توفّر قدرة معالجة عالية تتيح تدريب نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة محلياً، بما يعزز الاستقلالية التقنية ويحد من الاعتماد على بنى تحتية خارجية. كما برز مفهوم “السفارات الرقمية”، حيث تُقام مراكز بيانات في دولة شريكة مع بقاء البيانات خاضعة للسيادة القانونية للدولة المالكة لها، في صيغة توازن بين التعاون الدولي والحفاظ على التحكم.
نحو سيادة رقمية متعددة المسارات
في ظل التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد والقيود على تصدير التقنيات المتقدمة، تسعى دول عدة إلى بناء ما يمكن وصفه بـ“السيادة الرقمية”، من خلال تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمسار واحد، ويعكس التعاون الإماراتي–الهندي توجهاً أوسع داخل الجنوب العالمي نحو لعب دور أكثر فاعلية في إنتاج التكنولوجيا، لا الاكتفاء باستهلاكها.
القمة تجمع قادة سياسيين ومسؤولين تنفيذيين من شركات تكنولوجيا عالمية، إلى جانب ممثلين عن أكثر من 45 دولة، في مؤشر إلى أن الذكاء الاصطناعي بات ملفاً استراتيجياً يتقاطع فيه الاقتصاد بالأمن القومي والتنمية المستدامة. وتشمل الفعاليات معارض تقنية، ومنتديات بحثية، واجتماعات وزارية، إضافة إلى جلسات تركز على توسيع الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي وتعزيز المهارات.
حضور إماراتي رفيع
وتغطي «روكب اليوم الاقتصادية» أعمال القمة من نيودلهي، في وقت يشارك فيه وفد إماراتي رفيع المستوى برئاسة الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ورئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، ويعكس هذا الحضور إدراكاً متنامياً بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد قطاعاً قائماً بذاته، بل محركاً رئيسياً لإعادة تشكيل الاقتصادات.
في المحصلة، تكشف قمة نيودلهي عن تحوّل تدريجي في خريطة القوة الرقمية، فبدلاً من ثنائية مغلقة، يتبلور مسار قائم على شراكات متعددة، وتكامل في الموارد، وسعي إلى تحويل الجنوب العالمي من متلقٍ للتكنولوجيا إلى مساهم في صياغة مستقبلها.