
وجاءت الرسالة السبت، غداة إعلان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي استعداد بلاده لاتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن السعودية إذا طلبت منها ذلك، ودعوته مجلس النواب إلى عقد جلسة طارئة لمنحه التفويض اللازم في حال تلقي طلب سعودي. وأعلن المجلس بالفعل عقد جلسة عامة الأحد استجابة لدعوة الرئيس، من دون أن يتضمن الإعلان الأولي تفاصيل جدول أعمالها.
ويكشف التزامن بين الموقف المصري والرسالة الحوثية عن حساسية متزايدة تجاه احتمال تغير طبيعة الدعم الإقليمي للمملكة، في وقت تتواصل فيه الهجمات الحوثية على منشآت سعودية، وتتزايد المخاوف من أن يؤدي التصعيد إلى توسيع دائرة المواجهة ورفع كلفتها العسكرية والسياسية.
وحاول الراعي، في رسالته التي بثتها وكالة الأنباء اليمنية «سبأ» التابعة للحوثيين، استمالة القاهرة عبر استحضار العلاقات التاريخية بين مصر واليمن، والتحذير من أن انخراطها في تحرك عسكري داعم للسعودية سيضعها، بحسب تعبيره، في معركة لا تتفق مع دورها العربي والتاريخي.
ورفض رئيس البرلمان الموالي للجماعة ما وصفه بزج مصر في تحركات عسكرية تخدم السياسات السعودية في اليمن، متهما الرياض بالمسؤولية عن الحرب والحصار وتعطيل التفاهمات السياسية. وتعكس هذه الاتهامات الرواية الحوثية للصراع، ولا تمثل توصيفا محايدا لمسؤوليات أطرافه أو تعقيداته السياسية والعسكرية.
ولا يمكن فصل الرسالة عن السياق الذي جاءت فيه؛ إذ تسعى الجماعة، من خلال مخاطبة المؤسسة التشريعية المصرية، إلى التأثير في النقاش الداخلي بشأن حدود الدور الذي يمكن أن تؤديه القاهرة، وتقديم أي تدخل محتمل باعتباره انحيازا إلى طرف في الحرب اليمنية، وليس استجابة لاعتبارات الدفاع عن أمن السعودية.
لكن الرسالة لا تقدم دليلا على أن القاهرة اتخذت قرارا بالمشاركة في عمليات قتالية، كما لا تعني الدعوة إلى جلسة طارئة أن تدخلا عسكريا أصبح أمرا محسوما. فقد ربط السيسي التحرك المصري بتلقي طلب من الرياض، وقدم الموقف باعتباره دفاعيا، لا سعيا إلى شن هجوم أو فتح جبهة جديدة.
يستند الموقف المصري إلى اعتبار أمن السعودية والخليج جزءا من الأمن القومي المصري، وهو ما أكده السيسي في أكثر من مناسبة، كما برز في مباحثاته مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال زيارته القاهرة في 15 سبتمبر الماضي.
وتتجاوز أهمية العلاقة بين البلدين حدود التنسيق السياسي، بالنظر إلى تشابك مصالحهما الاقتصادية والأمنية، وارتباط استقرار البحر الأحمر وحرية الملاحة فيه بمصالح مصر الاستراتيجية، بما في ذلك حركة التجارة عبر قناة السويس.
وكانت مصر قد شاركت في التحالف الذي قادته السعودية عام 2015 لدعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، مع تركيز جانب مهم من دورها على أمن الملاحة في البحر الأحمر. ويعني ذلك أن أي تصعيد جديد لا ينفصل عن اعتبارات أمنية واقتصادية أوسع، تتجاوز حدود المواجهة البرية داخل اليمن.
ومن هذه الزاوية، فإن استعداد القاهرة لتقديم مساعدة دفاعية محتملة لا يقتضي بالضرورة إرسال قوات إلى جبهات القتال اليمنية؛ إذ يمكن أن تتخذ المساعدة أشكالا مختلفة، بحسب طبيعة الطلب السعودي والقرار المصري، بما في ذلك دعم الدفاعات أو تعزيز التنسيق الأمني. غير أن هذه الاحتمالات تظل تقديرات لما قد يشمله الدعم، وليست قرارات معلنة.
وتأتي التحركات المصرية وسط تصعيد حوثي شمل استهداف مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومنشآت مرتبطة بقطاع الطاقة، وهي هجمات رفعت المخاوف بشأن أمن المنشآت الحيوية والطيران المدني في المملكة. كما تزامن التصعيد مع تجدد القتال بين الحوثيين والقوات الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا.
وفي هذا السياق، يمكن فهم الرسالة الحوثية بوصفها محاولة لمنع تشكل جبهة دعم إقليمية أوسع للسعودية، أو على الأقل رفع الكلفة السياسية لأي خطوة مصرية محتملة. فدخول القاهرة، إذا حدث، قد يضيف ثقلا سياسيا وعسكريا إلى الموقف السعودي، ويضع الجماعة أمام حسابات مختلفة بشأن توسيع هجماتها أو الاستمرار في استهداف المنشآت السعودية.
ومع ذلك، لا يعني الموقف المصري بالضرورة الانتقال إلى حرب مفتوحة، كما لا تكفي الرسالة الحوثية وحدها للحكم على مدى تأثيرها في القرار المصري. فالفاصل بين إعلان التضامن وتقديم الدعم الدفاعي والمشاركة المباشرة في العمليات العسكرية يظل مهما في تقدير مآلات التصعيد.
وتتجه الأنظار إلى ما ستسفر عنه الجلسة البرلمانية المصرية، وإلى طبيعة أي طلب قد تتقدم به الرياض، باعتبارهما عاملين أساسيين في تحديد الخطوة التالية. وحتى تتضح هذه المعطيات، يبقى التحرك المصري احتمالا مشروطا، فيما تكشف الرسالة الحوثية أن مجرد طرحه بات عاملا مؤثرا في حسابات الجماعة.
وبذلك، لا يقتصر الاختبار على حدود الدعم الذي يمكن أن تقدمه القاهرة للسعودية، بل يمتد إلى قدرة الأطراف على منع التصعيد من التحول إلى مواجهة إقليمية أوسع، في وقت تتشابك فيه حسابات أمن المملكة مع استقرار اليمن وأمن البحر الأحمر.