الردع البريطاني المؤجل.. ستارمر يعد بالسلاح وبيرنهام يرث الفاتورة |


روكب اليوم

على حافة الرحيل، ينضم رئيس الوزراء كير ستارمر إلى سلالة طويلة من القادة الذين يكتشفون أن السلطة حتى وهي تضعف، لا تزال قادرة على ترتيب المستقبل وكتابة التزامات لمن سيأتي فيما بعد.

فقبل أن يطوي رئيس الوزراء كير ستارمر صفحته في داونينغ ستريت، وضع على مكتب خليفته المحتمل آندي بيرنهام ملفا يصعب تجاهله، يتضمن خطة دفاعية لعقد مقبل، و15 ملياراً من الجنيهات الإسترلينية (نحو 20 مليار دولار) من الإنفاق الجديد، واستعدادا معلنا لحرب محتملة مع روسيا، وفجوة تمويلية لم تسد بعد.

اقرأ أيضا

list of 3 itemsend of list

هكذا تحولت خطة الاستثمار الدفاعي -حسب قراءة صحف بريطانية- من محاولة أخيرة لكتابة إرث لرئيس الوزراء المستقيل إلى عبء مبكر على حكومة لم تتشكل بعد.

قال ستارمر إن الوثيقة تمثل “أفضل تقدير” لما تحتاجه البلاد عسكريا بحلول عام 2030، لكن منتقديها رأوا فيها مزيجا من إعادة إعلان برامج قديمة وأرقاما مضللة، وقرارات مؤجلة ستلاحق آندي بيرنهام في أول اختبار مالي وسياسي له.

إرث موضع شك

تقول مجلة إيكونوميست إن ستارمر، إذا كان يعوّل على خطة الاستثمار الدفاعي لتثبيت إرثه، فالأرجح أنه سيصاب بخيبة أمل.

وتقر المجلة بأن الوثيقة تتضمن ما هو “معقول بل وجريء”، لكنها ترى أن رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2.7% من الناتج المحلي بحلول عام 2029 يبدو محدودا في لحظة يسرع فيها الحلفاء الأوروبيون إلى إعادة التسلح، وتتزايد فيها التهديدات الدولية.

وتضيف المجلة أن قادة الناتو، في قمة أنقرة المقبلة التي قد تكون الظهور الأخير لستارمر رئيسا للوزراء، سيوجهون أسئلة صعبة بشأن قدرة بريطانيا على الوفاء بتعهدها برفع الإنفاق الدفاعي الأساسي إلى 3.5% من الناتج المحلي بحلول عام 2035.

أما الخبير الدفاعي فرانسيس توسا فكتب في صحيفة إندبندنت بنبرة أكثر قسوة، متسائلا عما إذا كانت هذه الوثيقة هي فعلا حصيلة عام وأربعة أشهر من العمل.

ووصفها بأنها خطة من نحو 70 صفحةً تعيد التفاخر بمشروعات أُقرت خلال العامين الماضيين، وتكرر إعلانات قديمة، وتقدم وعودا مبهمة بشأن التمويل، ثم تضيف إلى ذلك تعتيما متعمدا على تفاصيل الإنفاق.

ستارمر يتحدث عقب نشر خطة الاستثمار الدفاعي التي أثارت جدلا حول تمويلها وكلفتها على الحكومة المقبلة (الفرنسية)

أرقام مبهمة

وأشار توسا إلى أن إعلان وزارة الدفاع توفير نحو 300 مليار جنيه إسترليني خلال 4 سنوات لجعل الجيش البريطاني يحمل معدات متطورة ليس كما يبدو.

فهذا الرقم -حسب الكاتب- لا يمثل إنفاقا جديدا على المعدات والأنظمة، بل إجمالي ميزانية الدفاع خلال السنوات الأربع المقبلة، ولذلك يسأل توسا “إذا كانت الرسالة قوية كما تقول الحكومة، فلماذا تحتاج إلى تمويه الحقائق والأرقام؟ وهل الأموال المعلنة إضافية فعلا، أم أنها جزء من الميزانية المعتادة؟

ويرى الكاتب أن الخطة تقوم على قدر كبير من “الدخان والمرايا”، لكن حلفاء بريطانيا سيكونون قادرين على إدراك ذلك، بما يضعف ثقتهم بها كحليف دفاعي.

وتقول إيكونوميست إن وزير الدفاع الجديد دان جارفيس الذي تولى المنصب بعد استقالة وزير الدفاع جون هيلي احتجاجا على عدم توفير الموارد الدفاعية الكافية، يؤكد أن الدفاع سيكون “الأولوية الأولى” في مراجعة الإنفاق المقبلة.

لكن الصحيفة تلفت إلى أن الخطة لا تلزم خليفة ستارمر -أي آندي بيرنهام- إذا وصل إلى رئاسة الحكومة.

ستارمر يتحدث خلال فعالية مخصصة للإعلان عن خطة دفاعية جديدة تولي اهتماما خاصا لتطوير المسيرات (أسوشيتد برس)

رهان على المسيّرات

إذا كان في الخطة محور أكثر وضوحاً من غيره -كما كتب توسا- فهو التركيز على المسيّرات والأنظمة غير المأهولة، وهي الأسلحة التي أظهرت حرب أوكرانيا أثرها الكبير في تغيير طبيعة القتال.

وتقول إندبندنت إن أحد أبرز أرقام الخطة هو تخصيص 5 مليارات جنيه لـ”تحول المسيّرات” داخل القوات المسلحة، لكن توسا يشير إلى أن السؤال لا يزال قائما: هل هذه أموال جديدة فعلا؟ وهل ستصرف خلال السنوات الأربع المقبلة؟

وتقول إيكونوميست إن الحكومة تراهن على تعويض تراجع القدرات التقليدية عبر الاستثمار في أنظمة أقل كلفة وأكثر عددا، تشمل مسيّرات هجومية، ومركبات برية غير مأهولة، وأنظمة استهداف رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

وتصف المجلة مشروع “البحرية الهجينة” بأنه الأجرأ والأكثر إثارة للجدل، لأنه يقوم على مزيج من سفن مأهولة وأخرى غير مأهولة تحمل أسلحة ومستشعرات وأنظمة مضادة للغواصات.

وتنقل المجلة عن مدير العلوم العسكرية في معهد الخدمات الملكية المتحدة قوله إن التعويل على المسيّرات والأنظمة غير المأهولة يمثل “رهانا جريئا على التكنولوجيا”، لكنه رهان لا يحتمل بطء الشراء ولا تعثر التنفيذ.

آندي بيرنهام يلقي خطابا في مانشستر، حيث طرح أجندة تركز على إنعاش المناطق وتقليص مركزية الحكم في لندن (غيتي)

فاتورة بيرنهام

غير أن السؤال السياسي الأبرز -كما تكشف صحيفة آي بيبر – لا يتعلق بنوع السلاح بل بمن سيدفع ثمنه، فقد أفادت الصحيفة بأن ستارمر خاطر بإثارة خلاف كبير مع خليفته المحتمل، بعدما تبين أن آندي بيرنهام لم يكن على علم بكل تفاصيل فجوة تمويلية قدرها 4.7 مليارات جنيه في خطة الحرب البريطانية.

وتقول الصحيفة إن الخطة ستكلف 15 مليار جنيه إضافية، لكن وزيرة المالية راشيل ريفز تركت قرابة ثلث الحزمة بلا تمويل محدد حتى ميزانية الخريف.

ففي بيان مكتوب بعد نشر الخطة، قالت ريفز إن 10.3 مليارات جنيه “حددت الآن”، فيما سيحسم مبلغ 4.7 مليارات جنيه في ميزانية عام 2026 “بطريقة عادلة ومتوازنة”.

وأوضحت آي بيبر أن ذلك يعني أن وزير المالية في حكومة بيرنهام، إذا أصبح رئيساً للوزراء واستبدل ريفز بغيرها، سيجد نفسه أمام خيارين ثقيلين في أول ميزانية للإدارة الجديدة: إما البحث عن تخفيضات بقيمة 4.7 مليارات جنيه أو تمويل المبلغ بالاقتراض بما قد يصطدم بالقواعد المالية التي التزم بها بيرنهام نفسه.

بيرنهام سيرث مقر رئاسة الوزراء البريطانية في 10 داونينغ ستريت مع قرارات ستارمر الأخيرة (الأوروبية)

اختبار مبكر

ترى إيكونوميست أن بيرنهام سيرث مع الخطة مشكلة سياسية ومالية في آن واحد، لأن إفساح المجال لها يعني -حسب المجلة- تقليص مشروعات في الطاقة والنقل، وهي مفارقة محرجة لحكومة تقول إن البنية التحتية شرط أساسي للنمو.

وتقول آي بيبر إن ما تركه ستارمر وريفز قد يضعف الأجندة التي طرحها بيرنهام قبل أيام، والقائمة على إنعاش المناطق البريطانية، ودعم المجتمعات والصناعات المحلية.

وقد أثارت التخفيضات غضبا داخل حزب العمال، إذ نقلت الصحيفة عن عمدة شرق ميدلاندز كلير وارد قولها إن سحب استثمارات من مشروعات طرق رئيسية في منطقتها “غير مقبول تماما”، معتبرة أن المناطق يجب أن تُعامل كشركاء حقيقيين إذا كانت الحكومة تريد منها قبول المفاضلات الصعبة.

ونقل تقرير آي بيبر أن دان جارفيس رفض وصف الفجوة التمويلية بأنها “قنبلة يدوية” تسلم إلى وزير المالية المقبل، قائلا في مقابلة مع سكاي نيوز إن السيناريو الأسوأ كان سيكون عدم حسم الخطة أصلا.

لكن الصحيفة نقلت أيضا عن كبير الاقتصاديين في معهد الدراسات المالية ماكس فيرنر أن القرار يعني آثارا إضافية على الإنفاق أو الضرائب أو الاقتراض، فوق ما أعلنته الحكومة، بما يجعله واحدا من أوائل القرارات الكبرى التي ستواجه رئيس الوزراء المقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks