روكب اليوم
ومن هنا فإن نجاح السعودية لا يُقاس بقدرتها على تدمير منصات الإطلاق أو اعتراض الصواريخ فحسب، بل بقدرتها على رفع كلفة الورقة الحوثية على طهران حتى تفقد قيمتها، تمهيدا لفك ارتباط الجماعة بالمشروع الإقليمي، وإعادة الملف إلى إطاره اليمني والخليجي.
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
دوافع ضرب المطارات.. قراءة في حسابات الحوثي
لا يمكن فهم استهداف الحوثيين للمطارات السعودية بوصفه عملا عسكريا خالصا؛ فهو في جوهره عملية سيكولوجية وسياسية تستهدف 3 أهداف مترابطة.
أولها التعويض النفسي عن التراجع في الساحل الغربي. فمع تقدم القوات الحكومية بدعم سعودي على امتداد الساحل وجزره، وتقلص قدرة الحوثيين على التأثير في ملاحة البحر الأحمر، وجدوا أنفسهم أمام تراجع ميداني يهدد موقعهم الوظيفي في المشروع الإيراني، فسعوا إلى تعويض ذلك بضرب رموز العمق السعودي، ليثبتوا داخليا وخارجيا أنهم ما زالوا قادرين على الوصول والرد مهما تراجعوا في الميدان، مستفيدين من مخزون صاروخي يتغذى على التهريب عبر ثغرات آليات التفتيش البري والبحري.
وثانيها الضغط على السعودية لإيقاف الدعم الشامل الذي تقدمه للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا ولجيشها. فباستهداف المطارات يحاول الحوثيون رفع كلفة استمرار هذا الدعم، وخلق ضغط داخلي ودولي يدفع الرياض إلى التفاوض معهم بوصفهم طرفا معترفا به وبشروطهم المتطرفة، لا جماعة مسلحة خارج الشرعية، رغم أنهم هم من خرجوا على التهدئة القائمة منذ هدنة عام 2022 وعطّلوا المسار السياسي.
فاستهداف المطارات هنا ليس هدفا عسكريا بقدر ما هو ورقة تفاوضية في حسابهم: كل صاروخ يصل إلى الرياض رسالة مفادها أن استمرار الدعم السعودي سيكلف المملكة أمنيا واقتصاديا وسياسيا.
وثالثها إضعاف الموقف السعودي المتصاعد في اليمن وعموم المنطقة، خدمة لموقف إيراني تآكل بفعل الحرب وانعكاساتها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وتحت وطأة الضغوط الدولية. فطهران التي وجدت نفسها أمام تراجع في مركزها المحوري وفي بعض أوراقها الإقليمية، تحتاج إلى إثبات أن شبكتها ما زالت قادرة على إحداث أثر.
وفي هذه اللحظة تحديدا يثبت الحوثيون لطهران قيمتهم الوظيفية، فكل هجوم على مطار سعودي يقول لها: ما زلنا الورقة الأنفع، ويقول للرياض: كلفة الصراع لم تنتهِ.
وهكذا يتضح أن استهداف المطارات محاولة لتعويض الخسارة الميدانية سياسيا، فرض شرعية مفقودة، وخدمة أجندة إقليمية متآكلة.
لكن هذه المحاولة، رغم مناورتها التكتيكية، تحمل في طياتها هشاشة إستراتيجية؛ لأن الجماعة التي تستمد قوتها من إحداث الألم بدل بناء الشرعية، تجد نفسها في نهاية المطاف أسيرة لمنطق العنف الذي لا ينتج سلاما ولا إنجازا ولا شرعية دائمة.
مطار الملك خالد، رغم الهجمات الدامية المتتالية، لم يتحول إلى رمز للهزيمة، بل إلى اختبار لقدرة المملكة على إدارة الأزمة وحماية المدنيين وضبط النظام العام في لحظات حرجة
قراءة الرياض للإستراتيجية الإيرانية
تدرك السعودية أن طهران لا تنظر إلى الحوثيين بوصفهم شركاء سياسيين متكافئين، بل بوصفهم أداة ضمن شبكة من الجبهات الإقليمية تستخدمها لإعادة توزيع أوراق القوة في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج. وكلما ضعف المركز الإيراني بفعل الحرب ارتفعت قيمة الأدوات، وفي مقدمتها الحوثي الرابض قرب موقع جغرافي بالغ الحساسية.
ولذلك يحمل كل تصعيد حوثي على المطارات السعودية توقيعا مزدوجا: توقيعا يمنيا محليا يخدم بقاء الجماعة، وتوقيعا إيرانيا إقليميا يضغط على الرياض وواشنطن في آن واحد.
وهنا تتجلى قدرة السعودية على التعامل مع هذه الإستراتيجية بمنطق متدرج؛ فهي لا تستجيب للإيقاع الذي يريده الحوثيون ولا لإيقاع طهران، بل تفرض إيقاعها الخاص عبر الجمع بين الرد العسكري المحسوب والإنجاز الدبلوماسي والتوسع في الشراكات والتحالفات الدفاعية.
فبدل الانسياق وراء كل استفزاز، تتعامل الرياض مع الحوثيين بوصفهم طرفا ثانويا في معادلة أوسع، وتوجه رسائلها الأساسية إلى العالم مؤكدة خطورة إيران وأدواتها على السلام وأمن الطاقة واستقرار الإمدادات، وإلى صانع القرار في طهران بأن كلفة استخدام اليمن ورقة ضغط ستفوق مكاسبها. فالضغط على المركز هو الطريق الأقصر لتجريد الأداة من قيمتها.
امتصاص الضربات.. قوة الدولة لا هشاشتها
لا تُقاس قوة الدولة بلحظة الاعتداء، بل بقدرتها على الامتصاص والاستمرار بعده. فالمملكة لم تنهَر أمام سلسلة الهجمات على مطاراتها، بل أصدرت هيئة الطيران المدني حصيلة كل اعتداء ببيان مستقل وأرقام مفصلة، كان أفدحها هجوم 10 أكتوبر/تشرين الأول على مطار الملك خالد الدولي الذي أودى بحياة 12 شخصا من 8 جنسيات، بينهم أمريكي وفلسطيني، وأصاب 309 آخرين.
ولقد كان استيعاب المنظومة الصحية لهذا العدد من الإصابات خلال ساعات، مع الإفصاح الكامل عن الحصيلة، هو الامتحان الحقيقي لقدرة الدولة. وقائمة الضحايا وحدها تنقض ادعاء الجماعة أنها تقاتل نصرة لفلسطين أو تستهدف أهدافا عسكرية.
فمطار الملك خالد، رغم الهجمات الدامية المتتالية، لم يتحول إلى رمز للهزيمة، بل إلى اختبار لقدرة المملكة على إدارة الأزمة وحماية المدنيين وضبط النظام العام في لحظات حرجة. وقد نجحت الرياض في هذا الاختبار بكفاءة أمنية وسياسية وإدارية وصحية، فكسبت تضامنا دوليا واسعا شمل دول الضحايا أنفسهم.
في الواقع لا جدوى من إنكار أن لهذه الهجمات كلفة حقيقية: أرواحا أُزهقت، وإغلاقات متكررة للمجال الجوي، وقلقا في أوساط الأعمال. غير أن السؤال الإستراتيجي ليس هل يستطيع الحوثي إيلام الرياض، بل هل يستطيع تحويل هذا الألم إلى تنازل سياسي. وهنا تحديدا يفشل رهانه، لأن الألم الذي لا يكسر إرادة الدولة ولا يشلّ وظائفها يتحول من ورقة ضغط إلى عبء على من أحدثه.
إن المعركة الحقيقية ليست بين صاروخ وبطارية دفاع جوي، بل بين مشروعين: مشروع دولة تريد الانفتاح والاستقرار والاستمرار في البناء، ومشروع جماعة مسلحة تستمد شرعيتها من الفوضى
استعادة المبادرة.. من الدفاع الفردي إلى الردع الجماعي
استعادت الرياض المبادرة حين رفضت أن تُحبس في معادلة “صاروخ يُطلق وبطارية تعترض”، وهي معادلة يحدد فيها المهاجم وحده التوقيت والهدف. ونقلت المواجهة إلى 3 ساحات تملك هي مفاتيحها. ففي الميدان، يضغط تقدم القوات الحكومية المدعومة سعوديا في الساحل الغربي على الحوثي في أكثر ما يؤلمه، وهو الأرض والموقع الوظيفي.
وفي الردع فعّلت المملكة للمرة الأولى “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” مع تركيا وباكستان، التي تعدّ أي اعتداء على طرف اعتداء على الجميع، فاجتمع رؤساء الأركان على عجل، وصار كل صاروخ حوثي حسابا مع تحالف يضم قوتين عسكريتين كبريين لا مع الرياض وحدها.
وفي الدبلوماسية، حوّلت ضحايا من 8 جنسيات واستهداف مكة المكرمة ومعتمريها إلى قضية تخص الطيران المدني الدولي والعالم الإسلامي، لا نزاعا ثنائيا. بهذا انتقلت الرياض من موقع من يتلقى الضربة إلى موقع من يرفع كلفتها، وصار السؤال المطروح في طهران لا في الرياض: هل ما زالت الورقة الحوثية تستحق ثمنها؟
وراء العمل العسكري حققت السعودية مكاسب سياسية ودبلوماسية لا ينبغي التقليل منها. فالاعتداءات على مطارات مدنية وطائرات ركاب، وإيقاعها المتكرر، أزالت ما بقي من التباس لدى بعض العواصم العالمية حول طبيعة الصراع؛ فمن يستهدف المسافرين لا يمكن تقديمه طرفا في نزاع داخلي، بل تهديدا عابرا للحدود، ويُقرأ الرد عليه دفاعا مشروعا عن السيادة وحماية للمدنيين.
وقد تجلى ذلك في إدانات صدرت عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمات دولية وإقليمية وحقوقية، ودول عربية وأجنبية كثيرة.
القوة كقدرة على المعنى
في نهاية المطاف، تكشف هذه المواجهة أن القوة السعودية لا تكمن في عدد الصواريخ المعترَضة أو المنصات المدمرة، بل في قدرتها على الحفاظ على معنى الدولة وسط العاصفة: أن تُدار الأزمة بشفافية، وأن تُبنى الشراكات، وأن تُصان الشرعية الدولية. فالرياض لم تنجرف إلى حرب استنزاف عشوائية، بل أدارت تصعيدا إيرانيا بمنطق الدولة الراشدة: رد يحمي، ودبلوماسية توسّع الشرعية، وقدرة على الامتصاص تثبت أن الحياة المدنية أقوى من منطق السلاح.
إن المعركة الحقيقية ليست بين صاروخ وبطارية دفاع جوي، بل بين مشروعين: مشروع دولة تريد الانفتاح والاستقرار والاستمرار في البناء، ومشروع جماعة مسلحة تستمد شرعيتها من الفوضى.
وسيكون نجاح السعودية في إثبات أن الدولة القوية ليست التي لا تُضرب، بل التي تُضرب ثم تواصل البناء، وفي تحويل الورقة الحوثية من رصيد لطهران إلى عبء عليها، حتى يعود اليمن ملفا يمنيا يُحل بين أهله وجواره. فيما يبقى خصومها أسرى التطرف والجوع والعزلة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.