روكب اليوم
لكن خلف الصور التاريخية التي يستدعيها اسم “الطاعون” يبقى السؤال الأهم: هل يمكن لحالة واحدة، يُشتبه في أنها من الطاعون الرئوي، أن تكون بداية لتفشٍّ واسع أو حتى وباء يتجاوز حدود روسيا؟
قصص مقترحة
list of 2 itemsend of list
المعطيات المتاحة حتى الآن تجعل هذا السيناريو بعيدا، وإن كانت خطورة المرض نفسه تفرض التعامل معه بأقصى درجات الحذر.
ماذا حدث في إيركوتسك؟
أكد أليكسي تسييدينوف -رئيس جمهورية بورياتيا المجاورة لمنطقة إيركوتسك- وفاة امرأة يُحتمل ارتباط موتها بالطاعون، في حين تحدثت السلطات في إيركوتسك في البداية عن حالة مشتبه فيها من “عدوى شديدة الخطورة” من دون تحديد المرض رسميا.
وقالت وسائل إعلام روسية ودولية إن المتوفاة كانت موظفة في معهد إيركوتسك لمكافحة الطاعون، ويتراوح عمرها بين 27 و28 عاما. ونقلت تقارير أنها ربما تعرضت للبكتيريا أثناء عملها في المختبر عقب حادث متعلق بأنبوب اختبار يحتوي على بكتيريا حية، لكن هذه التفاصيل لم تُعلَن حتى الآن بصورة كاملة في بيان رسمي مفصل من السلطات الصحية الروسية.
أُدخلت المرأة المستشفى في شيليخوف قرب إيركوتسك بعد إصابتها بأعراض تنفسية شديدة، قبل أن تتدهور حالتها وتحتاج إلى التنفس الاصطناعي ثم تتوفى.
وفي أعقاب الواقعة، خضع 197 شخصا يُعتقد أنهم خالطوا المريضة للمراقبة الطبية أو العزل الاحترازي، في حين أُخضع قسم بالمستشفى للحجر مؤقتا.
وقال حاكم إيركوتسك إيغور كوبزيف إن المخالطين الذين حُددوا لا تظهر عليهم حاليا علامات المرض، وإن النتائج المخبرية الأولية جاءت سلبية، بينما بدأت السلطات إجراءات للتتبع الوبائي والتحقيق في ظروف الواقعة.
المرض الذي غيّر التاريخ
الطاعون ليس فيروسا، وإنما عدوى تسببها بكتيريا تُسمى “Yersinia pestis”، تعيش بصورة طبيعية في بعض القوارض الصغيرة والبراغيث التي تتطفل عليها.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن العدوى يمكن أن تنتقل إلى الإنسان عن طريق لدغات البراغيث المصابة، أو ملامسة أنسجة وسوائل حيوان أو شخص مصاب، أو استنشاق جزيئات تنفسية صادرة عن شخص مصاب بالطاعون الرئوي.
وتوجد صور عدة للمرض، أشهرها الطاعون الدبلي الذي يؤدي عادة إلى تورم مؤلم في العقد اللمفاوية، والطاعون الإنتاني عندما تنتشر البكتيريا في الدم، والطاعون الرئوي عندما تصل العدوى إلى الرئتين.
وتكمن الخطورة الكبرى في النوع الرئوي، إذ يمكنه -على خلاف الطاعون الدبلي المعتاد- الانتقال مباشرة من إنسان إلى آخر عبر الجزيئات التنفسية الناتجة عن السعال، ولذلك تصفه منظمة الصحة العالمية بأنه قادر في ظروف معيَّنة على التسبب في أوبئة شديدة.
ساعات قد تصنع الفارق
يتميز الطاعون الرئوي بسرعة تطوره. وتشير بيانات المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC) إلى أن فترة حضانته قد تكون قصيرة، غالبا بين يوم و3 أيام، ويمكن أن تبدأ الأعراض بحمى وصداع وضعف شديد ثم تتطور إلى ألم بالصدر وسعال وصعوبة في التنفس.
ومن دون علاج مبكر يمكن أن يكون المرض قاتلا للغاية.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن معدل الوفاة في صور الطاعون المختلفة يمكن أن يتراوح بين 30% و100% إذا تُرك المرض من دون علاج، وأن الشكلين الرئوي والإنتاني يصبحان قاتلين غالبا إذا لم يبدأ العلاج في مرحلة مبكرة.
لكن ذلك لا يعني أن الإصابة اليوم تعادل حكما بالموت كما كان الحال في القرون الماضية. فالطاعون عدوى بكتيرية يمكن علاجها بالمضادات الحيوية، وتؤكد منظمة الصحة العالمية والمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) أن التشخيص والعلاج المبكرين قادران على إنقاذ حياة المرضى.
هل ينتقل بسهولة مثل الإنفلونزا أو كورونا؟
هنا تكمن إحدى أهم النقاط التي قد يسبب اسم “الطاعون الرئوي” سوء فهم بشأنها.
فرغم إمكانية انتقال المرض بين البشر، فإن الأدلة الوبائية تشير إلى أنه لا ينتقل عادة بسهولة تضاهي الأمراض التنفسية الشديدة العدوى مثل الحصبة أو الإنفلونزا أو كوفيد-19.
وتوصلت مراجعة علمية نشرها باحث من المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض إلى أن انتقال الطاعون الرئوي بين الأشخاص يتطلب عادة مخالطة قريبة لمريض يسعل، خصوصا في المراحل المتقدمة من المرض، وأن تدابير مثل تجنب المخالطة المباشرة واستخدام وسائل حماية الجهاز التنفسي أسهمت تاريخيا في إيقاف سلاسل انتقال العدوى.
وتوصلت مراجعة واسعة للتاريخ الطبيعي لبكتيريا الطاعون إلى نتائج مشابهة. وتشير إلى أن تحليل 8 فاشيات موثقة للطاعون الرئوي أعطى تقديرا متوسطا يقارب “1.3 إصابة ثانوية لكل مريض”، مع اختلاف كبير بين البيئات والظروف.
وتذكر المراجعة حالات في الصين تعرض فيها أكثر من 200 مخالط لمرضى ولم تُسجَّل بينهم إصابات ثانوية بعد تطبيق إجراءات الحجر والمتابعة، كما تشير إلى أن الانتقال غالبا يتطلب وجودا وجها لوجه بالقرب من مريض يسعل.
وهذه الأرقام لا تعني استحالة وقوع تفشٍّ، لكنها تفسر لماذا لا تتحول معظم حالات الطاعون الحديثة إلى موجات وبائية كبيرة.
لماذا عُزل 200 شخص في روسيا؟
اتساع دائرة المراقبة الطبية لا يعني بالضرورة أن جميع هؤلاء تعرضوا لخطر مرتفع.
في الأمراض النادرة والشديدة الخطورة، تتعمد فرق الصحة العامة توسيع نطاق تتبع المخالطين كي لا تفلت حالة واحدة محتملة، خصوصا عندما تكون طبيعة الإصابة أو توقيت بداية العدوى غير واضحين.
وتوصي المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض بإعطاء علاج وقائي بالمضادات الحيوية للأشخاص الذين خالطوا عن قرب ولفترة كافية مريضا بالطاعون الرئوي أو لامسوا مباشرة سوائل أو أنسجة مصابة، وعادة يستمر العلاج الوقائي 7 أيام.
ومن ثم فإن مراقبة نحو 200 شخص في روسيا يمكن قراءتها بوصفها إجراء احترازيا يتناسب مع خطورة المرض، وليست دليلا بحد ذاتها على وجود 200 إصابة محتملة.
الطاعون لم يختف
رغم ارتباطه في الذاكرة الجماعية بـ”الموت الأسود” الذي اجتاح مناطق واسعة من العالم قبل قرون، فإن بكتيريا الطاعون لم تختف.
وتقول منظمة الصحة العالمية -في تحديثها المنشور في 29 سبتمبر/أيلول 2026- إن إصابات بشرية لا تزال تُسجَّل في دول عدة، وإن معظم الحالات المبلغ عنها خلال الأعوام من 2019 إلى 2025 جاءت من جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر.
كما تسجل الولايات المتحدة حالات متفرقة كل عام. ووفقا للمراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض، يبلغ المتوسط الحديث نحو 7 حالات بشرية سنويا، تتركز في مناطق من غرب البلاد، ومعظم الإصابات تكون من النوع الدبلي وليس الرئوي.
وفي الفترة بين عامي 2010 و2015، سجل العالم 3248 حالة طاعون و584 وفاة، بحسب بيانات منظمة الصحة العالمية.
تفشي مدغشقر
أحد أفضل النماذج الحديثة لفهم قدرة المرض على الانتشار هو تفشي مدغشقر عام 2017. فبين أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام، أبلغت السلطات عن 2348 حالة مؤكدة أو محتملة أو مشتبه فيها، بينها 202 وفاة، وكان الجزء الأكبر منها حالات طاعون رئوي.
وانتشرت الحالات إلى عشرات المناطق ووصلت إلى مدن رئيسية، لكن حملات واسعة لتتبع المخالطين والعلاج الوقائي ساعدت في السيطرة على التفشي. وتتبع العاملون الصحيون أكثر من 7 آلاف مخالط تلقوا مضادات حيوية وقائية.
وتوضح هذه التجربة أن الطاعون الرئوي يستطيع بالفعل إحداث تفشيات كبيرة، لكنها توضح أيضا أن اكتشاف الحالات وعزلها والعلاج السريع وتتبع المخالطين أدوات فعالة جدا في وقف الانتقال.
هل يمكن أن نشهد جائحة طاعون جديدة؟
لا يمكن استبعاد ظهور تفشيات للطاعون مستقبلا. فالبكتيريا لا تزال موجودة في مستودعات حيوانية طبيعية في أجزاء من أفريقيا وآسيا والأمريكتين، وتَعُد منظمة الصحة العالمية المرض خطرا صحيا يتطلب استمرار أنظمة المراقبة والاستعداد.
كما حذرت أبحاث حديثة من أن ظهور سلالات مقاومة للمضادات الحيوية أو تأخر التشخيص في مناطق تفتقر إلى الرعاية الصحية يمكن أن يزيد صعوبة السيطرة على بعض التفشيات. وتشير مراجعة منشورة عام 2024 في دورية “إن بي جي فاكسينز” (npj Vaccines) إلى أن استمرار بؤر الطاعون الطبيعية واحتمال ظهور مقاومة دوائية يجعلان تطوير لقاحات أكثر فاعلية مجالا مهما للأمن الصحي العالمي.
لكن تحول حالة إيركوتسك الحالية إلى “جائحة عالمية” سيناريو مختلف تماما، فالمعطيات المتوفرة حتى الآن تتحدث عن حالة واحدة، مع تتبع سريع للمخالطين، وعدم ظهور أعراض بينهم بحسب التصريحات الأولية.
كما أن انتقال الطاعون الرئوي يتطلب عادة مخالطة قريبة، ويمكن الحد منه بالعزل والوقاية والعلاج بالمضادات الحيوية، وهي عوامل تجعل قدرته على الانتشار العالمي المتسلسل أقل كثيرا من فيروسات تنفسية مثل كوفيد-19.
ومن ثم فإن القلق العلمي حاليا ينصب على معرفة مصدر إصابة العاملة، وتحديد شكل الطاعون بصورة نهائية، والتأكد من عدم إصابة أي من مخالطيها، أكثر مما يتعلق بخطر ظهور وباء عالمي جديد.
فالطاعون لا يزال مرضا خطيرا يمكن أن يقتل بسرعة، لكنه في القرن الحادي والعشرين يواجه أدوات تشخيص وعلاج وتتبع وعدوى لم تكن موجودة عندما صنع “الموت الأسود” أحد أكثر فصول التاريخ البشري قتامة.
المصدر: الجزيرة + الصحافة الروسية + الفرنسية + ديلي ميل