​الفصل 11.. الشرق الأوسط: الأمن الإقليمي ودور روسيا

روكب اليوم
​روسيا يجب أن تكون في الشرق الأوسط. الشرق الأوسط يحتاج إلى روسيا. وروسيا تحتاج إلى الشرق الأوسط.

تسبب هذه الأطروحات البسيطة الفرح لدى المؤيدين، والفضول الحذر لدى المتشككين، والامتعاض لدى المعارضين، مما أدى إلى محاولات لدفع روسيا خارج هذا المجال أو، على العكس من ذلك، دفعها نحو التحميل الزائد في هذا المجال بهدف رئيسي هو إضعافها. والضعفاء لا يُحترمون في الشرق الأوسط.

لكي تكون في الشرق الأوسط، عليك أن تكون قوياً. هناك ما يكفي من الحلفاء والشركاء الذين يريدون تمثيل روسيا في المنطقة. المبدأ هو المنفعة المتبادلة والعدل. الأمن المشترك في المقدمة. غير قابل للتجزئة ومتساوٍ. ليس أكثر للبعض، وأقل للبعض الآخر، أو حتى لا شيء على الإطلاق. لا.

روسيا تنادي بمفهوم موحد للأمن الإقليمي. مع فهم أن الشرق الأوسط ليس حتى في بداية هذا الطريق، والأسوأ من ذلك، يتحرك في الاتجاه المعاكس في بعض الأماكن. هناك تراجع وتدهور عند النقاط الأساسية المؤلمة. ومع ذلك، عاجلاً أم آجلاً فإن هذا المفهوم سيعمل، وتبقى روسيا متمسكة به بأمانة، إن لم تكن مبادرة له.

  • دورة نحو المحافظة: قل لا للقنبلة ولا لانهيار الدول
روسيا، مثل العديد من الدول الأخرى، تفترض أن الاضطرابات في الشرق الأوسط ستزداد. لا يزال تهديد تصعيد الصراعات الإقليمية، لا سيما الإيراني-الإسرائيلي، قائماً. المشكلة الفلسطينية لم تُحل، وقد انزلقت الوضعية في قطاع غزة إلى كارثة إنسانية.

لن نذكر بؤر التوتر؛ فهي معروفة جيداً. دعونا نلاحظ فقط أن المنطقة تميزت دائماً بخطر مرتفع. حتى في العصر السوفييتي، قال وزير الخارجية أندريه جromyko لمرؤوسيه العاملين في إدارة الشرق الأوسط إنهم “لا يحتاجون إلى قراءة روايات التحري”، قائلاً: “أنتم تفعلون هذا في العمل من الصباح حتى الليل”: “إما جرائم قتل، أو مؤامرات، أو انقلابات، أو حتى خطف”.

اليوم الوضع أكثر إنذاراً. الولايات المتحدة، من دون استراتيجية تجاه البرنامج النووي الإيراني، أطلقت قنابل تقصف المخابئ على المنشآت النووية في إيران في 22 يونيو 2025. قبل ذلك، في 13 يونيو، كانت إسرائيل تشن ضربات على إيران. ردت إيران بصواريخ باليستية وطائرات بدون طيار. حتى 24 يونيو، عندما توقفت المواجهة المسلحة، كان هناك نقاش في الفضاء الإعلامي حول ما إذا كانت الحرب العالمية الثالثة ستبدأ في الشرق الأوسط.  

في عام 2024، تبادلت إيران وإسرائيل الضربات في أبريل وأكتوبر، وفي كل مرة كانت أكثر تدميراً. كان التصعيد حتمياً.

  • التحول نحو المحافظة: لا للقنبلة ولا لانهيار الدول
روسيا، كما العديد من الدول الأخرى، تفترض أن الاضطرابات في الشرق الأوسط ستستمر في الازدياد. ولا يزال خطر تصاعد النزاعات الإقليمية قائمًا، ولا سيما المواجهة الإيرانية–الإسرائيلية. ولم تُحل القضية الفلسطينية، وقد انزلق الوضع في قطاع غزة إلى كارثة إنسانية.

لن نعدد بؤر التوتر، فهي معروفة جيدًا. سنكتفي بالإشارة إلى أن المنطقة لطالما تميزت بدرجة عالية من المخاطر. وحتى في الحقبة السوفييتية، قال وزير الخارجية أندريه غروميكو لموظفيه العاملين في إدارة الشرق الأوسط إنهم «لا يحتاجون إلى قراءة روايات بوليسية»، مضيفًا: «أنتم تقرؤونها في عملكم من الصباح حتى المساء: إما جرائم قتل، أو مؤامرات، أو انقلابات، أو حتى عمليات خطف».

اليوم، يبدو الوضع أكثر إثارة للقلق. فالولايات المتحدة، من دون امتلاك استراتيجية واضحة تجاه البرنامج النووي الإيراني، استخدمت في 22 يونيو 2025 قنابل خارقة للتحصينات ضد منشآت نووية في إيران. وقبل ذلك، في 13 يونيو، كانت إسرائيل قد شنت ضربات على إيران. وردّت إيران بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة. وحتى 24 يونيو، عندما توقفت المواجهة المسلحة، كان الفضاء الإعلامي يناقش بجدية احتمال اندلاع حرب عالمية ثالثة في الشرق الأوسط.

في عام 2024، تبادلت إيران وإسرائيل الضربات في شهري أبريل وأكتوبر، وكانت كل جولة أكثر تدميرًا من سابقتها. وكان التصعيد مسألة وقت لا أكثر.

  • الخط الأحمر الروسي: الانتشار النووي وانهيار الدول
من منظور موسكو، هناك خطّان أحمران أساسيان في الشرق الأوسط.
الأول هو الانتشار النووي.
والثاني هو انهيار الدول.

تعارض روسيا بشكل قاطع ظهور دول جديدة مسلحة نوويًا في المنطقة. فهي ترى أن أي استخدام محتمل للأسلحة النووية، أو حتى اقتراب المنطقة من هذا السيناريو، سيؤدي إلى عواقب كارثية لا يمكن السيطرة عليها، ليس فقط للشرق الأوسط، بل للنظام الدولي بأكمله.

وفي الوقت نفسه، ترى موسكو أن انهيار الدول، كما حدث في العراق وليبيا، لا يؤدي إلى الديمقراطية ولا إلى الاستقرار، بل إلى الفوضى، وانتشار الإرهاب، والهجرة الجماعية، وتفاقم المعاناة الإنسانية. وتعتبر روسيا أن تفكيك مؤسسات الدولة تحت شعارات براقة كان خطأً استراتيجيًا فادحًا.

  • سوريا: مثال على النهج الروسي
تُعدّ سوريا مثالًا واضحًا على النهج الروسي في الشرق الأوسط.
فبالنسبة لموسكو، لم يكن التدخل في سوريا دفاعًا عن شخص أو نظام بقدر ما كان دفاعًا عن الدولة كمؤسسة، وعن مبدأ السيادة، وعن منع تكرار سيناريو الانهيار الكامل.

ترى روسيا أن البديل عن الدولة السورية لم يكن سلامًا أو إصلاحًا سياسيًا منظمًا، بل فوضى شاملة، وتنظيمات إرهابية، وانهيارًا أمنيًا يمتد تأثيره إلى خارج حدود البلاد.

ومن هذا المنطلق، تصر موسكو على أن أي تسوية سياسية يجب أن تقوم على الحفاظ على مؤسسات الدولة، وعلى حوار وطني شامل، لا على فرض حلول خارجية بالقوة.

  • الأمن غير القابل للتجزئة في الشرق الأوسط

تدفع روسيا باتجاه مفهوم الأمن غير القابل للتجزئة في الشرق الأوسط.

أي أن أمن دولة واحدة لا يمكن أن يتحقق على حساب أمن دولة أخرى.

وترفض موسكو منطق «الأمن الانتقائي»، حيث يتم ضمان أمن بعض الأطراف بينما يُترك الآخرون في حالة انعدام أمن دائم. وترى أن هذا النهج هو أحد الأسباب الجوهرية لعدم الاستقرار المزمن في المنطقة.

من وجهة النظر الروسية، لا يمكن بناء نظام أمني إقليمي مستدام من دون إشراك جميع الأطراف الإقليمية، بما في ذلك الخصوم، في حوار شامل ومتوازن.

  • روسيا بين الشركاء والوسطاء
لا تسعى روسيا إلى استبدال أي قوة أخرى في الشرق الأوسط، ولا تدّعي امتلاك حلول سحرية لجميع أزمات المنطقة. لكنها ترى نفسها شريكًا ضروريًا ووسيطًا يمكنه التحدث مع أطراف لا تتحدث مع بعضها البعض.

تحتفظ موسكو بعلاقات عمل مع إسرائيل، وإيران، وتركيا، والدول العربية، ما يمنحها هامش حركة دبلوماسيًا نادرًا في بيئة إقليمية شديدة الاستقطاب.

وترى روسيا أن هذا الدور لا يهدف إلى الهيمنة، بل إلى منع الانزلاق نحو سيناريوهات أسوأ.

  • نحو نظام أمني إقليمي شامل
تؤمن روسيا بأن إنشاء نظام أمني إقليمي في الشرق الأوسط ليس مسألة خيار، بل ضرورة حتمية. صحيح أن الظروف الحالية لا تبدو مواتية، لكن غياب مثل هذا النظام هو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار دوامات العنف وعدم الاستقرار.

ترى موسكو أن أي نظام أمني قابل للحياة يجب أن يكون شاملاً، أي أن يضم جميع دول المنطقة دون استثناء، وأن يقوم على مبادئ المساواة في السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتسوية النزاعات بالوسائل السياسية والدبلوماسية.

ولا تعتقد روسيا أن هذا النظام يمكن فرضه من الخارج. بل يجب أن يكون نابعًا من داخل المنطقة نفسها، مع دعم دولي متوازن، وليس عبر تحالفات عسكرية مغلقة أو محاور إقصائية.

  • نقد سياسة التحالفات المغلقة
من وجهة النظر الروسية، أثبتت سياسة إنشاء التحالفات العسكرية الضيقة فعاليتها المحدودة، بل وساهمت في تعميق الانقسامات الإقليمية. إذ يؤدي تعزيز أمن مجموعة معينة من الدول على حساب أخرى إلى خلق شعور دائم بالتهديد، ما يدفع الأطراف المستبعدة إلى البحث عن وسائل ردع غير متكافئة.

وترى موسكو أن هذا المنطق كان أحد العوامل التي دفعت بعض دول المنطقة إلى السعي وراء برامج صاروخية أو نووية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لأمنها في بيئة غير متوازنة.

  • الولايات المتحدة والشرق الأوسط: اختلاف في المقاربات
تختلف المقاربة الروسية عن المقاربة الأمريكية في الشرق الأوسط اختلافًا جوهريًا. فبينما تميل واشنطن إلى الاعتماد على القوة العسكرية والعقوبات والضغط السياسي، تفضّل موسكو أدوات الدبلوماسية، والتسويات المرحلية، والحوار مع جميع الأطراف.

وترى روسيا أن محاولات تغيير الأنظمة بالقوة لم تؤدِّ إلا إلى نتائج عكسية، وأن التجارب في العراق وليبيا وأفغانستان تؤكد ذلك بوضوح. فبدلًا من الاستقرار، نتج عن هذه السياسات فراغ أمني استغلته التنظيمات المتطرفة.

  • القضية الفلسطينية: جوهر عدم الاستقرار
تعتبر روسيا أن القضية الفلسطينية تظل أحد المفاتيح الأساسية لفهم حالة عدم الاستقرار المزمنة في الشرق الأوسط. فغياب حل عادل وشامل لهذا النزاع يغذي مشاعر الإحباط والغضب، ويُستخدم ذريعة في الخطاب الراديكالي عبر المنطقة.

وتؤكد موسكو التزامها بحل الدولتين، وضرورة استئناف عملية سلام حقيقية تستند إلى قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، وليس إلى ترتيبات أحادية الجانب تفرضها موازين القوة.

  • إيران: الحوار بدل المواجهة
في ما يتعلق بإيران، ترى روسيا أن سياسة العزل والضغط القصوى لم تحقق أهدافها، بل زادت من تصلب المواقف ورفعت منسوب التوتر. وتؤكد موسكو أن الطريق الوحيد لتجنب الانفجار هو الحوار، والعودة إلى التفاهمات الدبلوماسية المتعلقة بالبرنامج النووي.

وترى روسيا أن ضمانات أمنية متبادلة، واحترام مصالح جميع الأطراف، يمكن أن يشكلا أساسًا لتخفيف التصعيد وبناء الثقة.

  • حدود الدور الروسي
تعترف روسيا بأن قدراتها في الشرق الأوسط ليست غير محدودة. فهي لا تسعى إلى لعب دور شرطي المنطقة، ولا ترغب في الانخراط في صراعات مفتوحة طويلة الأمد. ويقوم نهجها على البراغماتية، وتحديد الأولويات، وتجنب التورط المفرط.

وترى موسكو أن نجاح أي مبادرة روسية يعتمد في النهاية على استعداد دول المنطقة نفسها لتحمل مسؤولية أمنها ومستقبلها.

تتمثل الرؤية الروسية للشرق الأوسط في السعي إلى الاستقرار، ومنع الانتشار النووي، والحفاظ على الدول، وبناء نظام أمني إقليمي قائم على الشمولية وعدم القابلية للتجزئة. وهي رؤية تصطدم بواقع معقد، لكنها – من منظور موسكو – تظل البديل الوحيد عن الفوضى المستمرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks