روكب اليوم
2026-10-22 15:01:00

ما هو الشراء بالهامش وكيف يعمل؟
يُعرف المصطلح اقتصادياً باسم الشراء بالهامش (Buying on Margin)، ويشير إلى شراء الأوراق المالية باستخدام أموال مقترضة من شركة الوساطة المالية، مقابل تقديم جزء من قيمة الاستثمار نقداً، واستخدام الأوراق المالية المشتراة ضماناً للقرض.
ووفقاً لهيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية (SEC)، تتيح هذه الآلية للمستثمر شراء أصول تتجاوز قيمتها السيولة المتاحة لديه، من خلال ما يعرف بالرافعة المالية (Financial Leverage)، التي تضخم المكاسب والخسائر معاً.
وتخضع العملية لمتطلبات تنظيمية تختلف باختلاف السوق؛ ففي الولايات المتحدة، تسمح اللائحة التنظيمية (T) التابعة للاحتياطي الفيدرالي باقتراض ما يصل إلى 50% من قيمة الأسهم المؤهلة عند الشراء، بينما تشترط قواعد هيئة تنظيم الصناعة المالية الأميركية (FINRA) الاحتفاظ بحد أدنى من حقوق الملكية يعادل 25% من القيمة السوقية للأوراق المالية، وقد تفرض شركات الوساطة نسباً أعلى.
كيف تتضاعف الأرباح والخسائر؟
يمكن توضيح آلية الشراء بالهامش عبر مستثمر يمتلك 10 آلاف دولار، ويقترض مبلغاً مماثلاً لشراء أسهم بقيمة 20 ألف دولار، فإذا ارتفعت الأسهم بنسبة 20%، تصبح قيمتها 24 ألف دولار، وبعد سداد القرض يحقق المستثمر ربحاً قدره 4 آلاف دولار، أي عائداً يبلغ 40% على رأس ماله الأصلي، قبل احتساب الفوائد والرسوم.
وإذا انخفضت الأسهم بنسبة 20%، فتتراجع قيمتها إلى 16 ألف دولار، ويخسر المستثمر 4 آلاف دولار، تعادل 40% من أمواله.
وفي حالة هبوط الأسهم بنسبة 50%، تتلاشى حقوق ملكيته بالكامل، بينما قد يؤدي انخفاض أكبر إلى خسائر تتجاوز رأس المال المستثمر.
وتؤكد هيئة SEC أن فوائد الاقتراض ترفع التكلفة الفعلية للاستثمار، وتقلص العائد حتى عندما ترتفع أسعار الأصول.
ما أهمية الشراء بالهامش للاقتصاد؟
تتمثل أبرز مزايا الشراء بالهامش في زيادة القوة الشرائية، وتمكين المستثمرين من اقتناص الفرص دون توفير كامل قيمتها نقداً، فضلاً عن إتاحة قدر أكبر من المرونة في إدارة المحافظ الاستثمارية.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يسهم التمويل بالهامش في زيادة نشاط التداول والسيولة، لكنه قد يغذي أيضاً المضاربات وارتفاع أسعار الأصول بعيداً عن قيمها الأساسية.
ويوضح بحث نشره بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن عام 2000 أن متطلبات الهامش تمثل إحدى أدوات تنظيم الائتمان الموجه للأسهم، وأن تأثيرها على تقلبات الأسعار واستقرار الأسواق ظل موضوعاً للنقاش الاقتصادي.
متى ظهر الشراء بالهامش لأول مرة؟
لا يوجد تاريخ موثّق يحظى بإجماع أكاديمي باعتباره أول عملية شراء بالهامش في العالم، لكن جذور الممارسة تعود إلى القرن التاسع عشر على الأقل.
وتوضح دراسة نشرها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي عام 2020 أن المستثمرين في أسواق الأسهم والسندات الأميركية استخدموا الائتمان المدعوم بالأوراق المالية خلال الفترة بين 1866 و1913، وكانت القروض قصيرة الأجل من أبرز وسائل تمويل المضاربات في بورصة نيويورك.
كما تشير دراسة أكاديمية بعنوان (Margin Practices and Requirements During the National Banking Era)، نُشرت في مجلة (Review of Financial Economics) عام 2020، إلى أن الشراء بالهامش كان ممارسة معروفة في الأسواق الأميركية خلال القرن التاسع عشر، وورد وصف له في مؤلفات اقتصادية تعود إلى عام 1870.
وبحسب خبراء أسواق المال فإن التحول الأكبر جاء في عشرينيات القرن العشرين، عندما أصبح الاقتراض لشراء الأسهم متاحاً لشرائح أوسع من المستثمرين الأميركيين.
انهيار 1929.. أشهر تطبيق تاريخي للشراء بالهامش
يُعد ازدهار الاقتراض لشراء الأسهم قبل انهيار بورصة نيويورك في أكتوبر 1929 أشهر مثال جماعي تاريخي على استخدام الشراء بالهامش، وليس صفقة فردية واحدة.
ووفقاً للتاريخ الرسمي للاحتياطي الفيدرالي، كان بعض المستثمرين يدفعون 10% فقط من قيمة الأسهم ويقترضون النسبة المتبقية البالغة 90%، ما سمح بتضخيم مراكزهم الاستثمارية.
وخلال الفترة من أغسطس آب 1921 إلى سبتمبر أيلول 1929، ارتفع مؤشر داو جونز بنحو ستة أضعاف، قبل أن ينهار بنسبة تقارب 13% في 28 أكتوبر، ثم نحو 12% في اليوم التالي.
وبحلول يوليو تموز 1932، كان المؤشر قد فقد نحو 89% من ذروته المسجلة عام 1929.
لكن دراسة أكاديمية نُشرت في مجلة (The Economic History Review) عام 2023، أعدها باحثون من جامعات جنوب الدنمارك وستوكهولم وكولومبيا، قدمت تفسيراً أكثر دقة لدور الشراء بالهامش في الانهيار.
وأظهرت الدراسة أن تشديد متطلبات الهامش خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 1929، بالتزامن مع تراجع أسعار الأسهم، دفع المستثمرين المقترضين إلى تصفية مراكزهم، ما عمّق موجة الهبوط.
متى يتحوّل الهامش إلى خطر على الاستقرار المالي؟
تبدأ المخاطر عندما تنخفض قيمة الأسهم إلى مستوى لا يكفي لتغطية متطلبات الضمان، فتُصدر شركة الوساطة ما يُعرف باسم نداء الهامش (Margin Call)، مطالبة المستثمر بإيداع أموال إضافية أو تقليص مراكزه.
وإذا عجز عن الاستجابة، تستطيع الشركة بيع الأسهم لتغطية القرض، وقد تنفذ البيع دون موافقته المسبقة، بحسب تحذيرات هيئة (SEC).
وتكمن الخطورة النظامية في تزامن عمليات البيع القسري بين أعداد كبيرة من المستثمرين، ما يزيد ضغوط الأسعار ويطلق موجات إضافية من طلبات تغطية الهامش.
وتوصلت دراسة منشورة عام 2024 في (The Economic History Review) إلى أن تصفية قروض الهامش خلال انهيار 1929 أسهمت في أزمة سيولة، شهدت ارتفاعاً بنحو أربعة أضعاف في فروق أسعار البيع والشراء.
ويرى خبراء أسواق المال أن الشراء بالهامش يبقى أداة مزدوجة التأثير؛ ففي الأسواق الصاعدة يضاعف القدرة على تحقيق العوائد، لكنه أثناء الأزمات قد يحول خسائر المستثمرين الفردية إلى ضغوط مالية أوسع نطاقاً.