روكب اليوم
وانخرط رواد النهضة في مسارين متوازيين: جمع المخطوطات وتحقيقها ونشرها، والانفتاح على المناهج الأوروبية الحديثة، بما في ذلك الإفادة من الجهود الاستشراقية في فهرسة التراث ودراسته. وقد أسفر هذا التفاعل عن نموذج معرفي جديد تجاوز ثنائية الصراع أو التبعية.
وخلافا للتصور الشائع الذي يختزل العلاقة بين الاستشراق والعالم العربي في إطار الهيمنة، تكشف التجربة التاريخية عن شبكة أكثر تعقيدا من العلاقات العلمية، اتسمت بالحوار والتبادل والنقد المتبادل بين عدد من مثقفي النهضة والمستشرقين، في سياق سعى إلى إنتاج معرفة مشتركة حول التراث العربي.
وفي هذا السياق يبرز أحمد زكي باشا (1868-1934)، المعروف بلقب “شيخ العروبة”، بوصفه أحد أبرز رموز هذا التيار النهضوي الذي جمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالهوية الثقافية العربية والانخراط الفعال في شبكات المعرفة الدولية.
فقد كان زكي باشا موظفا رفيع المستوى في الدولة المصرية، حيث شغل منصب سكرتير مجلس النظار (الوزراء)، إلى جانب كونه مثقفا موسوعيا وباحثا في التراث ومشاركا نشطا في المؤتمرات العلمية الدولية، وهو ما أتاح له موقعا فريدا بين الدوائر الرسمية والسياسية من جهة، والدوائر العلمية الأوروبية من جهة أخرى.
ويمثل أحمد زكي باشا نموذجا بارزا لهذا النمط من التفاعل. فقد شارك في عدد من مؤتمرات المستشرقين في أوروبا، منها مؤتمر لندن عام 1892، ومؤتمرات جنيف وهامبورغ وأثينا، وكان يرى في هذه المحافل فضاء علميا لتبادل المعرفة بين الباحثين الشرقيين والغربيين.
وفي مداخلاته كان يؤكد أن الدراسات الاستشراقية أسهمت في تصحيح كثير من الصور النمطية التي كانت سائدة في أوروبا حول الإسلام والعالم العربي، لكنه في الوقت نفسه دعا إلى ضرورة مشاركة العلماء العرب أنفسهم في دراسة تراثهم، بدلا من ترك هذا المجال حكرا على الباحثين الأوروبيين.
وانطلاقا من هذا التصور، كان زكي باشا يؤمن بأن المعرفة لا تقوم على القطيعة أو العزلة، بل على الحوار والتعاون. ولذلك دعا إلى عقد مؤتمرات علمية في البلدان العربية، بما يتيح للباحثين الشرقيين المشاركة المباشرة في إنتاج المعرفة حول تراثهم، مؤكدا أن فهم النصوص العربية يتطلب معرفة دقيقة باللغة والسياق الثقافي والحضاري، وهي عناصر يرى أنها متوافرة لدى الباحث العربي بصورة أعمق في كثير من الأحيان.
رفض زكي باشا الربط بين الإسلام والنظم الثيوقراطية، واعتبر أن تراجع المجتمعات العربية والإسلامية لا يعود إلى الدين أو التراث بحد ذاته، بل إلى عوامل تاريخية وحضارية أوسع
وقد دفع هذا الموقف المفكر والمؤرخ السوري المعاصر له محمد كرد علي (1876-1953) إلى وصفه بأنه “المستشرق الشرقي”، في توصيف يكشف عن طبيعة موقعه المركب بين العالمين. فهو لم يكن مستشرقا بالمعنى الأوروبي التقليدي، لكنه في الوقت نفسه تبنى أدوات البحث الحديثة، وشارك في المؤسسات العلمية الدولية، مع احتفاظه الكامل بانتمائه الثقافي العربي.
ارتبط مشروع زكي باشا الفكري بفكرة العروبة الثقافية بوصفها إطارا حضاريا واسعا يتجاوز السياسة الضيقة إلى إعادة إحياء اللغة والأدب والتاريخ. ولم تكن العروبة لديه شعارا أيديولوجيا بقدر ما كانت مشروعا معرفيا يقوم على استعادة التراث بوصفه عنصرا حيا في بناء المستقبل. ومن هنا انصرف إلى جمع المخطوطات، وتأسيس مكتبته الخاصة، ونشر النصوص التراثية، والعمل على إحياء المصطلحات العربية في مواجهة التحديات اللغوية الحديثة.
وقد استفاد زكي باشا من موقعه الرسمي ومن رحلاته المتعددة في أوروبا لتطوير مشروعه العلمي، حيث قام بتصوير المخطوطات النادرة في المكتبات العالمية، والتواصل مع المستشرقين والباحثين لتبادل النسخ الفوتوغرافية، ما جعله جزءا من شبكة علمية دولية نشطة.
وفي عام 1911، وبعد توليه منصب السكرتير العام لمجلس الوزراء، أطلق مشروعه الأشهر “إحياء الآداب العربية” بتمويل من وزارة المعارف المصرية، وهو المشروع الذي شكل ذروة عطائه العلمي.
استلهم هذا المشروع إلى حد كبير من مناهج المستشرقين في تحقيق النصوص ونشرها، لكنه سعى في الوقت نفسه إلى نقل هذه الخبرة إلى السياق العربي، بدل الاكتفاء بالدور التابع في اكتشاف التراث.
وقد أسفر المشروع عن نشر أعمال كبرى في التراث العربي، من بينها “نهاية الأرب في فنون الأدب” لشهاب الدين النويري، و”مسالك الأبصار في ممالك الأمصار” لابن فضل الله العمري.
غير أن هذا المشروع لم يخلُ من الجدل، إذ واجه انتقادات من بعض الأوساط الفكرية، من بينها صحيفة “الوطن” القبطية التي رأت فيه عودة إلى الماضي والتخلف، وإضعافا للاهتمام بالعلوم الحديثة. كما دار نقاش فكري بين زكي باشا والمفكر المصري سلامة موسى (1887-1958)، حول جدوى إحياء التراث، حيث اعتبر موسى أن التركيز على الماضي قد يؤدي إلى الجمود والرجعية، بينما رأى زكي باشا أن استعادة التراث لا تعني استنساخه، بل استلهام عناصره الحضارية لتحديث الحاضر.
في إطار جهوده اللغوية والعلمية، وظف زكي باشا معارفه الواسعة في تتبع دلالات المفردات العربية التي غُمِرت أصولها أو تباينت معانيها عبر الزمن، أو تلك التي غدت غامضة في الاستعمال
وفي هذا السياق، رفض زكي باشا الربط بين الإسلام والنظم الثيوقراطية، واعتبر أن تراجع المجتمعات العربية والإسلامية لا يعود إلى الدين أو التراث بحد ذاته، بل إلى عوامل تاريخية وحضارية أوسع. كما قدم تفسيرات سياسية ومادية لأحداث كبرى مثل سقوط الأندلس والتوسع العثماني، بعيدا عن التفسيرات الاختزالية الثقافية. ومع ذلك، لم يكن موقفه رفضا مطلقا للغرب، بل دعا إلى الاستفادة من بعض مكتسباته مثل حقوق المرأة، والفصل بين الدين والدولة، والتقدم التقني، مع التأكيد على خصوصية كل من الشرق والغرب.
كما أولى زكي باشا اهتماما خاصا بتطوير اللغة العربية وتحديثها، عبر تعريب المصطلحات الحديثة وابتكار مقابلات عربية لها، إيمانا منه بقدرة اللغة على استيعاب العصر دون فقدان هويتها. وقد أسهم في ترسيخ استعمال ألفاظ مثل “دراجة” و”سيارة” و”صحافي”، كما شارك في تطوير الاستخدام الإداري لبعض المصطلحات واستبدال العثماني والفرنسي منها إلى اللغة العربية. وكان يرى أن اللغة ليست كيانا جامدا، بل أداة حية قادرة على التكيف والتطور.
وفي إطار جهوده اللغوية والعلمية، وظف زكي باشا معارفه الواسعة في تتبع دلالات المفردات العربية التي غُمِرت أصولها أو تباينت معانيها عبر الزمن، أو تلك التي غدت غامضة في الاستعمال. وكان كلما استعصى عليه الوقوف على تفسير دقيق لأحد الألفاظ، يلجأ إلى طرح المسألة للنقاش عبر الصحافة.
كان زكي باشا يميل إلى الكتابة في الصحافة أكثر من تأليف الكتب، إذ وجد في الجريدة فضاء أكثر مباشرة وحيوية لخوض النقاشات الفكرية واللغوية مع معاصريه. وفي مناظراته مع نخبة من المثقفين العرب، كان كثيرا ما يقدم آراءه بوصفها الأصح والأقرب إلى الصواب، مقارنة بآراء خصومه، وهو ما أضفى على مداخلاته طابعا جدليا حادا أسهم في توسيع دائرة الجدل حول شخصيته ومواقفه، خاصة بعد استقالته من منصبه الحكومي عام 1921، حين ازدادت شهرته في العالم العربي بوصفه طرفا فاعلا في نقاشات تتعلق بقضايا الأدب والتاريخ والدين واللغة.
وكان يفتتح بعض مداخلاته بعبارات ذات نبرة تقريرية لافتة، من قبيل قوله: “عني وعني وحدي خذوا الخبر الصادق”، في تعبير يعكس ثقته العالية بمواقفه واعتقاده بسلامة استنتاجاته.
كما كان يردد عبارة أخرى شهيرة لديه: “ولي كل يوم موقف ومقالة”، في إشارة إلى طبيعة مواقفه المتحركة وتعدد آرائه بحسب الموضوعات والسياقات التي يشتبك معها.
واتسمت ردوده في الصحافة على خصومه بقدر من السخرية والحدة، إذ جمع أسلوبه بين الطرافة اللاذعة والنبرة النقدية الصارمة، وصولا في بعض الأحيان إلى عبارات قاسية في مواجهة خصومه الفكريين.
تكشف سيرة أحمد زكي باشا وتجارب رواد النهضة أن المشروع النهضوي العربي لم يكن مجرد استعادة للماضي، بل كان محاولة جادة لإنتاج معرفة جديدة حول هذا الماضي باستخدام أدوات حديثة
في عام 1911، حصل زكي باشا على ترخيص رسمي دائم يقضي بتخصيص قسم مستقل داخل دار الكتب المصرية (الكتبخانة) لحفظ مجموعته الخاصة من الكتب والمخطوطات، التي عُرفت لاحقا باسم “الخزانة الزكية”. وقد ضمت هذه الخزانة حصيلة ما جمعه منذ سنوات دراسته في ثمانينيات القرن التاسع عشر، من كتب ومخطوطات نادرة في ميادين الدين واللغة والأدب والجغرافيا والتاريخ، لتغدو النواة الأولى لمشروعه في توثيق التراث العربي وصونه.
وقد اتسعت هذه المجموعة تدريجيا لتشمل آلاف المخطوطات والكتب النادرة والخرائط والدوريات، ما جعلها واحدة من أبرز المجموعات الخاصة في مصر الحديثة. وقد حرص زكي باشا على إيداعها في دار الكتب باعتبارها مؤسسة عامة، إدراكا منه لاحتمالات ضياعها أو تشتتها بعد وفاته، أو تعرضها للبيع أو الاستخدام في أغراض ثانوية كمواد للتغليف في الأسواق، على نحو ما جرى مع مكتبات بعض معاصريه.
وكانت الخزانة مفتوحة أمام الباحثين والجمهور لساعات ما بعد الظهيرة حتى المساء يوميا، بما يعكس تصورا مبكرا لدور المعرفة بوصفها ملكية عامة.
واعتمد زكي باشا في بناء مجموعته على وسائل متعددة، شملت السفر إلى الخارج مزودا بكاميرته الخاصة لتصوير المخطوطات العربية في المكتبات الملكية والجامعية والخاصة، إلى جانب استعانته بعدد من المستشرقين والمصورين الأوروبيين للحصول على نسخ فوتوغرافية من نفائس التراث. كما استفاد من شبكة علاقاته العلمية في أوروبا وإسطنبول في تسهيل اتصالاته بالمكتبات ودور النشر، وفي ضبط تكاليف النسخ والتحقق من جودة التصوير ودقته.
ولم يقتصر جهده على الجمع المباشر للمخطوطات، بل امتد إلى التفاوض مع ورثة عدد من الشخصيات الفكرية لاقتناء مكتباتهم الخاصة، فضلا عن إنفاقه جزءا كبيرا من ماله الخاص على شراء الكتب والدوريات، حتى إنه اضطر في إحدى المرات إلى بيع قطعة أرض يملكها في محافظة القليوبية من أجل توسيع مجموعته.
يتجلى أحمد زكي باشا بوصفه نموذجا للمثقف النهضوي الذي استطاع أن يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالتراث والانخراط في المعرفة العالمية، مثبتا أن النهضة الحقيقية لا تقوم على الانغلاق أو التبعية، بل على الثقة بالذات
وفي عام 1921، وُجهت إليه اتهامات بالفساد، غير أنه بُرئ منها بعد فترة قصيرة من الإيقاف عن العمل. وخلال تلك المرحلة، نشب خلاف بينه وبين مدير دار الكتب حول نقل المكتبة إلى الطابق العلوي في المبنى، وهو ما رفضه زكي باشا بشدة، مؤكدا اعتزازه بمكانته العلمية ودوره في خدمة اللغة العربية وتراثها، ومشددا على أن مشروعه العلمي لا يُقاس بالموقع الإداري أو الظروف الإجرائية.
وفي العام نفسه، قرر أن يوقف خزانته على وزارة الأوقاف بشرط أن تبقى تحت إشرافه طوال حياته، متحفظا على تبعيتها لوزارة المعارف خشية انتقال إدارتها إلى جهات أجنبية أو غير متخصصة. وقد نص في وصيته على نقلها إلى مدرسة الأشرف قنصوه الغوري مع ضمان استقلالها الإداري والعلمي. غير أن الخزانة تعرضت لاحقا لإهمال ملحوظ، وكادت الأمطار في ديسمبر/كانون الأول 1925 أن تتسبب في تلف أجزاء منها، لولا تدخل القائمين عليها في الوقت المناسب.
وهكذا تبلورت “الخزانة الزكية” بوصفها مشروعا متكاملا لحفظ التراث وإعادة تجميعه، قبل أن تتحول عند وفاته عام 1934 إلى رصيد ضخم يضم نحو 18 ألفا و700 مجلد، تجمع بين المخطوطات والخرائط القديمة والدوريات العربية، إضافة إلى طبعات وترجمات استشراقية لأمهات النصوص الكلاسيكية.
وفي نهاية المطاف، نُقلت في ديسمبر/كانون الأول 1935 إلى دار الكتب المصرية، حيث استقرت في مبنى الكورنيش حتى اليوم، مع ما تتطلبه من عناية خاصة وترميم يليق بقيمتها العلمية والتاريخية.
تكشف سيرة أحمد زكي باشا وتجارب رواد النهضة أن المشروع النهضوي العربي لم يكن مجرد استعادة للماضي، بل كان محاولة جادة لإنتاج معرفة جديدة حول هذا الماضي باستخدام أدوات حديثة. فقد استفاد هؤلاء الرواد من المناهج الاستشراقية في التحقيق والنقد النصي وفحص المخطوطات، لكنهم أعادوا توطين هذه المناهج داخل رؤية عربية للتراث، تقوم على الفهم والتجديد لا على التبعية أو الانبهار.
ومن هنا، يمكن القول إن العلاقة بين النهضة العربية والاستشراق لم تكن علاقة رفض أو قبول مطلق، بل علاقة تفاعل معقدة أنتجت أشكالا جديدة من المعرفة. وقد أدرك رواد النهضة أن المنهج العلمي لا يحتكر من قبل أمة بعينها، وأن الانفتاح على الخبرات العالمية لا يعني بالضرورة فقدان الهوية الثقافية.
وفي ضوء التحولات المعاصرة، ولا سيما مشاريع رقمنة المخطوطات وإتاحتها عبر المنصات الرقمية، تبدو تجربة أحمد زكي باشا أكثر راهنية من أي وقت مضى. فقد كان يؤمن بأن المعرفة لا تزدهر إلا عبر المشاركة والتبادل، وأن التراث لا يكتسب معناه الحقيقي إلا عندما يتحول إلى موضوع دائم للبحث والمراجعة والنقاش.
وهكذا، يتجلى أحمد زكي باشا بوصفه نموذجا للمثقف النهضوي الذي استطاع أن يجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الاعتزاز بالتراث والانخراط في المعرفة العالمية، مثبتا أن النهضة الحقيقية لا تقوم على الانغلاق أو التبعية، بل على الثقة بالذات والقدرة على الحوار والإنتاج المعرفي المتجدد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.