
تتجه أنظار عشاق كرة القدم العالمية صوب المواجهة المرتقبة بين منتخبي البرازيل والنرويج في ربع نهائي كأس العالم 2026، وهي الموقعة التي تعيد إلى الواجهة واحدة من أغرب الحقائق التاريخية في اللعبة؛ إذ يظل المنتخب الإسكندنافي هو المنافس الوحيد في العالم الذي لم يتمكن “السيليساو” من تحقيق أي انتصار عليه عبر التاريخ.
والتقى المنتخبان تاريخياً في أربع مواجهات، حققت النرويج الفوز في مباراتين منها، في حين فرض التعادل نفسه على المباراتين الأخريين. وتأتي هذه الموقعة المونديالية الجديدة كاختبار حقيقي لقدرة البرازيل على كسر هذه العقدة المستعصية، أو تكريس العقدة التاريخية لصالح “الفايكنغ”.
إرث مرسيليا 1998 والذاكرة الجماعية
وتستحضر الأوساط الرياضية في البلدين الملحمة الأكثر رسوخاً التي جمعتهما في 23 يونيو 1998 على ملعب “فيلودروم” بمدينة مرسيليا الفرنسية، عندما قَلَبَ النرويجيون تأخرهم بهدف إلى فوز تاريخي بنتيجة (2-1)، ليتأهلوا إلى ثمن نهائي المونديال.
ووصف جير يوردت، أستاذ علم النفس الرياضي في المدرسة النرويجية لعلوم الرياضة، تلك الليلة بأنها محطة مفصلية تحولت إلى احتفال وطني جارف غيّر طبيعة الشخصية النرويجية الهادئة وملأ شوارع أوسلو بصورة لم تتكرر منذ تحرير البلاد عام 1945. من جانبه، أشار الحارس الدولي السابق إريك ثورستفيدت إلى أن اختيار مباراة في دور المجموعات كأعظم لحظة رياضية في تاريخ النرويج يترجم القيمة الرمزية الفريدة لهذا الانتصار.
“خطة فلو” وكواليس الصدام التكتيكي
ولم يكن إنجاز 1998 وليد الصدفة، إذ سبقه فوز نرويجي آخر بنتيجة (4-2) في ودية أوسلو عام 1997 تحت قيادة المدرب الاستراتيجي إيغيل “دريلو” أولسن، الذي آمن بأن مجاراة البرازيل في مهاراتها الفردية تعني الخسارة الحتمية. واعتمد أولسن حينها على الانضباط الدفاعي الصارم والكرات الطولية المباشرة للحد من خطورة جيل برازيلي مرعب ضم رونالدو، وبيبيتو، وروبرتو كارلوس.
وشهدت تلك المباراة الشهيرة مشادات كلامية؛ حيث كشف أولسن أن القائد البرازيلي دونغا أشار إليه بالصمت بعد هدف التقدم البرازيلي، رداً على انتقادات فنية سابقة وجهها المدرب لخط وسط السامبا. إلا أن السلاح السري لأولسن تجسد في الدفع بالمهاجم العملاق يوستين فلو، الذي استغل تفوقه البدني التام في الكرات الهوائية أمام الظهير روبرتو كارلوس، وهي الخطة التي أسفرت عن هدف التعادل بواسطة شقيقه توري أندريه فلو، قبل أن يقتنص كيتيل ريكدال هدف الفوز من ركلة جزاء. وذكر أولسن لاحقاً أن روبرتو كارلوس تهكم على أسلوب يوستين عقب المباراة قائلاً إنه كان يجدر به لعب كرة السلة، لكن المدرب شدد على أن فريقه كان الطرف الأكثر فاعلية وفرصاً على المرمى.
وبعد مرور 28 عاماً على موقعة مرسيليا الشهيرة، يتجدد الصدام المونديالي بين المدرستين في الدور ربع النهائي لنسخة 2026. وبينما تسعى البرازيل جاهدة لشطب الإحصائية السلبية الوحيدة في سجلها الدولي، يدخل المنتخب النرويجي بقيادة نجمه إيرلينغ هالاند المباراة متسلحاً بكبريائه التاريخي، بهدف كتابة فصل جديد يؤكد تفوقه التاريخي في مواجهات كأس العالم.