المشهد الرياضي – من رعي الأغنام إلى صدّ رونالدو.. قصة الحارس الإيراني الذي هزم الفقر والبلجيكيين معًا

روكب اليوم

المشهد اليمني- متابعات

خطف الحارس الإيراني علي رضا بيرانفاند الأنظار بشكل لافت خلال المواجهة الأخيرة التي خاضها منتخب بلاده أمام نظيره البلجيكي، حيث قدّم أداءً استثنائيًا حافظ بموجبه على نظافة شباكه أمام أحد أقوى المنتخبات الأوروبية. لكن ما يغيب عن كثيرين أن الرجل الذي وقف حائط صدّ منيعًا أمام النجوم البلجيكيين، حمل بين طياته قصة كفاح لا تقلّ إثارةً عن أيّ دراما رياضية، بل ربما تفوقها.

ولد بيرانفاند في إقليم لورستان، إحدى المناطق الجبلية الواقعة غربي إيران، لعائلة بدوية بسيطة كانت تعتمد في معيشتها بالكامل على تربية ورعاية الأغنام. منذ طفولته المبكرة، اضطرّ الحارس الذي سيصبح لاحقًا أحد أبرز حراس المرمى في آسيا، إلى خوض معركة يومية مع الفقر والحاجة، حيث كان عليه مساعدة أسرته في رعي الأغنام والاهتمام بالماشية، بدلاً من أن يقضي أوقات فراغه في ملاعب كرة القدم كباقي الأطفال.

ورغم الحياة القاسية التي فرضها عليه الواقع، لم يفقد بيرانفاند شغفه الكامن بكرة القدم، وكان يحلم بأن يصبح حارس مرمى محترفًا يومًا ما. لكن تلك الأحلام لم تكن لتمرّ بسهولة، فقد واجه معارضة شديدة من والده الذي رفض فكرة أن يلتحق ابنه بعالم كرة القدم، واعتبرها مضيعةً للوقت وابتعادًا عن مسؤوليات العائلة. بل وصل الأمر إلى حدّ قيام الوالد بإحراق قفازات الحارس الشاب وملابسه الرياضية، في محاولة يائسة لإخماد ذلك الشغف.

لكن تلك اللحظة المؤلمة لم تكن لتكون نهاية الحلم، بل بداية لمرحلة جديدة من الكفاح. فقد اتخذ بيرانفاند قرارًا جريئًا لا يتناسب مع سنه الصغير، حيث استعار مبلغًا من المال من أحد أقاربه، وغادر قريته متوجهًا إلى العاصمة طهران، تلك المدينة التي كانت تمثّل بالنسبة إليه بوابة الأحلام والمستقبل المجهول.

عاش بيرانفاند في بداية رحلته أيامًا قاسية لا تُحسَد عليها، حيث لم يكن يملك سقفًا يأويه أو فراشًا ينام عليه، فكان يلجأ إلى النوم في الشوارع المهجورة وأمام أبواب الأندية التي يخضع فيها لاختبارات القبول، على أمل أن يخطف أنظار أحد المدربين. ولم يكتفِ بذلك، بل اضطرّ إلى العمل في مهن شاقة ومتعددة لكسب لقمة العيش وتغطية نفقات يومه، حيث عمل خياطًا، وغسّال سيارات، وموظفًا في مطاعم البيتزا، بالإضافة إلى أعمال النظافة والتنظيف، في رحلة بحث مستمرة عن فرصة حقيقية لإثبات موهبته.

ومن بين تلك التفاصيل المثيرة، يبرز جانب فريد من قصة بيرانفاند، حيث اكتسب قوة استثنائية في ذراعه اليمنى من خلال ممارسة لعبة شعبية تقليدية في منطقته، تعتمد على رمي الحجارة لمسافات بعيدة. تلك الممارسة التي كانت تبدو مجرد ترفيه في البداية، ساعدته لاحقًا على تسجيل رقم قياسي عالمي في طول الرمية باليد، ليدخل بذلك موسوعة غينيس للأرقام القياسية عام 2016.

بدأت نقطة التحول الحقيقية في مسيرة الحارس الإيراني عندما حصل على فرصة جديدة مع نادي نفط طهران، وهو النادي الذي منحه المنصة الأولى لإبراز قدراته أمام الجماهير الإيرانية. ومن هناك، انتقل إلى نادي بيرسيبوليس العريق، حيث رسّخ مكانته كأحد أبرز حراس المرمى في الدوري الإيراني، قبل أن يشقّ طريقه نحو الاحتراف الأوروبي.

ومع ذلك، يبقى أبرز مشاهد مسيرة بيرانفاند في كأس العالم 2018 التي أقيمت في روسيا، عندما تصدّى ببراعة لركلة جزاء نفّذها النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو، في لقطة لا تزال محفورة في ذاكرة عشاق الكرة الإيرانية والآسيوية. ومع الأداء المميز الذي قدّمه أمام بلجيكا في المباراة الأخيرة، وقيادته منتخب إيران للخروج بشباك نظيفة، عاد بيرانفاند ليثبت من جديد أن الإصرار والعمل الجاد والتضحيات، قادرة على تحويل أصعب البدايات إلى قصص نجاح استثنائية تلهم الملايين.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Enable Notifications OK No thanks