
وسّعت ميليشيا الحوثي، خلال الأيام القليلة الماضية، من حملات التعبئة الفكرية والعسكرية داخل الجامعات الخاضعة لسيطرتها، في خطوة تعكس تصاعداً ملحوظاً في جهودها لاستقطاب دفعات جديدة من المجندين، عبر دمج الأنشطة العقائدية بالتدريبات الميدانية داخل المؤسسات الأكاديمية، وربطها بحوافز مغرية وضغوط قاسية تمسّ مستقبل الطلاب والموظفين على حد سواء.
مصادر أكاديمية مطلعة كشفت أن الميليشيا أخضعت مئات الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين في جامعات صنعاء والحديدة وصعدة لبرامج تجمع بين التأهيل العقائدي والتدريبات العسكرية، بالتزامن مع حملات حشد واسعة تحت شعارات “الجهوزية” و”النفير العام”، وذلك في إطار تصعيد غير مسبوق لعمليات التعبئة داخل المؤسسات التعليمية.
وأفادت المصادر ذاتها أن الحوثيين ألزموا، خلال اليومين الماضيين، أعداداً كبيرة من منتسبي الجامعات بالمشاركة في تدريبات ميدانية وعروض عسكرية ووقفات جماهيرية، ملوحين بإجراءات عقابية صارمة بحق الرافضين، شملت الحرمان من بعض الحقوق الوظيفية، وتعطيل المعاملات الأكاديمية، وصولاً إلى منع الطلاب من دخول الامتحانات أو استلام شهاداتهم الجامعية.
وفي جامعة صنعاء، تحديداً، أفادت مصادر من أعضاء هيئة التدريس والطلاب بوجود حالة رفض واسعة للمشاركة في الأنشطة التي تشرف عليها ما تُعرف بـ”لجنة التعبئة” التابعة للميليشيا، مؤكدة أن ضعف الإقبال دفع الحوثيين إلى استقدام مئات من أنصارهم من خارج الجامعة ومن محافظات مجاورة للمشاركة في عرض عسكري داخل الحرم الجامعي، بهدف إظهار مشاركة واسعة لا تعكس الواقع الفعلي.
ونقل عن أحد أعضاء هيئة التدريس، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته خوفاً من الانتقام، أن إعلان الميليشيا مشاركة نحو 7500 طالب في العرض العسكري لا يعكس الحقيقة على الأرض، واعتبره جزءاً من حملة دعائية مدروسة تهدف إلى إظهار تأييد واسع لتحركاتها العسكرية، بالتزامن مع تصعيدها الداخلي وهجماتها المتكررة على الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
كما أكد عدد من الطلاب أن كثيراً ممن شاركوا في الفعالية ليسوا من طلاب الجامعة، وإنما جرى استقدامهم من خارجها، فيما امتنع آخرون عن المشاركة رغم الضغوط والتهديدات المتكررة، مشددين على أن الجامعات يجب أن تبقى مؤسسات للتعليم والبحث العلمي، لا ساحات للتعبئة العسكرية أو منصات للتجنيد القسري.
وفي جامعتي الحديدة وصعدة، تحدثت مصادر أكاديمية عن تعرض الطلاب والموظفين لضغوط مماثلة لإجبارهم على الالتحاق بالدورات والأنشطة التعبوية، خشية تعرضهم لإجراءات انتقامية تؤثر بشكل مباشر على أوضاعهم الأكاديمية أو الوظيفية.
ويرى أكاديميون ومراقبون سياسيون أن هذه الممارسات تعكس استمرار الميليشيا في توظيف مؤسسات التعليم العالي لخدمة مشروعها العسكري، عبر تحويل الجامعات إلى منصات للتجنيد والاستقطاب الجماهيري، وإقحام العملية التعليمية في الصراع المسلح، وهو ما يهدد استقلالية الجامعات ويقوض دورها العلمي والتنويري المفترض.
وبحسب مصادر أكاديمية متعددة، تسعى الميليشيا إلى رفد جبهات القتال بموجات جديدة من المجندين، بالتزامن مع استمرار تنظيم الدورات العسكرية داخل الجامعات، حيث تشير تقارير محلية إلى أن الحوثيين حوّلوا أكثر من 23 جامعة حكومية وأهلية و7 معاهد تعليمية إلى مراكز للتعبئة الفكرية والعسكرية ضمن ما يُعرف بـ”دورات طوفان الأقصى”، مع منح المشاركين درجات أكاديمية إضافية وحوافز تساعدهم على اجتياز الامتحانات.
ويُعد هذا التوسع في عسكرة الجامعات، وفق مراقبين مستقلين، امتداداً لسياسة ممنهجة تتبعها الميليشيا منذ سنوات لتجنيد الشباب واستغلال المؤسسات التعليمية في خدمة مشروعها السياسي والعسكري، في ظل تصاعد خسائرها الميدانية وحاجتها المستمرة إلى تعويض النقص الحاد في المقاتلين، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من تآكل البيئة التعليمية وتحويلها إلى أدوات للتعبئة والحشد العسكري بدلاً من أداء رسالتها الأكاديمية والتنويرية.