
تواجه مدينة تعز، جنوبي غرب اليمن، تدهوراً إنسانياً متسارعاً مع تشديد مليشيا الحوثي حصارها وقطع طرق الإمداد الرئيسية، وسط نقص حاد في الغذاء والوقود والمياه والأدوية، وتحذيرات أممية من مخاطر تهدد حياة السكان وتضع المستشفيات أمام خطر توقف الخدمات الطبية.
وحذر منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في اليمن، لوران بوكيرا، في بيان صدر في 20 أكتوبر الجاري، من أن إغلاق الطرق وانعدام الأمن يمنعان وصول الإمدادات الحيوية إلى المدينة والمناطق المحيطة بها، مشيراً إلى أن أسعار المواد الغذائية والوقود المتاحة ارتفعت إلى أكثر من الضعف، فيما تراجع إنتاج المياه في المدينة إلى النصف.
وبحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، يواجه أكثر من مليوني شخص في تعز تراجعاً في إمدادات مياه الشرب، بعد تعطل الوصول إلى آبار قريبة وتقييد حركة صهاريج المياه، ما اضطر الأسر إلى تقنين استهلاكها في ظل ارتفاع تكاليف الحصول على المياه المنقولة.
وتتفاقم الأزمة مع تراجع إمدادات الوقود اللازمة لتشغيل مضخات المياه والمولدات الكهربائية ووسائل النقل، الأمر الذي يهدد استمرار الخدمات الأساسية ويزيد صعوبة وصول السلع والاحتياجات اليومية إلى السكان، في وقت تشهد فيه الأسواق ارتفاعاً حاداً في الأسعار.
وفي القطاع الصحي، حذرت الأمم المتحدة من أن نقص الوقود والأكسجين الطبي والأدوية والمستلزمات الأساسية يهدد استمرار العمليات الجراحية وخدمات الطوارئ والعناية المركزة والغسيل الكلوي ورعاية الأمهات والمواليد.
وأفادت إحاطة أممية في جنيف بأن 42 منشأة صحية في مدينة تعز أبلغت عن نقص حاد في الإمدادات، مشيرة إلى أن المستشفيات وسيارات الإسعاف تحتاج إلى أكثر من 156 ألف لتر من الوقود شهرياً لمواصلة عملها، وسط مخاوف من تأثر إنتاج الأكسجين ونقل الحالات الطارئة وسلاسل التبريد اللازمة لحفظ اللقاحات.
وتتزايد المخاطر على الأطفال والمرضى الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة، خصوصاً الخدج وحديثي الولادة ومرضى الفشل الكلوي والسرطان. كما تواجه المحافظة أزمة غذائية وصحية متفاقمة، إذ كشفت بيانات أممية أن منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» فحصت أكثر من 168 ألف طفل في تعز منذ بداية العام، واكتشفت إصابة أكثر من 52 ألفاً بسوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 11 ألفاً و500 طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم.
ويتزامن الحصار مع تصاعد المواجهات العسكرية وموجة نزوح واسعة، إذ تجاوز عدد النازحين داخل اليمن 260 ألف شخص منذ أغسطس الماضي، وفق بيانات أممية نقلتها وكالة الأناضول في 22 أكتوبر، فيما سجلت الأمم المتحدة 251 ضحية مدنية بين قتيل وجريح، بينهم 57 قتيلاً و194 مصاباً.
كما حذر برنامج الأغذية العالمي، في 14 أكتوبر، من انقطاع المساعدات المنقذة للحياة عن نحو 800 ألف شخص بسبب اشتداد القتال وتقييد الوصول الإنساني في تعز ومناطق أخرى من البلاد، ما يثير مخاوف من اتساع فجوة الغذاء مع استمرار تعطل طرق الإمداد.
وتترافق هذه الظروف مع استمرار المخاطر الأمنية على المدنيين، حيث أدى هجوم صاروخي حوثي على حي سكني في مدينة تعز، وفق ما نقلته وكالة أسوشيتد برس، إلى مقتل فتاتين وإصابة ستة أشخاص، في وقت يعاني فيه السكان نقصاً في الإمدادات وارتفاعاً في أسعار المواد الأساسية.
وعلى الصعيد الدولي، دعا الاتحاد الأوروبي، في 14 أكتوبر، مليشيا الحوثي إلى رفع الحصار والسماح بدخول الغذاء والمياه والدواء والوقود، مؤكداً ضرورة حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
كما طالب منسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة بفتح ممرات آمنة بصورة عاجلة أمام السلع التجارية والغذائية والأدوية والمساعدات، محذراً من أن استمرار القيود قد يؤدي إلى مزيد من الوفيات الناجمة عن الجوع والأمراض التي يمكن الوقاية منها والإصابات التي يمكن علاجها.
وفي تحرك موازٍ، نظم يمنيون وأكاديميون وحقوقيون وإعلاميون من بلجيكا وهولندا وقفة احتجاجية أمام مقر البرلمان الأوروبي في بروكسل، للمطالبة بإنهاء حصار تعز وفتح المعابر الرئيسية بصورة دائمة وآمنة، وتسهيل حركة المدنيين وإيصال المساعدات والإمدادات الطبية، داعين المؤسسات الأوروبية إلى اتخاذ خطوات عملية لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
من جانبها، أكدت وزارة حقوق الإنسان اليمنية، في بيان صدر في 12 أكتوبر، أن الإعلان عن فتح بعض الطرق لا يعني انتهاء الحصار ما دامت حركة السكان وشحنات الإمدادات الأساسية لا تزال متعذرة فعلياً، مشددة على أن رفع الحصار يجب أن يُقاس بحرية التنقل الآمن والوصول الفعلي إلى الغذاء والدواء والوقود.
وتضع هذه التطورات تعز أمام أزمة تتجاوز إغلاق الطرق إلى تهديد منظومة الحياة اليومية، من توفير مياه الشرب وتشغيل المستشفيات إلى تأمين الغذاء واستمرار الخدمات الأساسية، وسط تحذيرات من أن استمرار الحصار وتعثر الإمدادات سيضاعفان معاناة السكان، خصوصاً الأطفال والمرضى والنازحين والأسر الأشد فقراً.