
كشفت دراسة علمية نُشرت في مجلة «Nature» وأجرها فريق بحثي بقيادة كلية بايلور للطب في الولايات المتحدة، أن الدماغ البشري يواصل تنفيذ عمليات معقدة للغاية مرتبطة بالكلام والتعلّم حتى في حالات فقدان الوعي التام الناتج عن التخدير العام.
وأظهرت التسجيلات المباشرة للخلايا العصبية استمرار معالجة معاني الكلمات وخصائصها النحوية، فضلاً عن ظهور نشاط عصبي متقدم يرتبط بتوقّع المعلومات المرتبطة بالكلمات المستقبلية قبل نطقها.
منهجية دقيقة وتسجيلات مجهرية
اعتمد العلماء في أبحاثهم على تقنية تسجيل النشاط العصبي مباشرة من منطقة «الحُصين» المسؤول الرئيسي عن التعلم والذاكرة، مستخدمين أقطاب «Neuropixels» عالية الكثافة لتتبع نشاط خلايا عصبية مفردة بدقة بالغة. وشملت التجارب سبعة مرضى تتراوح أعمارهم بين 25 و54 عاماً، من المصابين بصرع الفص الصدغي المقاوم للأدوية، والذين خضعوا لتخدير عام مستقر يعتمد على عقار «البروبوفول» ضمن المستويات الجراحية المعتادة.
الدماغ يميّز الأصوات ويكتسب المرونة
خلال التجارب الصوتية التي تضمنت تشغيل نغمات متكررة تتخللها أصوات غير متوقعة، أثبتت الخلايا العصبية قدرتها على التمييز بين النغمات رغم غياب وعي المشاركين. والأكثر إثارة هو تزايد حجم الاستجابة العصبية مع مرور الوقت، اعتبره الباحثون دليلاً على استمرار شكل من أشكال «المرونة العصبية» والتكيف التمثيلي مع البيئة الصوتية المحيطة أثناء التخدير.
تحليل الكلام ومعاني الكلمات
أثبتت التجربة المعتمدة على الاستماع لكلام طبيعي أن استجابة خلايا الحُصين لم تقتصر على مجرد رصد الأصوات، بل حملت النشاطات العصبية دلالات معيانية وإشارات تخص الخصائص النحوية للغة. وأشارت التسجيلات إلى قدرة بعض الخلايا على استباق دلالة الكلمات القادمة، وهي آلية معقدة يعتمد عليها الدماغ عادة لبناء السياق وفهم الحديث.
النشاط لا يعني الوعي الواضح
تؤكد الدراسة أن رصد هذه العمليات المعقدة لا يعني إطلاقاً أن المريض يعي ما يدور حوله أو يمتلك ذاكرة صريحة للأحداث بعد الاستيقاظ؛ فلم يبلغ أي من المشاركين عن أي تذكر واعٍ لما حدث خلال الجراحة، مما يوضح أن التخدير العام يفصل بوضوح بين استمرار الآليات العصبية التلقائية وبين التجربة الواعية للإنسان.
ويفتح هذا الاكتشاف آفاقاً جديدة أمام الأبحاث المتعلقة بفهم آليات الوعي والذاكرة واللغة، مع التأكيد على ضرورة إجراء دراسات أوسع مستقبلاً لتأكيد هذه النتائج على نطاق أشمل.